وأمَّا تعريضه بذكر الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة، حتى أشفق صدِّيق الأمة على ذهاب القرآن.
_________________
(١) في (ق) و(م): "أكثرهم".
[ ٢ / ٣٦٢ ]
فيقال: قد سفكت دماء أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في كثير من البقاع التي وقع فيها القتال، كأحد وحنين وبدر والشام والعراق، ودماؤهم أصيبت في الله ولله، وأشرف البقاع ما اشتمل (١) على أجسادهم ودمائهم ولا يؤثر ذلك في الأرض إلا طيبًا وتطهيرًا، وقد صح الحديث: «أنَّ الشهيد يبعث يوم القيامة وجرحه يسيل دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك» (٢) وأمَّا من بعدهم ممن سكن تلك الأرض، فالأرض لا تطهر ولا تقدس (٣) أحدًا، كما قال سلمان لما كتب إليه أبو الدرداء أن يقدم إلى الأرض المقدَّسة، فكتب إليه: "إنَّ الأرض لا تُقدّس أحدًا" (٤) وكذلك الأرض لا تؤثر في الإضلال والشقاوة، وقد سكن الحرمين والأرض المقدَّسة من هو (٥) أضلّ خلق الله وأكفرهم (٦) وأشدّهم عداوة لله (٧) بل سكن الأرض المقدسة من قتل الأنبياء وعَبَد العجل، وفعل ما قص الله عن (٨) بني إسرائيل، ولم تزل مقدسة مع ذلك تبعث فيها الأنبياء وتسكنها، ومصر دار الفراعنة والجبارين قد فتحت زمن عمر، وبنيت فيها المساجد
_________________
(١) في (ق): "أشملت".
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٧، ٢٨٥٣، ٥٥٣٣)، ومسلم (١٨٧٦)، والترمذي (١٦٥٦)، وأحمد (٢ / ٢٣١، ٢٤٢، ٣١٧) ومواضع.
(٣) في (ق) و(م): " لا تقدس ولا تطهر".
(٤) أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٧٦٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١ / ٢٠٥) .
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (ق): "وكفرهم ".
(٧) لم يرد لفظ الجلالة في (ق) و(م) و(ح) .
(٨) في (ق): "على".
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وسكنها الصحابة والتابعون، وجملة من أكابر العلماء كالليث بن سعد ومحمد بن إدريس، وأكابر أصحابه، وأشهب صاحب مالك، وخلق لا يحصيهم إلاَّ الله من أهل العلم والدين، ولم يقل أحد منهم: هذه دار فرعون الذي قتل بني إسرائيل وكذَّب الرسل (١) وادعى الربوبية، واتَّبعه قومه على ذلك، وما من حرم للمسلمين، ولا بلدة (٢) من بلادهم، ومساكن الأنبياء، إلاَّ وقد وقع فيها من الكفر والفسوق والقتال ما هو معروف (٣) مشهور.
ولا يعيب المسلمين، ويتنقص (٤) المؤمنين بمن سكن ديارهم، من الفراعنة الجبارين، والكفرة الماضين، إلاَّ من هو معدود من جملة الحمقى الضالين، وما أحسن ما قيل:
العلم للرجل اللبيب زيادة ونقيصة للأحمق الطياش
مثل النهار يزيد إبصار الورى نوراَ؛ ويعمي أعين الخفاش
[فصل في رد تعريض المعترض بأن الشيخ من نجد موضع الزلازل والفتن وموطن مسيلمة
_________________
(١) في (ق) و(م): "كذب الرسل وقتل بني إسرائيل".
(٢) في (ق): "بدله"، وهو سبق قلم.
(٣) ساقطة من (المطبوعة) .
(٤) في (ق): "وينقص".
