جاء في بعض الأحاديث الصحيحة إطلاق (الشخص) على الله، كما بوب البخاري -﵀- لذلك فقال: باب قول النبي - ﷺ - لا شخص أغير من الله، وقد رواه تعليقًا -﵀- ولكن وصله ابن حجر في تغليق التعليق (١) بإسناده إلى الدارمي -﵀- وغيره.
ورواه مسلم (٢) أيضًا بهذا اللفظ (لا شخص).
وهناك روايات أخرى بقوله (لا شيء) و(لا أحد).
وهناك من جعل لا شخص تصحيف ووهم من الرواة، وهناك من أولها، فقال الخطابي -﵀-: إطلاق الشخص في صفة الله تعالى غير جائز وذلك لأن الشخص لا يكون إلا جسمًا مؤلفًا وإنما يسمى شخصًا ما كان له شخص وارتفاع، ومثل هذا النعت منفي عن الله ﷾، وخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة وأن تكون تصحيفًا من الراوي. (٣)
ثم ذكر أن الشيء والشخص سواء فمن لم يفهم الاستماع لم يأمن الوهم، وليس كل الرواة يراعون لفظ الحديث حتى لا يتعدوه.
ويشكك الخطابي -﵀- بأن الراوي جرى منه لفظ الشخص من غير تأمل. (٤)
ولعل الخطابي -﵀- لم يطلع على الروايات الأخرى، فقد روى الحديث مسلم وأحمد والدارمي وغيرهم بلفظ (لا شخص)، ولذلك قال الإمام الكرماني معلقًا على الخطابي:
_________________
(١) تغليق التعليق (٥/ ٣٤٤).
(٢) كتاب اللعان حديث رقم ١٤٩٩.
(٣) أعلام الحديث ٤/ ٢٣٤٤.
(٤) أعلام الحديث ٤/ ٢٣٤٥
[ ١٢٠ ]
"لا حاجة إلى تخطئة الرواة الثقات بل حكمه حكم سائر المتشابهات فإما أن يفوض وإما أن يؤول (١) " هذا ما يراه الكرماني ولا يُسلم له.
ومثله الحافظ -﵀- فقد تعقب الخطابي بأنه لم يراجع باقي الروايات الصحيحة وأن طعنه في أئمة الحديث الضابطين مع إمكان توجيه ما رووا من الأمور التي أقدم عليها كثير من غير أهل الحديث وهو يقتضي قصور في علم من فعل ذلك منهم. (٢)
وقال الإمام النووي -﵀-: (لا شخص) أي لا أحد، وإنما قال لا شخص استعارة ومعناه لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله ولا يتصور ذلك منه. (٣)
وإلى مثل هذا ذهب البيهقي -﵀- فقد ساق كلام الخطابي وارتضى أن يكون لفظ (لا شخص) تصحيفًا ثم قال: ولو ثبتت هذه اللفظة لم يكن فيها ما يوجب أن يكون الله شخصًا، فإنما قصد إثبات صفة الغيرة لله تعالى والمبالغة فيه، وأن أحدًا من الأشخاص لا يبلغ تمامها. ونقل البيهقي مثل ذلك عن أبي بكر الإسماعيلي (٤) بأنه لا يوجب بأن الله شخص. (٥)
واسند لذلك بأن قوله (ما خلق الله شيئًا أعظم من آية الكرسي) ليس فيه إثبات خلق آية الكرسي، وليس فيه إلا أن لا خلق في العِظم كآية الكرسي، لا أن آية الكرسي مخلوقة (٦)، وبهذا قال ابن فورك وأخذه عنه ابن بطال.
_________________
(١) (٢٥/ ١٢٨) الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري للكرماني (٢٥/ ١٢٨).
(٢) فتح الباري (١٣/ ٤٠١) بتصرف.
(٣) شرح صحيح مسلم (١٠/ ١٠٣).
(٤) أحمد بن إبراهيم إسماعيل، حافظ جمع بين الفقه والحديث ورياسة الدين والدنيا، (ت ٣٧١ هـ) الأعلام (١/ ٨٦).
(٥) الأسماء والصفات صـ ٣٦٦.
(٦) المصدر السابق، وهذا المثال محل نظر والله أعلم.
