وقال في فصل بيان ما هو من المقالات كفر: "كل مقالة صرحت بنفي الربوبية، أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله، أو مع الله، فهي كفر، كمقالة الدهرية٤، وسائر فرق [أصحاب٥] الاثنين [من الديصانية٦
_________________
(١) ١ ليس للشفاء هذه القيمة التي مجده بها البقاعي. قال الحافظ الذهبي عنه: إنه محشو بالأحاديث الموضوعة، والتأويلات الواهية الدالة على قلة تفقده مما لا يحتاج إليه قدر النبوة. ٢ في الأصل: استبر. والتصويب من الشفاء. ٣ ص٢٥٥ جـ٢ الشفاء ط الآستانة سنة ١٢٩٠هـ. ٤ يقول عنهم الحميري في كتابه الحور العين ص١٤٣: "إنهم القائلون بقدم العالم وقدم الدهر، وتدبيره للعالم وتأثيره فيه، وأنه ما أبلى الدهر من شيء أحدث شيئا آخر" ويتحدث الشهرستاني عنهم في الملل، فيقول عنهم: "أنكروا الخلق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي، والدهر المفني، وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [النور: ٤٥] إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي، وقصر الحياة والموت على تركيبها وتحللها، فالجامع هو الطبع، والمهلك هو الدهر" ص٢٥٩ج٢ط توفيق. ٥ ما بين هذين [] ساقط من الأصل. وأثبته نقلا عن الشفاء. ٦ هم أصحاب ديصان القائلون بأصلين: النور والظلام، فالأول يصنع الخير قصدا واختيارا، والثاني يفعل الشر طبعا واضطرارا، ويزعمون أن سمع النور وبصره وسائر حواسه شيء واحد. فسمعه هو بصره، وبصره هو حواسه" انظر ج٢ ص٨٩ من الملل والنحل.
[ ٢٤ ]
والمنانية١، وأشباههم من الصابئين٢ والنصارى والمجوس٣] والذين أشركوا
_________________
(١) ١ أصحاب ماني بن فاتك الذي ظهر في عهد سابور بن أزدشير. وضع دينا بين المجوسية والنصرانية، وزعم أن العالم مركب من أصلين قديمين نور وظلمة. الأول مصدر الخير، والثاني مصدر الشر. ويدين ماني بأن الظلام امتزج بالنور امتزاجا كليا في هذا الوجود، ولا يمكن أن ينفصل النور عن الظلام إلا بعد أن يفنى هذا العالم، ولهذا حرم الزواج على أتباعه حتى يبيد النوع الإنساني، فيستطيع النور الخلاص من الظلام، ولهذا قتله الملك. ودعوة ماني ذات نزعة تشاؤمية سوداء، شديدة الغلو في الحث على الزهد والحرمان. ٢ اختلف في شأن الصابئة. فالمسعودي يرى أنهم عبدة الكواكب، فيقول في المروج، وهو بصدد الحديث عن أحد ملوك الفرس: "وظهر في سنة من ملكه رجل يقال له: بوداسف أحدث مذهب الصابئة، وقال: إن مجالي الشرف الكامل، والصلاح الشامل. ومعدن الحياة في هذا السقف المرفوع "يعني السماء" وأن الكواكب هي المدبرات والواردات والصادرات" مروج الذهب ج١ ص٢٢٢ ويقول عنهم الحميري في الحور العين ص١٤١ "وقال الصابئون: شيئان قديمان: نور وظلام، فالنور عالم، والظلام جاهل. وقيل: إن الصابئين قوم يعبدون الملائكة. وقيل إن الصابئين قوم يخرجون من دين إلى دين". ويقول الرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٩٠: "إنهم قوم يقولون: إن مدبر هذا العالم وخالقه هذه الكواكب السبعة والنجوم، فهم عبدة الكواكب" ويقول الشهرستاني في الملل والنحل "ذكرنا أن الصبوة في مقابل الحنفية. وفي اللغة: صبا الرجل إذا مال وزاغ، فبحكم ميل هؤلاء "يعني الصابئة" على سنن الحق، وزيغهم عن نهج الأنبياء، قيل لهم: الصابئة، وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين". ويقول في موضع آخر: "ومنهم -أي: من الناس- من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام، ولا يقول بالشريعة والإسلام، وهم الصابئة" وانظر القرطبي ج١ ص٣٨٠، وابن خلدون ج١ ص١١٦. ٣ هم الثنويون من الفرس الذين يثبتون أصلين مدبرين قديمين يقتسمان الخير والشر. انظر الملل والنحل للشهرستاني ج٢ ص٥٩ ط صبيح، والحور العين للحميري ص١٤٢، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص٨٦.
