ختم الإمام البخاري كتابه الجامع بكتاب التوحيد ورقمه (٩١) ويحتوي على ثمانية وخمسين بابًا (٥٨) احتوت على (٢٤٥) حديثًا مرفوعًا المعلق منها وما في معناه من المتابعة (٥٥) طريقًا والباقي موصول خلص منها غير مكرر (١١) حديثًا وفيه من آثار الصحابة ومن بعدهم (٣٦) أثرًا. (١)
ومناسبة ختم البخاري جامعه بهذا الكتاب كما قال الإمام البلقيني: لما كان أصل العصمة أولًا وآخرًا هو توحيد الله فختم كتاب التوحيد وكان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين وخفتها فجعله آخر التراجم فقال (باب قول الله تعالى ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ الأنبياء ٤٧ وأن أعمال بني آدم توزن).
فبدأ بحديث إنما الأعمال بالنيات في أول الصحيح وختم بأن أعمال بني آدم توزن وأشار بذلك في أنه إنما يتقبل منها ما كان بالنية الخالصة لله تعالى. (٢)
ولا ريب أن البخاري أودع في كتاب التوحيد أصول اعتقاد السلف في أسماء الله وصفاته والرد على أهل الضلال من الجهمية ومن تبعهم ولذلك صارت العناية به والنقل عنه والإشارة إليه
فقد اختصر الإمام أبي علي الحسن بن البنا الحنبلي المتوفى سنة (٤٧١ هـ) كتاب التوحيد وضمنه كتابه المختار في أصول السنة فقال: باب ما ترجمه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٥٥٤ بتصرف وإضافة
(٢) هدى الساري (٢٩٧) بتصرف
[ ٤٩ ]
البخاري في كتاب الصحيح فقال: التوحيد وعظمة الرب وصفاته والرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الرب وجعلوها مخلوقة (١)
ثم أخذ في التعليق على مراد البخاري.
واختصر الإمام ابن القيم -﵀- تراجم كتاب التوحيد في كتابه: اجتماع الجيوش الإسلامية فأجاد وأفاد (٢)
وأما الشراح الذين أفردوه في الشرح فوقع لي من ذلك ما ألفه العلماء المعاصرون إذ لم أجد من أفرده بالتأليف (من السابقين) ومن ذلك:
١ - (شرح كتاب التوحيد للإمام البخاري) للعلامة عبد الحق الهاشمي المدرس في المسجد الحرام المتوفى سنة () (٣) وهو عالة على فتح الباري وغيره من الشروح لا يخرج عنها غالبًا مع التنبيه نادرًا على بعض ما يخالف فيه ابن حجر مراد البخاري.
٢ - (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) لفضيلة العلامة الدكتور عبد الله بن محمد الغنيمان رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية وهو ممن اعتنى بصحيح البخاري وكتابه (دليل القارئ إلى مواضع الحديث في صحيح البخاري) من أنفع وأدق الفهارس للجامع الصحيح.
ألَّف شرحه في مجلدين، قال في مقدمته (لما أعوزني وجود شرح على هذا الوصف - يقصد فهم السلف لمسائل العقيدة - ولم يسعفني من طلبت منه القيام بذلك من مشايخنا تطفلت على كتب العلماء وقمت بجمع ما أراه مناسبًا لشرح ما أورده البخاري ﵀ -
_________________
(١) المختار في أصول السنة لابن البنا صـ (٩٨) تحقيق عبد الرزاق البدر
(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص ٢٣٥ تحقيق د. عواد المعتق
(٣) له ترجمة في الإعلام للزركلي ٣/ ٢٨١ ولم يذكر سنة وفاته وهو والد الشيخ: أبي تراب الظاهري.
[ ٥٠ ]
ولست ازعم إنني أفهم من كتاب البخاري ما لا يفهمه شارحوه أمثال ابن حجر والعيني والخطابي وابن بطال والقسطلاني وغيرهم ولكن لكل منهم منهجه الخاص وعقيدته التي تملي عليه مسلكًا معينًا (١)
وقد استفدت منه كثيرًا، .
