وأما قول المعترض: فنقول:
أولا: هذا الذي عرفه به من تأويلاته، يطالب أولا بصحتها) .
فيقال لهذا الملحد: إن الذي يشير إليه الشيخ، ويعرف به هو نصوص القرآن والسنة، وإجماع علماء الأمة، وما ذكره الفقهاء في كتبهم في تكفير من أشرك بالله، وجعل له ندا يعبده ويدعوه ويستجير بحماه، وأدلة هذا في كتاب الله، وفي سنة رسول الله (١) أكثر من أن تحصر.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] (٢) الآية (٣) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] [النساء / ١٣٦] .
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١] [التوبة / ١١] .
وقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] (٤) .
وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] (٥) .
وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] [الإسراء / ٢٣] .
_________________
(١) في (ح) و(ق) و(المطبوعة): "رسول الله ﷺ".
(٢) ساقطة من (المطبوعة) .
(٣) ساقطة من (المطبوعة) . [البقرة / ٢١] .
(٤) في (المطبوعة) زيادة " " الآية ". [الأنعام / ١٥١] .
(٥) هذه الآية ساقطة من (ق) . [النساء / ١٣٦] .
[ ٢٠٠ ]
وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] [الإسراء / ٣٩] .
وقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] [يوسف / ٣٩] والآية بعدها (١) .
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] [يونس / ١٠٦] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] [المؤمنون / ١١٧] .
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] [الإسراء / ٥٦] .
وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الجن / ١٨] .
وكقوله (٢) ﷺ: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده» (٣) «وفي حديث عمرو بن عبسة لما قدم على رسول الله ﷺ أول المبعث قال: "فقلت له: بأي شيء أرسلك؟ قال: بأن يوحدوا الله ولا (٤) يشرك به شيء، وتكسر الأوثان وتصل الرحم» (٥) وقوله: «أمرت
_________________
(١) ساقطة من (ق) .
(٢) في (ق): "وقوله ".
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢ / ٥٠، ٩٢)، وتقدم تخريجه. انظر: ص (١٥٢)، هامش ٢.
(٤) في (م): "لا".
(٥) أخرجه مسلم (٨٣٢)، وأحمد (٤ / ١١١)، وأبو داود (١٢٧٧) .
[ ٢٠١ ]
أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (١) .
ومعلوم أن المراد هنا قولها على وجه يحصل به إفراد (٢) الله بالعبادة وترك ما يعبد معه، والبراءة منه، وأما مجرد اللفظ مع المخالفة للحقيقة فليس مرادا بإجماع أهل العلم، ولذلك جاء في «حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن: "فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: " «إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات» " (٣) .
والمقصود منه: أنه جعل الغاية توحيد الله (٤) بالعبادة والاستجابة لذلك والتزامه هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله، وأما مجرد القول والتلفظ فليس هو عين المراد. وأما العلماء فقد وافقوا على ذلك، وقرروه، وذكروا الإجماع عليه، وأن الإيمان لا بد فيه من اعتقاد الجنان، وإقرار اللسان، وعمل الأركان، وجهلوا من اقتصر في تعريف مسماه على أحد هذه الثلاثة.
وأما كون الشيخ لا يصلح أن يكون من نظرائهم: فالذي يصلح أن يكون من نظرائهم عند هذا الملحد هو ابن سلوم، وابن فيروز، وأمثالهما
_________________
(١) أخرجه الشيخان وأصحاب السنن، وتقدم تخريجه. انظر: ص (١١٧)، هامش ٣.
(٢) في (ق): "إفاد".
(٣) أخرجه البخاري (١٤٥٨، ١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩، ٣١)، وأبو داود (١٥٨٤) .
(٤) في (ق) و(م): "توحيده".
