فصل قال المعترض: (فقد روى البيهقي بسند جيد من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الداري -﵁- المعروف بخازن عمر. قال -﵁-: "أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب، فجاء رجل "إلى قبر النبي -ﷺ- (١) قال: يا رسول الله استسق الله تعالى لأمتك، فإنهم هلكوا، فأتاه رسول الله -ﷺ- في المنام، فقال: ائت عمر، فأقرأه (٢) السلام، وأخبرهم (٣) أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، وأتى الرجل عمر، فأخبره فبكى، ثم قال: يا رب، ما آلوا إلا ما (٤) "عجزت عنه" (٥) ورواه سيف بن عمر في فتوحه، وبين أن الرجل الذي رأى المنام بلال بن الحارث الصحابي الذي أقطعه النبي -ﷺ- المعادن القبلية (٦) فماذا يقول هذا (٧) أيقول (٨) إن الصحابة
_________________
(١) ما بين المعقوفتين إضافة من المصادر التي خرجت الحديث.
(٢) في (م): " وأقرأه ".
(٣) في (م): "وأخبره".
(٤) ساقطة من (ح) .
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٦ / ٣٥٦)، والخليلي في الإرشاد (١ / ٣١٤)، وأخرجه أيضا البخاري في التاريخ وابن أبي خيثمة. كذا قال الحافظ في ترجمة مالك الدار من الإصابة (٣ / ٤٨٤) . وانظر: "الاستيعاب" (٣ / ١١٤٩) .
(٦) انظر: " الإصابة " (١ / ١٦٤) .
(٧) في (ق) و(م) زيادة: " الرجل ".
(٨) في (ح): " ويقول ".
[ ٣ / ٤٦٤ ]
-﵃- الذين منهم أهل الشجرة كفروا، أم نقلة هذا الخبر من حفاظ هذه الأمة وسلفها الصالح، فهو كفر بالتوسل به (١) -ﷺ-، وهذا فيه أنهم نادوا وطلبوا منه -ﷺ- الاستسقاء أبلغ من ذلك، وفيهم الفاروق) .
والجواب أن يقال: هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب المصير إليه عند أهل العلم والإيمان، فقد ذكر العلماء (٢) الأدلة الشرعية وحصروها وليس أحد منهم استدل على الأحكام (٣) برؤيا آحاد الأمة، لا سيَّما إذا تجرَّدت عما يعضدها من الكتاب والسنَّة أو (٤) الإجماع أو القياس، وهذا الرجل الذي رآها أبهمه من روى هذه الواقعة، ولم يعينه إلا سيف (٥) بن عمر على ما زعمه هذا الرجل.
وقد تقدم الكلام في سيف؟ وأنه ضعيف لا يحتج به، ورؤية النبي -ﷺ- لا تدل على استحسان فعل من اشتكى إليه القحط، وهو -ﷺ- إني شفعت لهم في السقيا، أو طلبتها من الله لهم، أو أجبت هذا المشتكي، وإنما أخبر أنهم يسقون، وهذا لا يفيد إقرار هذا الفعل ولا الرضى به، ولا عن فاعله، وهو في حياته -ﷺ- ربما أعطى الرجل المسألة فيخرج بها يتأبطها نارا، وقد يجري (٦) لمن يدعو الصالحين ومن
_________________
(١) في (م) و(المطبوعة): "له".
(٢) في (ح) زيادة: " في ".
(٣) في (ق) زيادة: " الدينية ".
(٤) في بقية النسخ: "و".
(٥) في (ق) و(م): (سلف) .
(٦) في (ق): "جرى".
[ ٣ / ٤٦٥ ]
هو دون الأنبياء كثر من هذا النوع، كما ذكره شيخ الإسلام وغيره، ولكنهم قرروا أن هذا لا يدل على الإباحة ولا على الإجابة بهذا السبب؛ بل وقد لا يشعر المسؤول بشيء من ذلك، فإذا كان هذا يقع والمسؤول لا شعور لديه (١) ولا قدرة على الاستجابة فالاحتجاج به خروج عن الحجج الشرعية التي يرجع إليها أهل العلم والإيمان.
ورؤية النبي -ﷺ- (٢) وخطابه بمثل هذا لا (٣) يدل على حسن حال الرائي (٤) وتصويب فعله (٥) وقد يراه بعض الفساق والكفار، ورؤيته نذارة للمجرمين، وبشارة للمؤمنين؟ وكون عمر بكى ولم ينكر هذه الرؤيا، فليس هذا من الأدلة على أنه يشتكى إلى الرسول، ولم يقل الرائي لعمر: إني ذهبت واشتكيت القحط إلى رسول الله -ﷺ- ولم ينقله أحد- والنصارى والكفار يتوجهون إلى من عبدوه مع الله ويسألونه المطالب، وكشف الشدائد، ومع ذلك قد تحصل (٦) إجابتهم؛ لما لله في ذلك من الحكمة (٧)
_________________
(١) في (ق) و(م): " له به".
