وأما قوله: (فإذا تولَّى بلدًا قهرًا من بلاد محاربيه جعلها بزعمه فيئًا بيت مال له ولعياله وأتباعه؛ يزعم بذلك أنه يفعل فعل الصحابة ﵃ بالشام والعراق وغيرها من بلاد المسلمين) .
والجواب أن يقال: هذه العبارة عبارة جاهل بالحال والواقع، جاهل [٩] بالأحكام الشرعية. والشيخ ﵀ ما اختص بشيء من ذلك له ولا (٢) لعياله، بل هم كسائر المسلمين، يأكل أحدهم من الزكاة (٣) بفقره (٤) وحاجته وجهاده، ومن الفيء بحسب غناه في الإسلام ونفعه لأهله ومقامه
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من (المطبوعة) .
(٢) في (ق): " لا له ولا ".
(٣) في (ح) و(المطبوعة): " الزكاة ".
(٤) ساقطة من (ق) .
[ ٥٦ ]
فيه، وغيرهم أحظ (١) وأكثر، وأمر هذا المال إلى ولاة (٢) الأمور والأئمة. هذا حقيقة الحال.
وأما الحكم الشرعي: فمعلوم أن الرسول (٣) ﷺ فتح خيبر، وقسَّمها بين الغانمين، واختصَّ منها بفدك يأكل منها هو وأهله، ثم صارت صدقة بعده بنص الحديث، بيد أبي بكر ثم عمر، ثم دفعها عمر إلى علي والعباس، وهذا أطيب المكاسب وأحلها.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية [الأنفال -٤١] .
وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] (٤) الآية [الحشر -٧] .
وقد أخذ الجزية من مجوس هجر وأهل نجران وقسمها بين أصحابه، وسيرته في المغانم (٥) معروفة مشهورة عند أهل العلم، والبحث في حال من أخذت منه وفي دينه: هل هذا الأخذ على الوجه الشرعي والقانون المرضي أولا؛ هذا محل البحث.
وأمَّا التشنيع بمجرد (٦) أخذها: فهو حرفة الجاهلين، وطريقة
_________________
(١) في (المطبوعة): " أحظى ".
(٢) في (ق): " لولات ".
(٣) في (م) (ق): " رسول الله ".
(٤) في (س) زيادة: وَلِذِي الْقُرْبَى.
(٥) في (ق): " وسيرته في الغنائم ".
(٦) في (س): " بأخذها ".
[ ٥٧ ]
غير المحصلين (١) وحينئذٍ فيقال: إن كان ما صدر من رؤساء الإحسان والقطيف وغيرهم، ممن أُخذ ماله فيئًا وغنيمة هو الشرك الأكبر وعبادة الصالحين، وهو صريح الرد على الله وعلى رسله (٢) وعلى أئمة الدين، وما قرَّره الشيخ وبيَّنه هو توحيد رب العالمين الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، وأنهم قاموا أشد القيام في رده وإطفائه، وقاتلوا (٣) على ذلك بعد قيام الحجة، واعتراف (٤) كثير من علمائهم بأنه الحق، وأنه دين الله، فلا حرج حينئذِ ولا إثم في أخذ تلك الأموال فيئًا وغنيمة، اقتداء برسول الله ﷺ، وعملًا بدينه وشرعه (٥)؛ وإن كان ما عليه من أُخذت أموالهم من عبادة الصالحين، والشرك بالله والإعراض عن دينه، وقتال أهله، ومعاداة من قام به، وهو الإسلام وهو الحق، وهم مصيبون في ذلك على بينة من الله، [١٠]، فالذم لمن (٦) حكم على أموالهم بهذا الحكم، والعيب له، وتجهيله يتجه ولا يعاب.
فالكلام في الأصل الذي تفزع عنه أخذ الأموال، وجعلها فيئًا وغنائم، والمعترض لا يرى أن عبادة الصالحين، ودعاءهم، والتوكل عليهم، والذبح لهم، وتسويتهم بالله في الحب والخوف والرجاء والتعظيم
_________________
(١) في (ق): " المخلصين ".
(٢) في (ق) و(م): " رسوله ".
(٣) في (المطبوعة): " وقاتلوه ".
(٤) في (المطبوعة): " واعترف ".
(٥) في (ق): " وشريعته ".
(٦) في (ق): " على من ".
[ ٥٨ ]
شرك وضلال (١) يبيح الأموال والدماء بعد قيام الحجة، فلذلك اعترض بأخذ الأموال وجعلها فيئًا؛ بل (٢) ولا يرى ما كانت عليه البوادي من ترك دين الله والإعراض عما جاءت به الرسل، وإنكار البعث والرجوع في الدماء والأموال إلى ما حكمت به أسلافهم وعشائرهم، مع الاستهزاء الصريح بدين الله ورسله، مكفرًا مبيحًا للقتال والمال، وشبهة هذا الضال وإخوانه من قبل أنهم يقولون: لا إِله إلا الله.
والعلماء يُكَفِّرون بدون هذا من المكفرات، ويرون أن أموال هؤلاء المرتدين فيئًا، لا يختلفون في ذلك.