وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير٤: "إنه نظم التائية على طريقة المتصوفة المنسوبين إلى الاتحاد، وقال: وقد تكلم فيه غير واحد من مشايخنا بسبب قصيدته المشار إليها٥" وقال في سنة سبع وسبعين وستمائة في ترجمة محمد بن إسرائيل٦: "وكان أديبا، ولكن في كلامه ما يشير إلى الحلول والاتحاد
_________________
(١) ١ ص٧٢ فصوص. ٢ ورد بهامش الأصل ما نصه "ابن الفارض هو حجة أهل الوحدة، وحامل لواء الشعراء، توفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة عن ست وخمسين إلا أشهرا. ذكره الذهبي في تاريخه" وقد ولد ابن الفارض سنة ٥٧٦ هـ ودفن بمصر. ٣ ليس الحكم بهذا على ابن الفارض بحاجة إلى شهادة أحد، فإنه صرح في التائية بأنه يدين بهذه الأسطورة الملحدة، إذ يقول: وجل في فنون الاتحاد، وجاء حديث في اتحادي ثابت، وهأنا أبدي في اتحادي مبدئي. وسيأتيك ما يجعلك تؤمن بأنه كان من المؤمنين بالوحدة، لا بالاتحاد فحسب. ٤ الإمام المحدث البارع كما ينعته الذهبي. ولد سنة ٧٠٠ وتوفي سنة ٧٧٤، من مصنفاته البداية والنهاية في التاريخ، والتفسير، وجمع المسانيد العشرة، صحب ابن تيمية وأخذ عنه، ولازم المزي، وتزوج بابنته، وسمع عليه أكثر تصانيفه. ٥ ذكر ابن كثير هذا في البداية والنهاية. ٦ ولد نجم الدين ابن إسرائيل سنة ٥٦٣ وتوفي سنة ٦٧٧. ومن قوله: وما أنت غير الكون بل أنت عينه ويفهم هذا السر من هو ذائق وأيضا "إن الله ظهر في الأشياء حقيقة. واحتجب بها مجازا، فمن كان من أهل الحق والجمع شهدها مظاهر ومجالي، ومن كان من أهل المجاز شهدها ستورا وحجبا" انظر لسان الميزان، ومجموعة الرسائل والمسائل جـ١ ص٦١.
[ ٥٤ ]
على طريقة ابن الفارض، وابن عربي١". وقال الشيخ مدين، وهو كان رأس الصوفية زماننا: "إن التائية هي الفصوص، لا فرق بينهما" ومن قال أن السراج عمر بن إسحاق الهندي٢ عزر الشهاب أحمد بن يحيى بن أبي حجلة٣ لأجل كلامه في ابن الفارض، وجعل ذلك دليلا على ولايته؛ أجيب بأن شيخنا حافظ العصر أحمد بن حجر ذكر في ترجمته في أول تاريخه في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة أن السراج الهندي كان يتعصب للصوفية الاتحادية، وأنه شرح التائية، فسقط كلامه، والاعتبار به٤، وعلى كل تقدير تعزيره له غير واقع في محله بوجه، فإنه لا شيء على من كفر مسلما بتأويل بلا خلاف.
_________________
(١) ١ لا يدين ابن الفارض بالحلول، ولا ابن عربي به أو بالاتحاد، وإنما يدينان بالوحدة، إذ الحلول يستلزم الاثنينية، والاتحاد يشعر بأنه كان ثم غيران في وقت ما، وهما يدينان بأنه ما ثم غير ولا سوى. ومما قرأته لابن إسرائيل تحكم بأنه على دين أهل الوحدة، لا الحلول أو الاتحاد. ٢ ولد سنة ٧٠٤ ومات سنة ٧٧٣هـ. تولى قضاء الحنفية، وكان يتعصب تعصبا مقيتا للصوفية من أهل الوحدة، ولذا شرح تائية ابن الفارض. ٣ ولد سنة ٨٢٥ ثم قدم القاهرة، فولي بها مشيخة الصوفية، وكان يكثر من الحط على أهل الوحدة، وبخاصة ابن الفارض، ولهذا عارض جميع قصائده، توفي سنة ٧٧٦. ٤ ولهذا يجب دائما ألا نجعل آراء البشر أدلة على الحق، أو سبيلا إليه، بل نرد كل ما يعرض لنا من أقضية الدين إلى الكتاب والسنة، وفيما يحكمان به فصل الخطاب، والعدل والحق والصواب، ولو أن السراج الهندي أسلم وجهه لله، وجرد قلبه من إثم هواه، لوالى الله سبحانه ولم يوال ابن الفارض، وثمت يدين بالحق وهو ابن الفراض عدو للحق.
[ ٥٥ ]
نعلمه بين العلماء. والحجة فيه قصة عمر وحاطب١ ﵄، وغير ذلك مما وقع بحضرة النبي -ﷺ- في وقائع عدة، على أن التعزير٢ يحتمل أمورا عدة، لا يتعين شيء منها إلا بدليل، فسقط الاستدلال به.
وقال العلامة علاء الدين البخاري -وكان عين العلماء والصوفية قبل الشيخ مدين٣- لشخص حنفي: "لا فرق بين التائية والفصوص إلا بكونه نثرا، وكونها نظما، كما أنه لا فرق بين منظومة [١٣] النسفي والقدوري إلا بذلك. وقال الشافعي مثل ذلك، ومثل بالبهجة نظم الحاوي، وبالحاوي".
وقال العلامة بدر الدين حسين بن الأهدل، وهو من أعيان صوفية اليمن وفقهائهم: "واعلم أن ابن الفارض من رءوس أهل الاتحاد" واستشهد على٤
_________________
(١) ١ هو حاطب بن أبي بلتعة، اتفقوا على شهوده بدرا وثبت ذلك في الصحيحين من حديث علي في قصة كتاب حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله -ﷺ- إليهم، فنزلت فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآية. فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله، ﷺ: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ " وقد روى حديث حاطب الجماعة كلهم إلا ابن ماجه. ومكان الحجة هنا: تأول عمر فعل حاطب بالنفاق، وعدم مؤاخذة الرسول لعمر في تأوله هذا. ولكن حاطبا رجل أخطأ فندم وتاب فأين من هذا إصرار ابن الفارض، وتصريحه الجلي بأنه هو الله؟! ٢ يعني: تعزير السراج الهندي لابن أبي حجلة. وقد حفل البقاعي بهذا التعزير، كأنما السراج إله يعزر عاصيا. وماذا ينتظر الناس من السراج إلا إنما الحق غني عن تأييد الملايين من أمثال السراج هذا. ٣ ولد بأشمون جريس سنة ٧٨١ تقريبا. وتوفي سنة ٨٩٢. يقول عنه السخاوي في الضوء: "وأما في تحقيق مذهب القوم فهو حامل رايته. والمخصوص بصريحه وإشارته". ٤ لعله سقط من الناسخ بعد على، كلمة: قولة، أو هذا.
[ ٥٦ ]
بشراح التائية من أتباعه مثل سعيد الفرغاني وداود القيصري، ومحمود الأبزاوي.