فصل قال المعترض: (والمقصود أن هؤلاء العلماء الأمناء الأمجاد النقاد من جميع نواحي الإسلام تلقوها، ونقلوها، ورضوها، ولم ينتقدها واحد منهم، ولا من غيرهم من علماء الأمة فهل تراهم أجمعوا على إقرار الشرك الأكبر، المخرج من الملة وما يقوله هذا الرجل، وأنهم جهلوا كما جهل صاحبها بزعمه، حتى خرج فأخرج لهم التوحيد كما يزعم (١) في الأرض التي سفكت فيها دماء الصحابة حتى أشفق صدِّيق الأمة وأصحاب رسول اللهﷺ منه على ذهاب القرآن حتى قال علي ﵁ (٢) أنه ذهب منه (٣) آيات منها آية الرجم) .
والجواب أن يقال: القول بأن العلماء الأمناء من نواحي الأرض قبلوها ورضوها ولم ينتقدها أحد منهم، قول باطل، وفرية ظاهرة، وكذب على أهل العلم والإيمان، وهذا العدد اليسير الذين ذكرهم (٤) في سنده لا يعرف أحد منهم بالعلم والفقه إلا رجل أو رجلان، ولهم من الأقوال
_________________
(١) في (ق) و(م): "زعم ".
(٢) في (ح): "كرم الله وجهه ".
(٣) في (ق): "منها".
(٤) في (ق) و(م) زيادة: "هذا المعترض".
[ ٢ / ٣٦١ ]
ما انتقدها عليهم فحول الرجال؟ والعصمة لا تدعى ولا تثبت لغير الرسل، فكيف ينسب إلى جميع العلماء من نواحي الأرض أنهم قبلوها ورضوها، وجلّ بضاعة هذا الرجل هو الكذب على الله وعلى رسله وعلى علماء الأمة وساداتها، فمن كانت هذه بضاعته فهو أكثر الناس (١) غبنا، وأعظمهم خسرانا، وهذا العدد الذي ذكره ليس فيهم من ذكر بالعلم إلا نحو ثلاثة أشخاص من المقلّدين الذين لا يرجع إليهم في التصحيح والترجيح، وما المانع أن يخفى عليهم هذا، وقد خفي على من هو أجل منهم وأفضل بالاتفاق؟ .
اللهم إلا أن يقول هذا المعترض بعصمة من روى هذا النظم، كما قالت ذلك غلاة الرافضة والإسماعيلية في أئمتهم الاثنى عشر، وقد مرَّ أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية انتقد على من هو أجل من صاحب البردة، كابن النعمان ما هو دون ما في هذه الأبيات.
ثم ما يدري هذا المغفل أن الأئمة لم ينتقدوها ولم يردوها أيكون الجهل، وعدم العلم دليلًا في موارد النزاع؟ وما المانع من أن يكون علماء الأمة أنكروا ما فيها من الغلو والإطراء؟ بل لا مانع من أن يكون رواتها قد أنكر ما فيها حذاقهم، وأهل البصيرة منهم، وقد يروي الرجل بعض الأحاديث والأخبار ويتعقَّبها مع ذلك ويذكر ما فيها، وينبغي إحسان الظن بأهل العلم، وحملهم في ذلك على أحسن المحامل وأكمل الوجوه.