[ ٢٥ ]
بعبادة الأوثان، أو الملائكة، أو الشياطين، أو الشمس أو النجوم، أو النار، أو أحد غير الله١" ثم قال: "وكذلك من أقر بالوحدانية، وصحة النبوة، ونبوة نبينا ﵇، ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به. ادعى في ذلك المصلحة بزعمه، أو لم يدعها؛ فهو كافر بإجماع، كالمتفلسفين، وبعض الباطنية٢ والروافض٣، وغلاة المتصوفة، وأصحاب الإباحة٤، فإن هؤلاء
_________________
(١) ١ ص٢٦٨ ج٢ الشفاء. ٢ بل كل الباطنية، فما من باطني إلا وهو يبطن البغضاء لله ورسوله، وأولى الناس بهذا اللقب هم الصوفية. ٣ يقول الأشعري في كتابه المقالات "وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر، وهم مجمعون على أن النبي ﷺ، نص على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي ﷺ" ص٨٧. ويقول ابن تيمية: "فهذا اللفظ -يعني الرافضة- أول ما ظهر في الإسلام، لما خرج زيد بن علي بن الحسين في أوائل المائة الثانية في خلافة هشام بن عبد الملك، واتبعه الشيعة، فسئل عن أبي بكر وعمر، فتولاهما وترحم عليهما، فرفضه قوم. فقال: رفضتموني، رفضتموني، فسموا: الرافضة" ص٢٥ ط مجموعة الرسائل الكبرى. وانظر ص١٨٤ من الحور العين ففيه تفصيل ما دار بين الرافضة وبين زيد من محاجة في شأن أبي بكر وعمر. ٤ هم صنفان: صنف كانوا قبل دولة الإسلام كالمزدكية، وصنف ظهروا في الإسلام، وهم كذلك صنفان. بابكية، ومازيارية، والأول أتباع الخرمي الذي ظهر في الجبال بناحية أذربيجان، وكثروا واستباحوا المحرمات وقتلوا الكثير من المسلمين. وأما المازيارية فهم أتباع مازيار. وكانت لهم ليلة يجتمعون فيها على الخمر والزمر. رجالهم ونساؤهم، فإذا طفئت السرج افتض الرجال النساء.. انتهى مختصرا عن مختصر الفرق بين الفرق ص١٦٢، وانظر ص٧٤ من الاعتقادات للرازي وص٣١ من كشف أسرار الباطنية للحمادي. ولعله لقب عام يصدق على كل طائفة تستبيح لنفسها ما حرمه الله سبحانه، ولعل القراء على ذكر مما نشرته الصحف عن إحدى الطرق الصوفية التي استباح شيخها لنفسه أعراض أتباعه رجالا ونساء، مما يؤكد لهم أن كل طريقة صوفية: إنما هي امتداد لفرقة سابقة ناهضت الإسلام، ونابذت شرعته.
