البخاري -﵀- تربى في بيئة صالحة، فقد قال أحمد بن حفص (٢): دخلت على إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته فقال: لا أعلم في مالي درهمًا حرامًا ولا درهمًا من شبهة.
فلا عجب - بعد توفيق الله- أن ينشأ البخاري صالحًا في هذه البيئة الصالحة.
وكان من زهده -﵀- أن قال: ما توليت شراء شيء قط ولا بيعه. كنت آمر إنسانًا فيشتري لي فقيل لي: ولم؟ قال: لما فيه من الزيادة والنقصان والتخليط.
قال وراقه: رأيته استلقى (بفربر) (٣) في تصنيف كتاب التفسير وكان اتعب نفسه في ذلك اليوم في التخريج، فقلت له: إني أراك تقول: ما أثبت شيئًا بغير علم فما الفائدة في الاستلقاء؟
فقال: أتعبت نفسي اليوم. وهذا ثغر خشيت أن يحدث حدثٌ من أمر العدو فأحببت أن أستريح وآخذ أهبة، فإذا غافصنا (٤) العدو كان بنا حراك.
وكان ﵀ ذا زهد وورع، قال مرة لأبي معشر الضرير (٥) اجعلني في حل يا أبا معشر فقال: من أي شيء يا أبا عبد الله، قال: رويت حديثًا يومًا فنظرت إليك وقد أعجبت به وأنت تحرك رأسك ويديك فتبسمت من ذلك، فقال: أنت في حل يرحمك الله يا أباعبدالله.
_________________
(١) هدي الساري لابن حجر (٤٨٨).
(٢) أحمد بن حفص السلمي، قاضي نيسابور، روى عنه البخاري وأبوداود والنسائي (ت ٢٥٨ هـ)، الخلاصة صـ ٥.
(٣) بلدة بين جيحون وبخارى كانت من الثغور: معجم البلدان ٤/ ٢٤٥. وهي في ولاية ليباب في دولة تركمانستان الان
(٤) المغافصة: الأخذ على غِرَّة، لسان العرب ٢/ ١٠٠١.
(٥) محمد بن أبان الخطاب - حافظ ثقة، ت ٢٢٤ هـ، الأعلام ٥/ ٢٩٣
[ ٣٠ ]
وكان يراقب الله فيما يؤلف ويحدث حتى قال مرة: الحامد والذام عندي سواء أو قال واحد.
وقال: إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني إني اغتبت أحدًا.
وهو بيّن لمن نظر في كتبه في الرجال فإنه أبلغ ما يقول في الرجل الساقط أو المتروك: فيه نظر أو سكتوا عنه وإن بالغ قال منكر الحديث، وقد قال: كل من
قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه.
وله عناية بالعبادة، فقد صلى ذات يوم فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورَّمه في سبعة عشر موضعًا ولم يقطع صلاته قال: كنت في آية فأحببت أن أتمها.
وكان قليل الأكل جدًا كثير الإحسان إلى الطلبة مفرط الكرم مرض في آخر عمره فعرضوا ماءه على الأطباء فقالوا: إن هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النصارى فإنهم لا يأتدمون فصدقهم في قولهم وقال: لم ائتدم منذ أربعين سنة، فسئلوا عن علاجه فقالوا: علاجه الأدم، فامتنع حتى ألح عليه المشايخ وأهل العلم إلى أن أجابهم أن يأكل مع الرغيف سكرة.
قال الحسن السمرقندي: كان محمد بن إسماعيل مخصوصًا بثلاث خصال: كان قليل الكلام وكان لا يطمع فيما عند الناس وكان لا يشتغل بإمور الناس.
وشمائله -﵀- كثيرة، زهدًا وعبادةً وكرمًا وإحسانًا إلى طلبة العلم ﵀ رحمة واسعة.
[ ٣١ ]