[ ٢ / ٣٦٤ ]
فصل قال المعترض: (وقد امتنع رسول الله ﷺ عن الدعاء لها لما دعا للشام ولليمن والمدينة؟ لمَّا علم بعلم (١) الله ما يحدث فيها ومنها، وقال فيها: "أولئك (٢) منها الزلازل والفتن، ومنها يظهر قرن الشيطان"، ثم ذكر مسيلمة وقوله: "يا ضفدع بنت ضفدعين "، وأطال الكلام السمج (٣) الذي [١٤٦] يتنزَّه العاقل عن حكايته. ثم قال: (وقد نصَّت العرب أن لغة أهل اليمامة أركّ اللغات، فأين تأتي لهم الفصاحة والمعرفة، وقال فيهم الصدّيق ﵁: " لا يزالون في فتنة من كذابهم" وقد وجد منهم بالكوفة مائة وستون رجلا يقرءون كلام مسيلمة، فأُتي بهم لابن عبَّاس (٤) وقتل إمامهم وفرَّقهم في القبائل، وأجلى من أجلى منهم إلى الشام) . ثم قال: (ومن أين يظهر لهؤلاء البيان، ولم يميِّزوا (٥) بين القرآن وسجع الشيطان؟ بل أجملوا على ذلك، ولم يتنبَّه منهم اثنان فصار بذلك
_________________
(١) في (ق): "من علم ".
(٢) ساقطة من (ق) و(م) .
(٣) في (ق) و(م) و(ح): "السامج".
(٤) في "المطبوعة": " لابن مسعود".
(٥) في (ق): "يفرقوا ".
[ ٢ / ٣٦٥ ]
موضعهم قابلا للبهتان وزخارف الهذيان، ومن أنكر عليهم من أهل نجد وعلمائهم قتلوه في (١) ونهبوه، فصحَّ بهذا أنَّهم من الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم " «سفهاء الأحلام») الحديث (٢) الحديث (٣) والجواب أن يقال: أما اليمن والشام: فقد ثبت في الحديث (٤) أنه ﷺ دعا بالبركة فيهما (٥) ولا يلزم من هذا تفضيلهما على سائر البلاد الإسلامية، وقد دعا لأناس من أصحابه ﷺ (٦) وغيرهم من السابقين الأولين أفضل منهم (٧) عند كافة المسلمين، ومكة أُخْرِج منها النبي ﷺ وعبدت فيها الأصنام، وعلق على الكعبة من ذلك، ووضع عليها ما لم (٨) يوضع في بيت المقدس ولا غيره من مساجد المسلمين، ومكة أفضل البلاد، ومسجدها أفضل المساجد على الإطلاق. وأمَّا قوله ﷺ لما قيل له: وفي نجدنا: "تلك مواضع (٩) الزلازل
_________________
(١) (ق): "قلوه"، وهو سبق قلم.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦١٥، ٣٦١١، ٥٠٥٧، ٦٩٣٥)، وأبو داود (٤٧٦٧)، وأحمد (١ / ٤٠٤) .
(٣) ساقطة من (ق) و(م) .
(٤) في (ق): " الأحاديث".
(٥) فقال ﷺ: "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا"، أخرجه البخاري (١٠٣٧، ٧٠٩٤)، والترمذي (٣٩٥٣) .
(٦) وردت " الصلاة". في (ق) و(م) بعد " دعا".
(٧) في (ق) و(م): "أفضل منهم من السابقين الأولين".
(٨) في (ق): "مالا".
(٩) في (ق) زيادة: "قال" قبل "تلك "، وفي (المطبوعة): "هاهنا موضع ".
[ ٢ / ٣٦٦ ]
والفتن؟ ومنها يطلع قرن الشيطان (١) فالمقصود بها نجد العراق، وشرق المدينة، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث ابن عمر (٢) ونصَّ عليه الخطابي (٣) وغيره، وقد ترك الدعاء للعراق جملة بل (٤) وذمها. وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " «دخل إبليس العراق فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ، وبسط عليها عبقرية» " (٥) ولا يقول مسلم بذم علماء العراق لما ورد فيها، وأكابر أهل (٦) الحديث
_________________
(١) أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما وهو بقية الحديث السابق في الدعاء للشام واليمن بالبركة.
(٢) ونصه: "اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مكتنا، وبارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا، وبارك لنا في صاعنا ومُدنا، فقال رجل: يا رسول الله، وفي عراقنا، فأعرض عنه فقال: فيها الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان ". أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦ / ١٣٣)، وأخرج أيضا في نفس الموضع عن ابن عمر مرفوعًا: " اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا- فرددها ثلاث مرات-، فقال الرجل: يا رسول الله ولعراقنا، فقال رسول الله ﷺ: بها الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان) . وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٣٠٥)، نحوهما عن ابن عمر وابن عباس.