[ ٢٦ ]
زعموا أن ظواهر الشريعة [٥] وأكثر ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون من أمور الآخرة والحشر والقيامة والجنة والنار، ليس منها شيء على مقتضى لفظها، ومفهوم خطابها، وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة، إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم١؛ فمضمن٢ مقالاتهم إبطال الشرائع، وتعطيل الأوامر والنواهي، وتكذيب الرسل والارتياب فيما أتوا به. وكذلك نكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن [في] ٣ كل جنس من الحيوان نذيرا ونبيا من القردة والخنازير والدواب والدود [ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ٤﴾ [النور: ٣٥] إذ ذلك يؤدي إلى أن توصف أنبياء هذه الأجناس
_________________
(١) ١ يقول ابن سينا "أما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد، وهو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة. ثم من المعلوم الواضح، أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد من الإقرار بالصانع موحدا مقدسا؛ ممتنع إلقاؤه إلى الجمهور. ثم لم يرد في القرآن من الإشارة إلى هذا الأمر الأهم شيء، ولا أتى بصريح ما يحتاج إليه من التوحيد بيان مفصل، وإذا كان الأمر في التوحيد هكذا، فكيف فيما هو بعده من الأمور الاعتقادية" باختصار عن رسالة الأضحوية لابن سينا من ص٤٤. وهكذا يدين الفلاسفة ومخانيثهم الصوفية بأن ليس في القرآن ما يهدي النفس إلى التوحيد أو يبين للفكر ما يجب اعتقاده في الله، وغير هذا من الأمور التي هي قوام الدين وملاكه. يدينون بهذا الإلحاد، ويقررونه في كتبهم في جرأة بالغة السفه والقحة والجحود بآيات الله التي تقرر في جلاء وإشراق ما يجحد به الفلاسفة. ٢ في الأصل: فمضمون، وهي كما أثبتها في الشفاء. ٣ ساقطة من الأصل. وأثبتها عن الشفاء. ٤ القائلون بهذا هم الحائطية أتباع أحمد بن حائط، أحد أصحاب النظام =
[ ٢٧ ]
بصفاتهم المذمومة، وفيه من الإزراء على هذا المنصب المنيف ما فيه، مع إجماع المسلمين على خلافه، وتكذيب قائله١" ا. هـ.
قلت: فكيف بمن يدعي أن الإله عين كل شيء من ذلك٢؟.
"وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب، أو خص٣ حديثا مجمعا على نقله، مقطوعا به، مجمعا على حمله على ظاهره، كتكفير الخوارج بإبطال الرجم؛ ولهذا نفكر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو توقف فيهم أو شك، أو صح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره٤ ما أظهر من خلاف ٥ ذلك". ا. هـ.
قلت: فكيف بمن يقول: أن جميع الخلق من أهل الملل وغيرها على صراط مستقيم٦، وأن فرعون مات طاهرا مطهرا٧ بعد النص القطعي على أنه
_________________
(١) = انظر ص٢٠ من كتاب الفرق الإسلامية محمود البشبيشي. وما بين هذين [] أثبته عن الشفاء. ١ ص٢٩٦، ٢٧٠ج٢ من الشفاء. ٢ أي: من القردة والخنازير والدواب والدود التي كفر القاضي عياض من يزعم النبوة لشيء منها. وافتراء أن الإله عين كل شيء من هذه وغيرها، هو دين ابن عربي وأحلاس زندقته. لإيمانه بوحدة الوجود. ٣ كذا بالأصل. وبصلب الشفاء أيضا، ولكن على هامش الشفاء ط الآستانة تصويب هو "أو نص حديث مجمع على نقله مقطوع به، مجمع على حمله على ظاهره" وهو هكذا في الشفاء. ط المطبعة الأزهرية بشرح القارئ. وهذا هو الصواب. بدليل ما كفر به الخوارج، وهو إبطالهم للرجم، والرجم إنما نصت عليه السنة لا القرآن فتكون العلة في تكفير القاضي لهم هي مخالفتهم لنص حديث. ٤ في الأصل: وما. والتصويب من الشفاء. ٥ ص٥١٠ ج٤ ط المطبعة الأزهرية بشرح القاري. ٦ هذا دين ابن عربي لإيمانه بوحدة الأديان. ٧ سيأتي النص بلفظه.
[ ٢٨ ]
من أهل النار؛ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣] ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [النساء: ٤٣] .
وقال:١ إن كل عابد شيئا فهو عابد لله، وحرف ما أخبر به عن عذاب قوم نوح وهود، ونحوهم بما سيأتي من أن ما حل بهم أعقبهم راحة وعذوبة، وأن الله تعالى كان ناصرهم على أنبيائه، فإن العداوة ما كانت إلا بينهم وبينهم؟
قال٢: "وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب، وأنكر قاعدة من قواعد الشرع٣" ثم قال: "وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية، وقاضي قضاتها أبو عمرو المالكي على قتل الحلاج٤ وصلبه لدعواه الإلهية، والقول بالحلول، وقوله: أنا الحق، مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته، وكذلك حكموا في ابن أبي الغراقيد٥.