[ ١٢١ ]
وقال ابن فورك بالمنع لهذا الإطلاق لعدم ثباته عنده من طريق السماع وللإجماع على منعه ولأن معناه يقتضي الجسمية.
وقال بالإجماع أيضًا ابن بطال، فقال: أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص.
ونقل عن القاضي عياض (١) -﵀- أنه لا إشكال في قوله (لا شخص) لأنه ربما وقع تجوزًا من (شيء) أو (أحد) وقال: قد يكون المراد بالشخص المرتفع؛ لأن الشخص هو ما ظهر وشخص وارتفع، فيكون المعنى لا مرتفع أرفع من الله كقوله (لا متعالي أعلى من الله) وله توجيه آخر وهو: لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله، وبمثله قال القرطبي (٢)
وأما من يسوق هذا اللفظ من غير تأويل فالإمام عبيد الله القواريري (٣) راوي الحديث في المسند -﵀- قال عبد الله بن أحمد بعد ذكره لهذا الحديث: قال عبيد الله القواريري: “ليس حديث أشد على الجهمية من هذا الحديث (٤) ”.
ورواه الإمام الدارمي في سننه ساكتًا عنه. (٥)
وبوب له الإمام الحافظ ابن أبي عاصم (٦) في كتابه [السنة] وساق للحديث إسنادين صحيحين على شرط الشيخين كما قال الألباني. (٧)
_________________
(١) عياض بن موسى اليحصبي، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته (ت ٥٤٤ هـ)، الأعلام (٥/ ٩٩).
(٢) انظر الأقوال السابقة في فتح الباري (١٣/ ٤١٣).
(٣) عبيد الله بن عمر بن ميسرة الإمام الحافظ، محدِّث الإسلام، روى له البخاري ومسلم وأبوداود وكتب عنه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل (ت ٢٣٥ هـ) سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٤٢).
(٤) المسند ٤/ ٢٤٨.
(٥) سنن الدارمي ٢/ ٧٣.
(٦) أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني يقال له ابن النبيل، عالم بالحديث له ثلاث مائة مصنف، (ت ٢٨٧ هـ) الأعلام (١/ ١٨٩).
(٧) السنة لابن أبي عاصم صـ ٢٣٠ - ٢٣١.
[ ١٢٢ ]
ومثله الإمام أبو يعلى ساق هذا الحديث بسنده في [إبطال التأويلات لأخبار الصفات] ثم قال: وأما لفظ الشخص فرأيت بعض أصحاب الحديث يذهب إلى جواز إطلاقه ووجهه أن قوله (لا شخص) نفي من إثبات وذلك يقتضي الجنس كقولك: لا رجل أكرم من زيد، يقتضي أن زيدًا يقع عليه اسم رجل، كذلك قوله (لا شخص أغير من الله) يقتضي أنه سبحانه يقع عليه هذا الاسم. (١)
ثم ذكر احتمالًا آخر وهو أن الاستثناء من غير جنسه لورود الروايات الأخرى (لا أحد) وقال إن هذا مثل قوله ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ النساء ١٥٧، وليس الظن من نوع العلم، وقوله ﴿فإنهم عدوٌ لي إلا رب العالمين﴾ (٢) الشعراء ٧٧.
فعلى هذا يمتنع في الرأي الآخر لأبي يعلى إطلاق الشخص على الله. (٣)
وجزم الدكتور عبد الله الغنيمان بأن هذا هو مراد البخاري وأنه وصف له.
وقال عن حكاية الإجماع التي قالها ابن بطال بأنه [لا يجوز أن يوصف بأنه شخص] أنها مجازفة ودعوى عارية عن الدليل وأن الدليل على ثبوت هذا اللفظ ثم قال: " وقد صح عنه - ﷺ - إطلاق هذا الاسم - أعني الشخص- على الله تعالى فيجب اتباعه في ذلك على من يؤمن بأنه رسول الله وهو - ﷺ - أعلم بربه وبما يجب له وما يمتنع عليه من غيره من سائر البشر. (٤)
_________________
(١) إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٦٦).
(٢) المصدر السابق ج ١ صـ ١٦٧.
(٣) وأورده ابن البنا في عقيدته التي اختصر فيها كتاب التوحيد للبخاري من غير تعليق صـ ١٢٢.
