ولم يقل أحد من أهل العلم: إن الاستدلال بكتاب الله وسنة، رسوله وأخذ الأحكام منها واستنباطها موقوف على سماع ذلك عن أحد، وإنما هو فهم يمن به تعالى على من يشاء من عباده، كما في حديث علي ﵁: "ما خضنا رسول الله ﷺ بشيء إلا ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتيه الله من شاء من عباده) (٤) وفي حديث: " «مثل ما بعثني الله به من الهدى ودين الحق كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء وأنبتت العشب والمرعى؟ وكان منها طائفة إنما هي قيعان لا تنبت الكلأ ولا تمسك الماء» (٥) " (٦) .
_________________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "وأجازه الكثير منهم، ومن أعلامهم محدث الحرمين الشيخ محمد حياة السندي، وكان له أكبر الأثر في توجيهه إلى إخلاص توحيد عبادة الله، والتخلص من رق التقليد الأعمى؟ والاشتغال بالكتاب والسنة ".
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "ورحل إلى الإحساء، وهي إذ ذاك آهلة بالعلماء فسمع منهم وأخذ عنهم، وعرف قدره أهل العلم والنهى ".
(٣) ساقطة من (ق) .
(٤) أخرجه مسلم (١٩٧٨)، وأحمد (١ / ١١٨، ١٥١) .
(٥) في (ق) و(م): "لا تمسك الماء ولا تنبت الكلأ".
(٦) أخرجه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢)، وأحمد (٤ / ٣٩٩) .
[ ٢ / ٢٥٥ ]
فقد مثل ﷺ هذا الوحي بالغيث (١) وقلوب الناس بالأرض، وقسمها هذا التقسيم البديع المطابق للحال (٢) والواقع.
ومثل هذا المعترض ينكر على أهل العلم ما يبدونه من الأحكام والأسرار، والحدود المأخوذة من كتاب الله، وإن كان المستند نصا ظاهرا زعما منه أن هذا يتلقى عن الأشياخ.
وينبغي أن يسأل هذا وأمثاله عما استنبطه الأئمة ودونوه من المسائل الأصولية والفروعية، أسمعوها وأخذوها عن أشياخهم، مسألة مسألة، وحكما حكما، وفرعا فرعا حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ، ويقال قال رسول الله ﷺ «المياه ثلاثة» (٣) إلى آخر كتاب الإقرار؟ .
فإن زعم ذلك، أضحك من جهله كافة العقلاء، وإن سلم أن أكثره وغالبه فهوم واستنباطات أخذت من نصوص الكتاب والسنة وكلام الأئمة في المسائل الاجتهادية وغيرها (٤) فما الموجب (٥) لهذا الصياح والإنكار على فرد من أفراد الأمة دون سائرهم، لولا الشك في أصل الإيمان، وعدم معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله؟ .
وهذا كله تنزل مع هذا المعترض، وإلا فما جاء به الشيخ من الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص الدين له يعرف بالضرورة من دين الإسلام، ولا يحتاج لنظر ولا استدلال.
_________________
(١) ساقطة من (ق) و(م) .
(٢) ساقطة من (ق) .
(٣) "المياه ثلاثة" ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في بقية النسخ: "غيرها" بدون الواو.
(٥) في (ح) "فالموجب".
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وهل (١) يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل؟!
ولا يقال لمن مستنده الكتاب والسنة: إنه يأخذ عن قلبه عن ربه، وإنما يأخذ عن كلام الله (٢) وسنة نبيه.
وهذه الكلمة قالها بعض مشايخ القوم، فيمن أحدث طريقة أو عبادة وخلوة أو رياضة لم يدل عليها كتاب ولا سنة، وقد صرح بهذا زنادقة الصوفية، كما نقل عن بعضهم: (كيف يأخذ عن عبد الرزاق من يأخذ عن الملك الخلاق)؟ ويسمون أهل العلم والأثر: (أهل القشور)؟ ويقولون: (نحن نأخذ عن الله بلا (٣) واسطة.
وهؤلاء هم المعنيون بهذا، وقد وضعه هذا الملحد فيمن تمسك بالكتاب والسنة ودعا إلى ما دعت إليه الرسل، وأخرج الكلام عن موضوعه ومحله، وهذا من جنس التحريف، ولي الألسن الذي وصف الله به اليهود.
وأما قوله: "لا يحسن الفرائض؟ فضلا عن العول والمناسخات والحساب) (٤) فهذا من القحة والبهت، ومن طالع كتاب "التوحيد وغيره من مصنفاته عرف فضل الشيخ وعلمه، وأنه من أدق الناس فهما، وأغزرهم علما، وإنما يرجع أهل نجد في وقته إليه في سائر العلوم
_________________
(١) في (ح) و(المطبوعة): "وليس".
(٢) في لفظ الجلالة ساقط من (ق) .
(٣) في (ح): "ولا ".
(٤) في (ق) و(م): "والحساب والمناسخات ". .