(٣) قال الخطابي: "نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة ".
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢ / ٣٤٠، ١٣٢٩٠)، وأيضًا في الأوسط (٦ / ٢٨٦)، وأبو الشيخ في العظمة (١٦٨٧ / ٥)، قال المناوي في الفيض (٢ / ٥٢٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ / ٦٠): (رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا.
(٦) في (ق): (علماء) .
[ ٢ / ٣٦٧ ]
وفقهاء الأمة وأهل الجرح (١) والتعديل أكثرهم من أهل العراق، وإمام السنَّة أحمد بن حنبل، وشيخ الطريقة (٢) الجنيد بن محمد، وعلَم الزهَّاد الحسن وابن سيرين، وأبو حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ومحمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج، وأبو داود وأصحاب السنن وأصحاب الدواوين الإسلامية، كلهم عراقيو الدار مولدًا أو (٣) سكنى، والليث بن سعد، ومحمد بن إدريس وأشهب، ومن قبل هؤلاء كلهم سكن العراق ومصر، وجملة (٤) من أكابر أصحاب رسول الله "ﷺ، ومن التابعين (٥) بعدهم. ومن عاب الساكن بالسكنى والإقامة في مثل تلك البلاد، فقد عاب جمهور الأمة، وسبهم، وآذاهم بغير ما اكتسبوا، وقد داول الله الأيام بين البقاع والبلاد، كما داولها بين الناس والعباد. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] [آل عمران: ١٤٠] . وكم من بلد قد (٦) فتحت، وصارت من خير بلاد المسلمين بعد أن كانت في أيدي الفراعنة والمشركين، والفلاسفة والصابئين، والكفرة من المجوس والكتابيين؟ بل الخربة التي كانت بها قبور المشركين صارت
_________________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق): "الطريق ".
(٣) في (ق) و(ح) و(المطبوعة): (وسكنى) .
(٤) في (المطبوعة)، و(ق): " جملة ".
(٥) في (ق) زيادة: "من".
(٦) سقطت من (ح) و(المطبوعة) .
[ ٢ / ٣٦٨ ]
مسجدًا هو أفضل مساجد المسلمين بعد المسجد الحرام؟ ودفن بها أفضل المرسلين وسادات المؤمنين. ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين، وطَرْد هذا القول جراءة على النبيين وأكابر المؤمنين. وهذا المعترض كعنز السوء يبحث عن حتفه بظلفه، ولا يدري؟ وقد قال (١) بعض الأْزهريين: مسيلمة الكذاب من خير نجدكم، فقلت: وفرعون اللعين رئيس مصركم فبهت. وأين كفر فرعون من كفر مسيلمة لو كانوا يعلمون؟ وأما قوله في كلام مسيلمة " يا ضفدع بنت ضفدعين: فإن كان هذا ينسبه إلينا، ويرى أننا آمنا بكلام مسيلمة، فهو لا يفرِّق بين دين محمد بن عبد الله الرسول الصادق الأمين، ودين مسيلمة الكذاب المهين، وإن كان هذا المعترض يعلم أننا كفرنا بمسيلمة وآمنا بالله ورسوله فما وجه ذكر مسيلمة وكذبه؟ لولا الحماقة والسفاهة، والجهالة والوقاحة؟ وقد تقدَّم أن طرد هذا الكلام يوجب ذم كل من سكن بلدة من بلاد المسلمين التي سكنها قبله أعيان المشركين، ورؤوس الكافرين، فأي أحد يبقى لو طرد هذا؟ وقد قال ﷺ: " «لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لناله رجال من فارس» " (٢) مع أن بلادهم من شر البلاد، عبدت فيها الأوثان والنيران، وكُفر فيها (٣) بالله الذي لا إِله إلاَّ هو الرحمن (٤)
_________________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "لي ".
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٩٧، ٤٨٩٨)، ومسلم (٢٥٤٦)، وأحمد (٢ / ٣٥٨) .
(٣) في (ق): "بها".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: " الرحيم ".
[ ٢ / ٣٦٩ ]
(وكذلك ما ذكر من قصتهم مع) (١) ما فيها من الكذب (٢) إنَّما هو، مجرَّد تمويه وهذيان ليس من محل النزاع في شيء.]