وأما قوله: (وقد علم الله من حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما علم. . .) إلخ كلامه: فحاصل هذه الدعوى أن الأنبياء أحياء، وأنهم أعلى من الشهداء حالا بعد الموت، وهذا حق لا ريب فيه، ولا ينازع فيه مسلم، والأمر أبلغ
_________________
(١) في (ح): "خلفاؤه الراشدون.
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) في (ق): "يجب.
(٤) في (المطبوعة): " من".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "على الكفر البواح والتكذيب الصارخ لكتاب الله ورسوله ".
(٦) في (ق) و(م) و(المطبوعة) زيادة: "كان".
[ ٣ / ٣٨٥ ]
من ذلك وأرفع، ولكن هذا لا لدل على صحة دعوى هذا (١) الرجل: من أنهم يقصدون للدعاء والاستعانة والاستغاثة، فإن فضلهم وحياتهم وكرامتهم ونبوتهم ورسالتهم لا تقضي صرف حق الله إليهم، وتنزيلهم منزلته تعالى في القصد والدعاء، والخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، ولا يوجب ذلك صرف الوجوه إليهم بشيء من المطالب والمقاصد التي [١٥١] بيده تعالى، ومنه عطاؤها وقسمها ومنعها، وتدبيرها وتيسيرها.
وقد قال تعالى (٢) ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] [آل عمران -١٤٤] .
قال بعض الأفاضل: نزَّل استعظام موته منزلة جعله إلها، ولذلك قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (٣) [آل عمران -١٤٤] . وقال تعالى: ﴿قُلْ (٤) إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] [الجن -٢١] . وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] [القصص -٥٦] .
وقد قال لابنته (٥) وبضعته: " «يا فاطمة بنت محمد (٦) لا أغني عنك
_________________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (م) و(ح) و(المطبوعة) زيادة: "لأكرم خلقه وأفضل رسله (ليس لك من الأمر شيء)، وقال تعالى".
(٣) في (ق) زيادة: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا الآية.
(٤) ساقطة من (ق) .
(٥) في (ح) و(المطبوعة): "لبنته".
(٦) في (المطبوعة): "اعملي فلن".
[ ٣ / ٣٨٦ ]
من الله شيئا» " (١) أفيظن هذا الغبي أن الرسالة والنبوة والكرامة والحياة البززخية أو الدنيوية توجب صرف القلوب إلى غير الله، وقصد من سواه، واتِّخاذ الأنداد والشفعاء (٢)؟ وقد ذكر الله هذا عن المشركين وقرَّر كفر فاعله، وأخبر أنهم لا يملكون (٣) لهم ضرًّا ولا نفعا، ولا (٤) موتا ولا حياة ولا نشورا.
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] [آل عمران -٨٠] . فأخبر تعالى أن قصدهم (٥) بالعبادات، والالتفات إليهم بالتألهات اتخاذ (٦) لهم أربابا، وأنه كفر بعد الإسلام.
ودندنة (٧) هذا المعترض بذكر الحياة ونفي الموت عنهم، وأن عيسى أعطي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، وأنَّ نبينا أفضل منه؛ كل هذا دندنة (٨) حول دعائهم مع الله، وأنهم يقصدون لتلك المطالب، وقد علم أنَّ النزاع بيننا وبينه في دعائهم للشدائد، ونسبة علم الغيب إليهم، وأن الدنيا والآخرة من
_________________
(١) تقدم تخريجه، انظر: ص (٢٩١)، هامش ٤.
(٢) في (المطبوعة) زيادة: "من دونه".
(٣) في (المطبوعة): " لأنفسهم".
(٤) في (المطبوعة) زيادة: "يملكون"، حيث ساقت مساق الآية.
(٥) في (المطبوعة): "قصد أنبيائه ورسله".
(٦) في (الأصل) و(م): " اتخاذا"، وليس صوابا.
(٧) في (المطبوعة): "وشنشة".
(٨) في (المطبوعة): "وشنشة".
[ ٣ / ٣٨٧ ]
جوده (١) -ﷺ- ومن فيض كرمه، هذا محل النزاع، فأخذ الغبي يستدل على ذلك بما لهم من الكرامة (٢) والحياة التي هي فوق حياة الشهداء، وأن عيسى يحيي الموتى ونبينا -ﷺ- أفضل منه، وقصده أنه يدعى لمثل ذلك، وما هو أبلغ منه، والنصارى احتجُّوا على دعاء عيسى وعبادته وإلهيته بهذه الحجج [الداحضة] (٣) وأمثالها، فنعوذ بالله من الخسران.
صار قصارى أمر هذا الرجل وغاية دينه، أن يحتج بالمعجزات والكرامات على دعاء غير الله، اللهمَّ (٤) مقلِّب القلوب ومصرفها صرِّف قلوبنا إلى طاعتك وتوحيدك والإيمان بك وبرسلك.
وأما قوله: (أفيظنهم هذا الرجل أمواتا) . فعبارة جاهل لا يفرّق بين حياة الأنبياء والشهداء بعد الموت، وحياتهم في الدنيا، فظن الغبي أنها هي الحياة الدنيوية؛ (ولذلك نفى الموت، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] [الزمر -٣٠] .
[١٥٦] والحياة) (٥) البرزخية تجامع الموت ولا تنافيه كحال الشهداء.
وقد تقدم أنَّ هذا الرجل أشبه برجال (٦) الجاهلية الأولى، لم (٧)
_________________
(١) في (ق): " وجوده ".
(٢) في (ق): " الكرامات".
(٣) ما بين المعقوفتين إضافة من بقية النسخ.
(٤) في (ح) و(المطبوعة) زيادة: "يا".
(٥) ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(٦) في (المطبوعة): "ألصق الناس بـ".
(٧) في (ح) و(المطبوعة): " ولم ".
[ ٣ / ٣٨٨ ]
يأنس بشيء مما جاءت به الأنبياء (١) .
وأمَّا ما رصف به الشيخ وحكم عليه به من تراكم الزيغ والأهواء ورؤية الحق في صورة الباطل: فالحكم بينه وبينه في هذا ونحوه إلى الله تعالى (٢) إِن يومَ الفصل
ميقاتهم (٣) أجمَعين [للدخان - ٤٠] .
وإنَّما أردنا بيان ما جاء به رسول الله -ﷺ- من التوحيد والهدى، وكشف ضلال أهل الزيغ والردى، وأما المقاصة فلسنا بصددها، وإن كان قد أذن لمن شاء أن ينتصر فيها.
_________________
(١) في (المطبوعة) زيادة: "بل ويحاول بظلماته أن ينقض ما جاء به الأنبياء ويريد أن يطفئ نور الله، والله متم نوره ولو كره هذا الكافر وشيعته الخاسرون".
(٢) في (ف) و(ح) زيادة: "قال تعالى".
(٣) في (ق): "كان ميقاتهم".
[ ٣ / ٣٨٩ ]