(٤) شرح كتاب التوحيد للغنيمان (١/ ٣٣٩).
[ ١٢٣ ]
والبخاري -﵀- لم يصرح بشيء غير التبويب بهذا الحديث المعلق، قال الحافظ -﵀-: لم يفصح المصنف بإطلاق الشخص على الله، بل أورد ذلك على طريق الاحتمال.
ويلاحظ أن البخاري -﵀- جزم بتسميته شيئًا لوضوح ذلك بالآيتين فقال: "فقد سمى الله شيئًا وسمى النبي - ﷺ - القرآن شيئًا وهو صفة من صفات الله".
ولكن بعض المؤلفين في مناسبات تراجم البخاري يرى أن مقصود البخاري بهذه الترجمة إثبات صفة الغيرة لله بدليل الحديث الذي أورده في الباب وهو قوله [أتعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن]. (١)
هذا والله أعلم، له وجاهة ولا حاجة للتأويل ونسبة الرواة للجهالة أو الرواية بالمعنى لثبوت لفظ الشخص في الصحيحين وغيرهما؛ ولأنه لا يلزم في اللغة أن يكون المفضل عليه من جنس المفضل، فلا يلزم إذًا أن يكون الله موصوفًا بالشخصية.
ثم إذا سلم بالوصف بالشخصية على قول من قال به، فهو لا يلزم من كونه شخصًا أن يكون مماثلًا للأشخاص فإن الله ليس كمثله شيء حتى في اللفظة التي يستوي الإنسان والرب ﷿ فإنه لا يماثله في حقيقة معناها، كما مرّ معنا في أكثر من إطلاق.
قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١.
واورد الإمام الدارقطني في كتاب الرؤية، وعبد الله بن أحمد بأسنادهما إلى لقيط بن عامر (٢) -﵁- في حديث قدومه على رسول الله - ﷺ - وهو حديث طويل وفيه ". .
_________________
(١) الأبواب والتراجم للهندي [٦/ ٣٣٩].
(٢) لقيط بن عامر بن صبرة أبو رزين صحابي، (ت ٢٩٧ هـ) تقريب التهذيب (٢/ ١٣٨).
[ ١٢٤ ]
فذكر الرب فقال تنظرون إليه وينظر إليكم" قال قلت يا رسول الله، كيف ونحن ملئ الأرض وهو شخص واحد فينظر إلينا وننظر إليه؟
فقال: الشمس والقمر آية منه صغيرة تروينهما ويرياناكم".
قال: فأقره النبي - ﷺ - على قوله " وهو شخص واحد".
وقد اختلف العلماء في صحة هذا الحديث، فممن صححه الإمام ابن القيم، وحكى قبوله عن الأئمة أبو زرعة الرازي وأبو حاتم والبخاري وغيرهم.
ثم علق على قوله (وهو شخص واحد) بقوله: وقد جاء هذا في الحديث وفي حديث آخر (لا شخص أغير من الله).
قال: والمخاطبون بهذا قوم عرب يعلمون المراد منه ولا يقع في قلوبهم تشبيهه سبحانه بالأشخاص بل هم أشرف عقولًا واصح أذهانًا وأسلم قلوبًا من ذلك. (١)
والذي بان لي أنه يجوز إطلاق لفظ الشخص من باب الإخبار عن الله ولكن ليس من باب التسمية؛ لأن شرط الأسماء أن تكون حسنى بالغة الحسن أكمله، ولأنه لا يدعي بقوله يا شخص ولم يرد هذا اللفظ في جميع روايات من جمع الأسماء الحسنى، والله أعلم.
_________________
(١) زاد المعاد ٣/ ٦٨١. والحديث: قال الأرنؤوط إسناده ضعيف لجهالة عبد الرحمن بن عياش السمعي. وقال مثله محقق أبطال التأويلات: ضعيف لنفس الجهالة السابقة، وقال الحافظ في التهذيب (٥/ ٥٧) ورواه أبو القاسم الطبراني مطولًا وهو حديث غريب جدًا. وكذا قال د. محمد القحطاني في تحقيق السنة لعبدالله ابن أحمد ٢/ ٤٨٥.
[ ١٢٥ ]