وهناك شرح للعلامة محمد بن صالح العثيمين أحد أعلام أهل السنة في زماننا وشرح فيه كتاب التوحيد وقد فُرّغ من تسجيل له وطبع على الآلة الكاتبة واستفدت
منه في فهم مراد البخاري. (٢)
كما استفدت منه - سلمه الله - مشافهة في بعض مسائل كتاب التوحيد فأفادني جزاه الله خيرًا، قال حفظه الله في مقدمة شرحه: هذا الكتاب ختم به المؤلف ﵀ الجامع الصحيح كما ابتداء بالوحي لان الوحي به الابتداء والتوحيد به الغاية ولهذا كان من مات وآخر كلامه لا اله إلا الله دخل الجنة. (٣)
كما أن البخاري ﵀ قد أفاض في بيان كثير من مسائل كتابه خاصة في مسائل خلق القرآن وما يتبعها من التلاوة والألفاظ وأحكامها هل هي مخلوقة أم لا؟ في كتابه (خلق أفعال العباد).
وقد احتوى كتاب التوحيد من صحيح البخاري على آراء البخاري وفهمه لمسائل العقيدة خاصة مسألة التوحيد وما يتبعها من أسماء وصفات فرتب ﵀ الكتاب بنفس طريقة الجامع الصحيح فهو يبوب لما يريد أن يظهره بآية أو حديث أو قول ثم يجعل القارئ يستنبط ما بوب
_________________
(١) شرح البخاري للغنيمان ١/ ٢٩
(٢) شرح ابن عثيمين كتاب التوحيد في الفترة بين ٣/ ١ حتى ١٠/ ٢ من سنة ١٤١٤ هـ
(٣) شرح ابن عثيمين لكتاب التوحيد ص ١
[ ٥١ ]
له من النصوص التي أوردها وأحيانًا يكون الشاهد في رواية أخرى كما هي عادة البخاري في تنشيط ذهن القاري: نبه على هذا أكثر الشراح.
فمن ذلك تبويبه بآية فيقول: (باب قول الله تعالى: ﴿وكان الله سميعًا﴾ النساء ١٣٤. وأما الحديث فقال: باب قول النبي - ﷺ - (لا شخص أغير من الله).
وربما بوب بفهمه للباب فقال: باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎، وأحيانًا يستنبط دليلًا عقليًا يفهمه من كلام صحابي كقوله: وقال خبيب: وذلك في ذات الإله؛ فذكر الذات باسمه تعالى واستنباطًا من آية فيقول: ﴿قل أي شيء اكبر شهادة قل الله﴾ الأنعام آية (١٩) فسمى الله تعالى نفسه شيئًا وسمى النبي - ﷺ - القرآن شيئًا وهو صفة من صفات الله.
وأحيانًا يورد تفاسير السلف للنص كقوله ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ قال أبو العالية: استوى: ارتفع وقال مجاهد علا وقال ابن عباس (المجيد) الكريم.
ويستشهد بالفطرة على بعض المسائل فيورد خبر أبي ذر -رضي اله عنه- في بحثه عن الحقيقة ويقول لأخيه: اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم انه يأتيه الخبر من السماء فهذا دليل فطري على علو الله على خلقه فهو يورده في إثبات العلو مع نصوص كثيرة مصرحة بذلك.
وقد أطال ﵀ في مسألة القرآن فنفى خلقه وتوسع في الفرق بين الخلق والمخلوق والفاعل والمفعول بنصف الكتاب الأخير تقريبًا لأنها المسألة التي امتحن بها فأكثر من الأدلة على توضيحها والله أعلم.
[ ٥٢ ]
الباب الأول مسائل العقيدة في كتاب التوحيد
الفصل الأول: التوحيد والرد على الجهمية
الفصل الثاني: أول واجب على المكلفين
الفصل الثالث: الأسماء الحسنى.
الفصل الرابع: من أحكام الأسماء الحسنى.
[ ٥٣ ]