[ ٢٠٢ ]
ممن (١) صرح بعداوة الدين، ومسبة شيخ المسلمين، وكل أحد يميل إلى جنسه ويصبو إلى ما يشاكله، "والأرواح أجناد (٢) مجندة، فلأرواح أهل الإيمان واليقين من الألفة والمشاكلة ما يوجب المودة والألفة ولو تباعدت الديار وتناءت الأشباح، بخلاف أهل الشرك والفجور، فإن بينهم وبين الأرواح الطيبة من الوحشة والنفور والبغضاء ما يزداد بقرب الديار ورؤية الأبصار، وبين أرواح بعضهم من بعض من ذلك ما هو مشاهد محسوس.
وقوله: (فإن أنكروا عليه ولم يوافقوه كما هو الواقع فلا كلا) .
يقال في جوابه: وافقه على وجوب توحيد الله والبراءة مما عبد معه جميع الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة، ووافقوه على تكفير من أبى ذلك ورده إذا قامت عليه الحجة.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [النحل / ٣٦]
وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] [الأنبياء / ٢٥]
وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا (٣) أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] [الزخرف / ٤٥]
وأما أعداء شيخنا المحادون لله ورسوله من ضلال المنتسبين (٤) إلى
_________________
(١) في (ق): "فمن".
(٢) في (المطبوعة): "جنود" وهو نص حديث صحيح متفق عليه.
(٣) في (ق) و(م): "الآية"، بعد قوله تعالى: (رسلنا) .
(٤) في (ق): "المبين".
[ ٢٠٣ ]
الملة: فليسوا من أهل العلم، بل ولا من أهل الإيمان؛ فلا يغتر بقولهم ولا يلتفت إليهم؛ لأنهم الأئمة في عبادة القبور وجعلها أوثانا تعبد (١) كما لا يلتفت إلى خلاف (٢) . القدرية والمجبرة والجهمية الذين جحدوا صفات الله، وأنكروا علوه واستواءه على عرشه، وأنه (٣) . يتكلم بحرف وصوت، وجعلوا نفيهم وتعطيلهم أصولا دينية يجب على الناس اعتقادها؟ فهؤلاء وأمثالهم لا يعتبر إنكارهم، ولا يستشهد بوفاقهم (٤) .
وأما قوله: (وقد قال تعالى (٥) فيمن لم يتبع سبيل المؤمنين ما قال) .
فكأن الرجل لا يعرف التلاوة ولا يحفظ الآية، ونقول: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] [النساء / ١١٥]
وسبيل المؤمنين هو الصراط المستقيم، وهو ما كان عليه ﷺ من الإسلام والتوحيد. فسره بهذا أهل العلم.
وأنت عكست الأمر، وجعلت من شاق الله ورسوله بمدح الشرك وأهله والدعوة إليه، وخرج عن سبيل المؤمنين، واتبع غيره (٦) هم العلماء
_________________
(١) في (ق) و(م) زيادة: "من دون الله" ووضع الناسخ فرقها خطا، يشير إلى زيادتها في (م) .
(٢) في (المطبوعة): "خلان " بالنون، وهو خطأ.
(٣) في جميع النسخ: "وأن"، ولعل ما أثبته هو الصواب.
(٤) في (ح): "وفاقهم".
(٥) ساقطة من (ق) و(م) .
(٦) في (ح): "غيرهم".
[ ٢٠٤ ]
الأمجاد النقاد الذين يعتد بوفاقهم وخلافهم، وهذا عين المشاقة والمحادة (١) لله ورسوله، وقد ولاك ما توليت، وأتاح لك ما اخترت وتمنيت، وصار أعداء دين الله هم أولياؤك وأشياخك وحزبك وأشياعك الذين تدين بأقوالهم، وترجع إلى آرائهم، وتحتج بها في موارد النزاع، فتحقق هذا الوصف فيك، وأما إصلاء جهنم فأمره إلى الله الذي بيده الملك وإليه يرجع الأمر كله فيقضي بين عباده بعلمه، وهو أسرع الحاسبين.