_________________
(١) ١ أي: ابن عربي. ٢ أي: القاضي عياض. ٣ ص٢٧٢ ج٢ الشفاء ط الآستانة. ٤ هو الحسين بن منصور ولد سنة ٢٤٤هـ وهلك مصلوبا سنة ٣٠٩. وفي عصره ثم انتقال التصوف من جانبه العملي إلى جانبه النظري. فبدأ الصوفية يتحدثون عن ماهية الإله، وعن حقيقة العلاقة التي تربط الإنسان بالله: وقد آمن الحلاج بثنائية الطبيعة الإلهية باللاهوت والناسوت، وآمن بحلول اللاهوت في الناسوت. والحلاج في هذا متأثر بالمسيحيين السريان الذين استعملوا اللاهوت والناسوت للدلالة على طبيعتي المسيح. يقول في الطواسين ص١٣٤: أنا من أهوى، ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا ويقول في ص٥١ "أنا الحق، وصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون". ٥ هو محمد بن علي أبو جعفر الشلمغاني. كان يعتقد أنه إله الآلهة، وأن الله سبحانه يحل في كل شيء على قدر ما يحتمل، وأنه قد حل في آدم، وفي إبليس، وأن الله تعالى إذا حل في جسد أظهر من القدرة والمعجزة ما يدل على أنه هو الله له كتاب اسمه الحاسة السادسة، صرح فيه برفض الشريعة وإباحة اللواط. وزعم أنه إيلاج نور الفاضل في المفضول، ولذا أباح أتباعه نساءهم له، طمعا في إيلاج نوره فيهن. وكان يسمي محمدا وموسى بالخائنين، زعما منه أن هارون أرسل موسى، وأن عليا أرسل محمدا فخاناهما. صلب في خلافة الراضي سنة ٣٢٢ انظر الكامل لابن الأثير ج٦ ص٢٤١، والشذرات ج٢ ص٢٩٣، ومختصر الفرق ص١٦٠.
[ ٢٩ ]
وكان على [نحو] ١ مذهب الحلاج، بعد هذا أيام الراضي وقاضي قضاة بغداد يومئذ أبو الحسين بن أبي عمر المالكي٢" ا. هـ.
قلت: فكيف بمن يقول صريحا: إن الخلق هو الحق٣، والحق هو الخلق، والحق هو الإنسان الكبير، وهو حقيقة العالم وهويته؟!
وقال شيخ الإسلام الشيخ محيي الدين النووي الشافعي في كتاب الردة الروضة٤ مختصر الرافعي. قال المتولى: "من اعتقد قدم العالم، أو حدوث [٤] الصانع -إلى أن قال- أو أثبت له الانفصال، أو الاتصال، كان كافرا٥" ا. هـ.
_________________
(١) ١ ساقطة من الأصل. وأثبتها عن الشفاء. ٢ ص٢٨٢ ج٢ الشفاء. ٣ يعني الصوفية بالحق: الله ﵎. ٤ لعله سقط حرف "من" قبل لفظ الروضة. ٥ في التصريح بنفي الاتصال والانفصال معا في آن واحد، وعن ذات واحدة خلل منطقي. فهما يتقابلان تقابل السلب والإيجاب، فيلزم من انتفاء أحدهما ثبوت الآخر. وفيهما أيضا إجمال واشتباه، فقد يعني بالانفصال أنه سبحانه بائن من خلقه مستو على عرشه، ليس كمثله شيء. وهذا حق يؤمن به من أسلم قلبه لله، ووحده توحيدا صادقا في ربوبيته وآمن بأسمائه وصفاته كما هي في القرآن والسنة. وقد يعني بالانفصال أنه سبحانه لا يتصل بالعالم صلة خلق أو تدبير، أو علم منه سبحانه، أعني نفي كونه خالقا عليما يدبر الأمر، أو أنه سبحانه ليس لإرادته، أو قدرته أثر في مقادير الوجود، وغير ذلك مما يدين به الفلاسفة، ومرادهم منه =
[ ٣٠ ]
قلت: فكيف بمن يصرح بأنه ١ عين كل شيء؟ قال: "والرضى بالكفر كفر". قلت: فكيف بمن يصوب كل كفر، وينسب ذلك التصويب إلى نقل الله تعالى له عن نبيه هود ﵇؟
ويقول: إن الضلال أهدى من الهدى؛ لأن الضال حائر، والحائر دائر