[ ٢ / ٢٥٧ ]
الشرعية (١) والفرائض وغيرها، وهذه كتبه وفتاويه ومصنفاته تشهد بذلك.
ثم لو قدر أن غيره (٢) أفرض منه وأحسب، هل يقتضي ذلك التفضيل مطلقا، ويوجب أن يرد ما جاء به من الحق والهدى؟ وقد ورد (٣) " «أفرضكم زيد» (٤) ومع ذلك فالسابقون الأولون أفضل منه، وأعلم وأفقه عن الله ورسوله، وقد يحسن الحساب بعض أهل الذمة من أهل الكتاب.
وهذا شيخك ابن سلوم له مصنف في الحساب، وهو من أضل الناس في معرفة دين الله وشرعه في غالب الأبواب.
وقد كان في سكوت هذا الرجل ستر لجهله.
وعنز السوء تبحث عن حتفها بظلفها. قال الشاعر:
فكان كعنز السوء قامت بظلفها إلى مدية تحت التراب تثيرها
وأما قوله: (سموا "الإقناع" المقلاع) .
فيقال: نسبة هذا إلى الشيخ من أوضح الكذب وأظهره، وإن أخطأ بعض أتباعه فخطأ التابع فيما يختص به لا يقدح في متبوعه، وكم أخطأ
_________________
(١) ساقطة من (ح) و(ق) و(م) .
(٢) في (ق): " قرأت غيرها".
(٣) في (المطبوعة) زيادة: "عن النبي ﷺ".
(٤) أخرجه الترمذي (٣٧٩٠، ٣٧٩١)، وابن ماجه (١٥٤)، والحاكم (٣ / ٦١٦)، والبيهقي في الكبرى (٥ / ٦٧، ح ٨٢٤٢)، وابن حبان بترتيب ابن بلبان (١٦ / ٨٥، ٧١٣٧) .
[ ٢ / ٢٥٨ ]
مخطئ من هذه الأمة وغيرها من أتباع المشايخ والأئمة، بل وأتباع الرسل، وقد قال ﷺ: " «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» " (١) لما بلغه ما فعل ببني (٢) جذيمة.
وأما قوله: (وجعل له مختصرا من "الشرح الكبير" و"المغني " و" الإنصاف ") .
فيقال: هذا يكذب ما قبله، إذا كان الرجل له عناية بكلام الفقهاء وأهل العلم وتأليفهم، وكيف ينسب إليه ما تقدم؟ .
وأما قوله: (حل فيه قيوده وكدر وروده) .
فهي جملة كاذبة خاطئة؟ بل هذب أحكامه، وقرب مقاصده ومرامه؟ وأحسن في تهذيبه، وأجاد في اختصاره وتقريبه؟ وهذا مما يدل على كثافة حجاب هذا المعترض، وأنه لا يدري شيئا من العلوم.
وأما قوله: (إنه لم يسمع عندهم لأصول الفقه والنحو والعربية ذكرا بل يتهكمون بمن يطريها دون من يتليها) .
فيقال: أنت وأمثالك من أشد الناس نفورا عنهم وبعدا، ومرباك ومأواك ساحل العراق، وما يلي مشهد علي والحسين من تلك البلاد، فما يدريك عنهم؟ وقد اعترفت أن (٣) بعض الناس نصحك عن الأخذ عنهم ففعلت، ولم تقدم الدرعية، ولم تر من فيها من الجهابذة الذين شاع فضلهم، واشتهر علمهم، ونقله العدول وشهدت به الآثار والمؤلفات، ورجع إليهم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧١٨٩)، وأحمد (٣ / ١٥١) .
(٢) في (ح) و(المطبوعة): "مع بني".
(٣) في (ق) و(م): "بأن ".
[ ٢ / ٢٥٩ ]
أهل اليمن وأهل صنعاء في كثير من المسائل والمشكلات، فوجدوا عندهم من العلوم ما يثلج الصدر، ويكشف العمى، وقد كثر الإقراء في "الدرعية " في علوم العربية حتى حضر درس الشيخ حسين بن غنام الجم الغفير، والخلق الكثير. ثم أنت أيها الرجل قد كشف الله عن سوأتك وأبدا خزيك، فقل جملة تمر بنا من كلامك إلا وفيها من اللحن أو بشاعة التركيب، أو تعقيد العبارة (١) أو هجنتها ما يشهد وينادي بأنك من أبلد الخلق، وأضلهم عن حسن التعبير ومعرفة العربية.
وهذه الجملة بعينها التي الكلام بصددها قد لحنت فيها لحنا فاحشا، وذلك في قولك: (يتهكمون بمن يطريها دون من يتليها)، وهي من "أفحش " اللحن؟ لأن " تلا " بابه " يتلو".
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩] [فاطر / ٢٩] .
ولم يقل: "يتلي".
وقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] [العنكبوت / ٤٥] .
ولم يقل: "اتلي " وأمثال هذا كثير، ولو تتبعت ما في كتابه من هذا لطال الكلام.
_________________
(١) في (ق) و(م): " العبارات ".
[ ٢ / ٢٦٠ ]