التوحيد: مصدر وحد يوحد أي جعل الشيء واحدًا.
وقيل الحكم بان الشيء واحد والعلم بأنه واحد.
وفي الاصطلاح: إفراد الله بما يختص به سبحانه. (١)
وهو ثلاثة أنواع: الربوبية والألوهية، والأسماء والصفات.
وقال الجرجاني: وهو ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية والإقرار بالوحدانية ونفي الأنداد عنه جملة. (٢)
ومسألة تقسيم التوحيد حصل فيها انتقاد بين المعرفين من كل طائفة والحق أنه تقسيم اصطلاحي ظهر باستقراء النصوص مع تنزيه الله.
ولا باس أن نعرج على مسألة مهمة وهي من قال بهذا التقسيم أعني الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وأقدم من وجد مقسمًا لذلك الإمام أبو حنيفة ﵀ فقال: والله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء). (٣)
وقال شارح الفقه الأكبر لأبي حنيفة: الملا على القارئ. (٤)
_________________
(١) معجم ألفاظ العقيدة لعامر الفالح ص ١٠٢.
(٢) التعريفات للجرجاني صـ ٩٦.
(٣) أصول الدين عند ابي حنيفة ص ٢٠٨ وهي في الفقه الأبسط لأبي حنيفة صـ ٥١.
(٤) علي بن سلطان الملا القاريء، فقيه حنفي من صدور العلم في عصره صنف كتبًا كثيرة، (ت ١٠١٤ هـ)، الأعلام (٥/ ١٢).
[ ٥٧ ]
" ابتداء كلامه ﷾ في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية (١)
وممن قال به أيضًا من المتقدمين الإمام عبد الله بن محمد بن بطة العكبري (ت ٣٨٧) هـ قال في كتابه (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة).
ما نصه " وذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاث أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا.
الثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينًا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.
الثالث: أن يعتقده موصفوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه. (٢)
وممن قال به من المتقدمين الإمام الحافظ أبى عبد الله محمد بن إسحاق ابن مندة (ت ٣٩٥ هـ) في كتابه (كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الاتفاق والتفرد).
قال محققه: اشتمل على أقسام التوحيد التي ورد ذكرها، الربوبية والألوهية والأسماء والصفات ثم سرد الأبواب التي نص عليها ابن مندة لذلك. (٣)
_________________
(١) المرجع السابق صـ ٢٠٩
(٢) الإبانة لابن بطة صـ (٦٩٣ - ٦٩٤) من القسم المخطوط انظر القول السديد صـ ٢٩
(٣) التوحيد لابن مندة ١/ ٣٣ - ٤٢ بتحقيق د. علي فقيهي
[ ٥٨ ]
وكذلك نص على مثله الإمام الطحاوي في عقيدته (ت ٣٢١ هـ) فقال في أولها " نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: أن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا اله غيره ".
فتأمل قوله (لا شيء مثله) في الصفات (ولا شيء يعجزه) وهذا من توحيد الربوبية (ولا اله غيره) وهذا من توحيد الألوهية، وهذا ما فسره به الشارح ابن أبى العز الحنفي (ت ٧٩٣ هـ) في بيان وشرح هذه الأقسام.
ومنهم الإمام المقريزي (١) الشافعي صاحب الخطط المشهورة (ت ٨٤٥ هـ) فقد بنى عليها كتابه تجريد التوحيد المفيد. (٢)
ومن المتأخرين البيجوري شارح جوهرة التوحيد قال: " الحمد لله رب العالمين " يشير إلى تقدير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية - ثم قال: وغالب سور القرآن متضمنة نوعي التوحيد. (٣)
وأما وجوده في كلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب فكثيرٌ جدًا وهم أكثر من حرره وأبرزه.
وأما الإمام البخاري فقد أفرد الربوبية وجعل فعل الله منها فقال: ففعله من ربوبيته حيث يقول ﴿كن فيكون﴾ (٤) يس ٨٢، فذكر جزءًا من التقسيم ولم ينص على غيره، والحاصل: أن هذا التقسيم استقراء لنصوص الشرع وهو مطرد لدى أهل كل فن، وهو خلاصة النظر في كلمة
_________________
(١) أحمد بن علي بن عبدالقادر مؤرخ الديار المصرية ولي فيها الحسبة والخطابة (ت ٨٤٥ هـ)، الأعلام (١/ ١٧٧).
(٢) تجريد التوحيد للمقريزي ٣٨ وما بعدها وذكر إقرار المشركين لتوحيد الربوبية وإنكارهم لتوحيد الإلوهية صـ ٤٦.
(٣) شرح جوهرة التوحيد للبيجوري ص ٩٧.
(٤) خلق أفعال العباد (١١٣).
[ ٥٩ ]
التوحيد (لا إله إلاّ الله) فقد دلت هذه الكلمة على إفراد الله بالعبادة ودلت على ربوبيته، فإن العاجز لا يكون ربًا، ودلت على كمال أسمائه وصفاته، إذ أن مسلوب الصفات ليس بشيء. والله أعلم.
[ ٦٠ ]