(٢) في (ق) و(م) زيادة: "في المنام ".
(٣) "بمثل هذا لا" ساقطة من (م) .
(٤) في (ق) زيادة: " وخطابه".
(٥) في (المطبوعة) زيادة: "هذا لو ثبتت هذه الرؤيا بوجه صحيح شرعي فكيف ودلائل الوضع تلوح عليها".
(٦) في (ق) و(م) زيادة: " لهم ".
(٧) في (المطبوعة) زيادة: "والفتنة ".
[ ٣ / ٤٦٦ ]
وقد قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ (١) هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠] (٢) [الإسراء / ٢٠] . وقد استجيب لبلعام بن باعورا في قوم موسى، والحجة الصريحة الواضحة ما فعله عمر بن الخطاب، وأقره أصحاب رسول الله -ﷺ- وأجمعوا عليه، كما في الصحيحين وغيرهما: "أن عمر استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نستسقي (٣) بنبيك فتسقينا، وإنا نستسقي بعم نبيك فاسقنا، قم (٤) يا عباس فادع الله فدعا العباس فسقوا" (٥) .
هذا، قد أجمع عليه الصحابة وأقروه، ولم يقل أحد منهم استسق برسول الله، أو (٦) ليس لك العدول عنه، بل هم أفقه من ذلك وأعلم بدين الله، ثم لو كان حقًّا كيف يتركه الجم الغفير ويعدلون عنه، مع أنه هدى وصواب؛ وهذا لا يكاد يقع ممن هو دونهم -﵃-، فكيف بهم -﵃-؟ ومن ترك هذه النصوص الواضحات الصريحة وعدل عنها إلى رؤيا منامية وحكايات عمن لا يحتج به في (٧) المسائل الإيمانية، فهو ممن وصف الله تعالى بقوله:
_________________
(١) ساقطة من (ح) .
(٢) في (ق) زيادة: وما كان عطاء ربك محظورا.
(٣) في (ق) زيادة: " إليك".
(٤) ساقطة من (ق) و(م) .
(٥) أخرجه البخاري (١٠١٠، ٣٧١٠)، وتقدم تخريجه. انظر: ص (٢٩٠)، هامش ٤.
(٦) في (ق): "و".
(٧) في (م): "بالمسائل".
[ ٣ / ٤٦٧ ]
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] (١) [آل عمران -٧] .
وقد قال النبي -ﷺ-: " «إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمى (٢) الله فاحذروهم» " (٣) .
قال شيخ الإسلام أبو العباس (٤) رحمه الله تعالى في الكلام على رد شبه النصارى وما يحتجون به على باطلهم: (أسباب الضلال الذي عرض لهؤلاء وأشباههم ثلاثة أمور إما نصوص متشابهة مجملة، لم يفهموها ولم يفقهوا ما دلت عليه، ويحتجون بها ويوردونها من غير فهم لمعناها، ولا معرفة لما دلت عليه، أو أمور مكذوبة مردودة، من الموضوعات التي لا يحتج بها، ويرجع إليها في أمر دينه إلا جهال لم يعرفوا ما جاءت به الرسل من الدين والشرائع، والثالث: احتجاجهم (٥) بخوارق العادة وما (٦) يجريه الله لأصحاب الخوارق، أو على أيديهم كمخاطبة الشياطين من الأصنام أو القبور أو غيرهما (٧) مما عبد مع الله، وقد يتراءى الشيطان لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، أو ينتسب إلى رجل صالح ويتسمى باسمه؛ كالخضر وعبد القادر، وقد تخاطب هؤلاء الشياطين من استغاث بغير الله أو دعاه، وينسب ذلك إلى هذا المدعو أو المستغاث به، ويقول أحدهم: رأيت فلانا وخاطبني فلان أو نحو هذا".
_________________
(١) في (ق) زيادة: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.
(٢) في (ق): " سماهم ".
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٤٧)، وأبو داود (٤٥٩٨) .
(٤) انظر: "الجواب الصحيح" (٢ / ٣١٥) .
(٥) ساقطة من (ق) .
(٦) في (م): (أو ما) .
(٧) في (ق): "غيرها".
[ ٣ / ٤٦٨ ]