اشترط البخاري على نفسه الطهارة والصلاة عند عمله في صحيحه بل قال: وجعلته حجة فيما بيني وبين الله.
وقال: ما أدخلت فيه حديثًا إلاّ بعد ما استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته. (١)
وكتابه مقتصر على الصحيح العالي إذ أن شرط البخاري في روايته للحديث: أن يروي عن من لقيه ولو مرة فلا يكتفي بالمعاصرة فقط بل والتصريح بالسماع كما نبه على ذلك الحافظ بالاستقراء، والبخاري يبوب بآية أو حديث أو بعنوان من عنده. وهذه هي أحد مزايا البخاري في جامعه إذ أودع في هذه التراجم الفوائد الفقهية، والنكت الحكمية فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها واعتنى فيها بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة. (٢)
وفقه البخاري في تراجمه كما اشتهر عنه.
ولفظ الترجمة عند البخاري نوعان:
١ - ما يكون نصًا وهو إما آية أو حديث على شرطه أو حديث ليس على شرطه أو أثر صحابي.
٢ - ما يكون استنباطًا وهو ما ليس من قبيل النوع الأول بل من كلام الإمام البخاري نفسه.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٠٦، ٤١٢.
(٢) هدي الساري صـ ٨.
[ ٤٤ ]
فمن النوع الأول ومثاله الآية، باب قول الله تعالى ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة﴾ الطلاق ١.
والحديث الذي على شرطه بوب به فقال: باب قول النبي ﷺ: " لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" كتاب الفتن.
الحديث الذي ليس على شرطه كما رواه ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعًا: فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه. (١)
فقد ترجم له بقوله (باب فضل القرآن على سائر الكلام) كتاب فضائل القرآن.
وأما أثر الصحابي فقد فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعائكم﴾ الفرقان ٧٧. قال ابن عباس دعاؤكم إيمانكم.
ترجم له البخاري بقوله (باب: دعاؤكم إيمانكم) كتاب الإيمان. (٢)
وقد بلغت تراجمه (٣٨٨٢) ترجمة. (٣)
وقد اعتنى العلماء بهذه التراجم كثيرًا وأُفردت لها مصنفات خاصة سأقتصر على المطبوع منها وإلاّ فهي كثيرة جدًا فمنها:
١ - المتواري على تراجم البخاري لابن المنير. (٤)
٢ - تراجم البخاري لابن جماعة. (٥)
٣ - شرح تراجم صحيح البخاري لولي الله الدهلوي. (٦)
_________________
(١) رواه اللالكائي في شرح السنة ٢ (/٣٧٤) وهو موقوف على ابوعبدالرحمن السُّلمي.
(٢) تراجم البخاري لابن جماعة المقدمة صـ ٤٧ د. علي الزبن.
(٣) دليل القاري إلى مواضع الحديث في صحيح البخاري د. عبد الله الغنيمان صـ ٧٧.
(٤) أحمد بن محمد بن منصور الجُذامي (ت ٦٩٩ هـ)، الأعلام (١/ ٢٢٠).
(٥) محمد بن إبراهيم الكناني من العلماء بالحديث (ت ٧٣٣ هـ)، الأعلام (٥/ ٢٩٧).
(٦) أحمد شاه ولي الله بن عبدالرحيم الدهلوي، فقيه حنفي من المحدثين من علماء الهند المجددين (ت ١١٧٦ هـ)، الأعلام (١/ ١٤٩).
[ ٤٥ ]
٤ - الأبواب والتراجم للبخاري للشيخ محمد زكريا يحيى الدهلوي. (١)
كما أن الشراح لم يهملوها كابن حجر في الفتح والعيني (٢) في عمدة القارئ والقسطلاني (٣) في إرشاد الساري والكرماني (٤) في الكواكب الدراري وغيرهم -﵏-.
