بوب له البخاري -﵀- بقوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران ٣٠، واستدل بآية ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة ١١٦، والنفس في هذه النصوص يراد بها الله ﷻ ولا يقصد ذات منفكة عن الصفات.
قال ابن خزيمة -﵀- في أول كتاب التوحيد: فأول ما نبدأ به من صفات الله خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه، جل ربنا عن أن تكون نفسه كنفس خلقه، وعز أن يكون عدمًا لا نفس له. قال تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ الأنعام ٥٤. فأعلمنا ربنا أن له نفسًا كتب عليها الرحمة. (١)
والآيات والأحاديث في إطلاق النفس على الله ﵎ كثيرة فمن القرآن:
قوله تعالى: ﴿واصطنعتك لنفسي﴾ طه ٤١، وقوله ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ الأنعام ٥٤، وقوله ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران ٣٠، وقوله ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة ١١٦.
ومن الأحاديث: الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) رواه البخاري. (٢)
_________________
(١) كتاب التوحيد (١/ ١١).
(٢) رواه البخاري ح (٦٩٧٠).
[ ١١٢ ]
وحديث مسلم " قال ﵊ لجويرية -﵂-: قد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بهنّ لوزنتهنّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ومداد كلماته ورضى نفسه وزنة عرشه (١) ".
وفي حديث البخاري، قال ﵇: “ لما خلق الله الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو واضع عنده على العرش (إن رحمتي تغلب غضبي) (٢) ”.
وقد أورد البخاري حديثًا في الباب هو: ” ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وما أحد أحب إليه المدح من الله” فطريق هذا الحديث ليس فيه ذكر النفس، لكنه تقدم في كتاب التفسير من طريق آخر في تفسير سورة الأنعام وفيه: “ولا شيء أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه”. (٣)
وقال الحافظ ﵀: فذكر النفس ثابت في هذا الحديث وإن كان لم يقع في هذا الطريق، لكنه أشار إليه كعادته، فإنه -﵀- كثيرًا ما يترجم ببعض ما ورد في طرق الحديث الذي يورده.
قال ابن خزيمة -﵀- فالله جل وعلا أثبت في آي كتابه أن له نفسًا، وكذلك قد بين على لسان نبيه - ﷺ - أن له نفسًا، كما أثبت النفس في كتابه، وكفرت الجهمية بهذه الآي وهذه السنن وزعم بعض جهلتهم أن الله تعالى إنما أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق
_________________
(١) مسلم ح (٢٦٢٧).
(٢) البخاري ح (٣٠٢٢).
(٣) البخاري ح (٤٣٥٨).
[ ١١٣ ]
إليه وزعم أن نفسه غيره كما أن خلقه غيره، وهذا لا يتوهمه ذو لب وعلم فضلًا عن يتكلم به. (١)
وهذا واضح البطلان - أعني زعم الجهمية- الذين يزعمون أن الله لا يوصف بالضمير، وهو منفي عن الله كما نقل ذلك عنهم الإمام الدارمي -﵀- حين رد على بشر المريسي، فقال: وادعى المعارض أن الله لا يوصف بالضمير والضمير منفي عن الله، وهي كلمة خبيثة قديمة من كلام جهم، عارض بها قوله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة ٧٦، يدفع بذلك أن يكون الله تعالى سبق له علم في نفسه من الخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم.
قال أبو سعيد: "وقول جهم هذا أصل كبير في تعطيل النفس والعلم السابق، ثم قال -﵀- فإذا اجتمع قول الله وقول الرسولين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم فمن يكترث لقول جهم والمريسي وأصحابهما؟ فنفس الله هو الله والنفس مجمع الصفات كلها، فإذا نفيت النفس نفيت الصفات، وإذا نفيت الصفات كان لا شيء (٢) ".
قال الراغب الأصفهاني (٣) في مفرداته: "نفسه ذاته وهذا وإن كان قد حصل من حيث اللفظ مضاف ومضاف إليه يقتضي المغايرة وإثبات شيئين من حيث العبارة فلا
شيء من حيث المعنى سواه سبحانه عن الأثنوية من كل وجه (٤) ".
_________________
(١) التوحيد ١/ ١٩.
(٢) عقائد السلف صـ ٥٥٠ - ٥٥٢.
(٣) الحسين بن محمد الأصفهاني، أديب من الحكماء، له عناية بغريب القرآن، (ت ٥٠٢ هـ) الأعلام (٢/ ٢٥٥).
(٤) مفردات الأصفهاني صـ ٥١١.
[ ١١٤ ]
ونقل الحافظ -﵀- عن ابن بطال في هذه الآيات والأحاديث إثبات النفس لله تعالى، وللنفس معانٍ والمراد بنفس الله تعالى ذاته وليس بأمر مزيد عليه، فوجب أن يكون هو (١) "
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: " إن هذه المواضع المراد منها بلفظ النفس عند جمهور العلماء الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته، وليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات كما تظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات وكلا القولين خطأ (٢) ".
فبان أن البخاري -﵀- يرى جواز إطلاق النفس على الله من باب الإخبار وليس من باب التسمية ومعلوم أن باب الإطلاق والإخبار أوسع من باب التسمية، فأوردها مصدرًا لها بالآية الصريحة ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران ٣٠.
_________________
(١) الفتح ١٣/ ٣٨٤.
(٢) الفتاوى ٩/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
[ ١١٥ ]