نشأ الإمام البخاري - ﵀- يتيمًا في حجر أمه هو وأخوه أحمد، وقد ابتلي -﵀- بفقد البصر صغيرًا ثم رد الله بصره، فقد رأت أمه في المنام إبراهيم ﵇، فقال لها: يا هذه قد ردَّ الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو لكثرة دعائك. فأصبح وقد رد بصره. (١)
وربما عاوده هذا البلاء في أثناء طلبه للعلم قال مرة: لما بلغت خرا سان أصيب بصري فعلمني رجل أن أحلق رأسي وأغلفه بالخطمي (٢) ففعلت فرد الله علي بصري. (٣)
وقد سأله وراقه محمد بن أبي حاتم (٤) عن نشأته في طلب العلم، فأجاب عن نفسه فقال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قال: كم كان سنك؟ فقال: عشر سنين أو أقل ثم خرجت من الكتاب بعد العشر.
قال: وكنت أختلف إلى الفقهاء بمرو وأنا صبي، فإذا جئت استحي أن أسلم عليهم، فقال لي مؤدب من أهلها: كم كتبت اليوم؟ فقلت: اثنين أردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخ منهم: لا تضحكوا، فلعله يضحك منكم يومًا.
قال: وكنت أختلف إلى الداخلي (٥) وغيره. فقال يومًا فيما يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني، فقلت له ارجع إلى
_________________
(١) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٢/ ١٠.
(٢) ضرب من النبات يغتسل به، لسان العرب ٢/ ٨٦٢.
(٣) طبقات الشافعية للسبكي ٢/ ٢١٦.
(٤) محمد بن أبي حاتم البخاري: أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الورَّاق النحوي.
(٥) الداخلي: لم أجد له ترجمة.
[ ٢٠ ]
الأصل فدخل فنظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه وقال: صدقت وقد سئل البخاري ابن كم كنت حين رددت عليه، قال: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلمّا طعنت في ست عشرة سنة كنت قد حفظت كتب ابن المبارك (١) ووكيع (٢) وعرفت كلام هؤلاء (قال الحافظ يعني أصحاب الرأي).
قال: أبو بكر بن الأعين (٣): كتبنا عن البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي (٤) وما في وجهه شعرة فقلنا ابن كم أنت؟ قال ابن سبع عشرة سنة، ثم خرج -﵀- إلى الحج ورجع أخوه بأمه وبقى بمكة يكتب عن علمائها، وكان ذلك سنة (٢١٠ هـ).
قال البخاري: دخلت على الحميدي (٥) وأنا ابن ثمان عشرة سنة وبينه وبين آخر اختلاف في حديث، فلما بصر بي الحميدي قال: قد جاء من يفصل بيننا فعرضا عليَّ فقضيت للحميدي على من يخالفه.
قال وجعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبد الله بن موسى ثم سافرت إلى المدينة وصنفت فيها كتاب التاريخ الكبير. قال: وصنفت كتاب التاريخ إذاك
_________________
(١) ابن المبارك: هو عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلي أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام (ت ٢٨١ هـ الأعلام (٤/ ١١٥).
(٢) وكيع: وكيع بن الجراح بن قليح ابو سفيان حافظ للحديث ثبت محدث العراق في وقته ت ١٩٧ هـ، الأعلام (٨/ ١١٧).
(٣) أبوبكر بن الأعين: محمد بن أبي عقاب بن طريف أحد الأثبات روى عنه مسلم ووثقه ابن حبان (ت ٢٤٠ هـ) التقريب (٢/ ٥٥٢).
(٤) محمد بن يوسف الفريابي: قال عنه البخاري: كان أفضل أهل زمانه (ت ٢١٢ هـ)، (الخلاصة ٣٦٥).
(٥) الحميدي: أبوبكر عبدالله بن الزبير الأسدي، أحد الأئمة صحب الشافعي (ت ٢١٩ هـ)، (الخلاصة ١٩٧ هـ).
[ ٢١ ]
عند قبر النبي ﷺ في الليالي المقمرة وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب.
ثم واصل -﵀- الترحال في طلب الحديث ولقاء العلماء، وكانت البصرة أول مستقر له حيث مكث فيها خمس سنين يصنف ويحصل ويحج في كل سنة ثم يرجع إلى البصرة.
قال ﵀: دخلت الشام ومصر والجزيرة مرتين والبصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع المحدثين.
قال الحاكم (١): أول ما ورد البخاري نيسابور سنة تسع ومائتين (٢٠٩ هـ)، ووردها في الأخير سنة خمسين ومائتين (٢٥٠ هـ) أقام بها خمس سنين يحدث على الدوام.
وقال البخاري - ﵀- ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم وحتى نظرت في عامة كتب الرأي وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها، فما تركت بها حديثًا صحيحًا إلا كتبته إلاّ ما لم يظهر لي.
ومازال على هذه السيرة يجمع ويصنف فمن الغرب حيث الأخذ عن علماء مصر إلى المشرق حيث (مرو) وبلخ وهراة ونيسابور والري وجبال خرا سان مرورًا بالحرمين والجزيرة والشام والكوفة والبصرة وبغداد، أما بخارى وسمرقند وطشقند فهي موطنه.
قال الحاكم: " فقد رحل البخاري إلى هذه البلاد المذكورة في طلب العلم وأقام في كل مدينة على مشايخها قال: وإنما سَمّيت من كل ناحية جماعة من المتقدمين ليستدل به على عالي إسناده حتى حق له أن يقول: كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث إلاّ أذكر إسناده.
_________________
(١) الحاكم: محمد بن محمد أبو أحمد النيسابوري، محدِّث خراسان في عصره (ت ٣٧٨)، الأعلام (٧/ ٢٤٤).
[ ٢٢ ]