وأما شرح الصحيح ومختصراته فإنها أوسع من أن يحاط بها، فقد ذكر الدكتور عبد الغني عبد الخالق - رحمه الله تعالى- في كتابه (الإمام البخاري وصحيحه) من شروح وتعليقات ومختصرات الجامع (١١٥ كتابًا)، (٥٩) منها مخطوط ومنها (١٢) شرحًا مطبوعًا ومنها (٢٨) تعليقًا ما بين مخطوط ومطبوع ومنها (١٦) مختصرًا ما بين مطبوع ومخطوط). (٥)
ومن أهم الشروح على الإطلاق فتح الباري في شرح صحيح البخاري للعلامة الحافظ أحمد بن حجر.
ويسميه أهل العلم قاموس السنة لما احتوى عليه من الكم الهائل من الأحاديث والعلوم النبوية النافعة وكان ابن خلدون يقول: شرح كتاب البخاري دين على الأمة حتى قيض الله له هذا الإمام الحافظ ولمّا طلب بعض طلبة العلم في اليمن من العلامة المجتهد محمد بن علي
_________________
(١) محمد بن زكريا يحيى الدهلوي كبير علماء المسلمين في الحديث في الهند، معاصر، نزل المدينة، له عناية في صحيح البخاري توفي في غرة شعبان ١٤٠٢ هـ ودفن بالبقيع. انظر الإمام البخاري د. نزار أحمداني صـ ١٥٤.
(٢) محمود بن أحمد بن موسى العيني، فقيه أصولي محدث من علماء الأحناف (ت ٨٥٥ هـ).
(٣) أحمد بن محمد بن أبي بكر المصري، من علماء الحديث مولده ووفاته بالقاهرة (ت ٩٢٣ هـ)، الأعلام (١/ ٢٣٣).
(٤) محمد بن يوسف بن علي الكرماني، من شراح البخاري (ت ٧٨٦ هـ).
(٥) الإمام البخاري وصحيحه (٢٠٣ - ٢٤٥).
[ ٤٦ ]
الشوكاني (١) أن يشرح لهم صحيح البخاري قال: لا هجرة بعد (الفتح) يقصد إلى كفاية فتح الباري في هذا الباب. (٢)
وأما عدد أحاديث الصحيح فهو مختلف فيها يسيرًا تبعًا لاختلاف رواتها. وأصح طبعات البخاري تحتوي على (٧٥٦٣) حديثًا بالمكرر. (٣)
[المعلقات في البخاري]
وقد أورد البخاري في صحيحه مجموعة من الأحاديث المعلقة.
والتعليق في الأحاديث هو: [حذف راوٍ أو أكثر من أول السند ولو إلى آخر الإسناد]. (٤)
وتارة يجزم البخاري بها كقوله (قال) أو يأتي بها بصيغة التمريض: (يذكر)، وهي على نوعين مرفوع إلى النبي ﷺ أو يوقف على غيره، فأما المطلق المرفوع فقد يكون موصولًا في موضع آخر من كتابه فلا إشكال فيه وإنما علقه هنا للاختصار، وأما غيره فقد تولى الإمام ابن حجر وصله في كتابه الحافل [تغليق التعليق] في خمسة مجلدات وقد طبع بآخر ولله الحمد. (٥)
_________________
(١) محمد بن علي الشوكاني، فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن (ت ١٢٥٠ هـ)، الأعلام (٦/ ٢٩٨).
(٢) حياة البخاري للقاسمي صـ ٤٧.
(٣) طبعة دار السلام عام ١٤١٧ هـ.
(٤) شرح النووي صـ ١٤.
(٥) طبع بتحقيق سعيد بن موسى الغزقي وحققه لنيل درجة الدكتوراه سنة هـ ١٤٠٥ وطبعه المكتب الإسلامي.
[ ٤٧ ]
وقد أجاد الحافظ واستقصى بقية أسانيد البخاري ولكن لأنها ليست على شرط البخاري لم يجزم بها ومعلوم اجتماع الأمة على تلقي الصحيح بالقبول.
قال النسائي في معرض الكلام على كتب الحديث خاصةً البخاري ومسلم: أجود هذه الكتب كتاب البخاري واجتمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما، كما أيده الإمام النووي على ذلك - رحمهما الله-. (١)
_________________
(١) شرح النووي صـ ٣ بتصرف.
[ ٤٨ ]