_________________
(١) = نفى الخالق القادر المريد المختار. وهذا كف ر يجحد بالربوبية والإلهية. وكذلك الاتصال: فقد يراد به أن سبحانه يدبر الكون، ويصرف الليل والنهار، ويسخر الشمس والقمر، ويحيط علمه بكل شيء كليا كان أو جزئيا، وتشمل قدرته كل شيء، وغير هذا مما يشهد بكمال الربوبية. وهذا حق لا يتم الإيمان إلا به. وقد يعني به مفهومه الصوفي، أي: إنه سبحانه حال في كل شيء، أو متحد بكل شيء، أو إنه عين كل شيء، أو إنه هو الوجود الساري في كل موجود، ومن يدين بهذا فهو زنديق، أو مجوسي، أو بتعبير أدق: صوفي. فالصوفية مرادفة لكل ما يناقض الإيمان الحق، والتوحيد الحق. لذا يجب على كل من يخبر عن الله أو صفاته أو أسمائه أن يلتزم حدود ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر الرسول به عن ربه. وإلا تزندق، أو تمجس كالصوفية، وألحد كالفلاسفة، وضل كالمتكلمين، ألم تر إلينا نحن البشر كيف نعيب فلانا بأنه لم يكن دقيق التعبير عن المذهب الفلسفي أو الأخلاقي، أو الفنى لفلان، أولم يكن مهذبا فيما تحدث به عن فلان، أوخاطب به فلانا، بل قد نذهب في مذمته كل مذهب، حتى نتهمه بالعي والفهاهة والسفه، فكيف -ولله المثل الأعلى- نطلق للقلم العنان فيما يكتب عن الله، مما يصوره له الأفن والوهم عن ذات الله وصفاته؟ وكيف نستبيح -سادرين- الإخبار عن الله سبحانه بما لا يجب، وما لا يرضي، وما لم يخبر به عن نفسه. ونصف هذه الجرأة الكافرة بأنها حرية فكرية أو تجاوب مع العقل، أو استيحاء من الذوق!! ولقد كان من نتائج هذه الحرية المزعومة -والحق أنها عبودية للوهم وللشيطان- أن آمن بعض الناس برب لا يوصف إلا بالسلب، أي: بالعدم نعتوه ربا. أو برب هو عين العبد. أو بإله يجب أن يعبد في كل شي؛ لأنه عين كل شي، فلتمجد العبودية ربوبية الله، بما يحب سبحانه وحده أن تمجد به. ١ أي: الله سبحانه.
[ ٣١ ]
حول القطب١ والمهتدي سالك في طريق مستطيل، فهو بعيد عن القطب؟! وسترى ذلك كله في عبارته٢ صريحا.
ثم نقل الشيخ محيي الدين النووي عن الحنفية -مرتضيا له- قائلا: "إن إطلاق أصحابنا يقتضي الموافقة عليه. أنه إذا سخر بوعد الله تعالى، أو بوعيده كفر. ولو قال: لا أخاف القيامة؛ كفر" ا. هـ.
قلت: فكيف بمن يقول: إنه ليس لوعيد الله عين تعاين، وأن الآخرة موضع السعادة لكل أحد، والمعذب منعم بعذابه؟!.
ثم نقل الشيخ عن القاضي عياض، مرتضيا له: "أن من لم يكفر من دان بغير الإسلام، كالنصارى، أو شك في تكفيرهم، أو صحح٣ مذهبهم، فهو كافر، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، قال: وكذا نقطع بتكفير كل قائل قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة، أو تكفير الصحابة٤".
ثم قال٥ في الباب الثاني في أحكام الردة: "إن حكمها إهدار دم المرتد، فيجب قتله إن لم يتب، سواء كان الكفر الذي ارتد إليه كفرا ظاهرا، أو غيره ككفر الباطنية" ا. هـ.
_________________
(١) ١ القطب عند الصوفية عبارة عن "الواحد الذي هو موضع نظر الله في الأرض في كل زمان، أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد، ويفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل". وستعرف مما سنذكره عن خصائص القطب أن ابن عربي يريد بالقطب هنا الله سبحانه وهو في زعمه متعين في صورة الحقيقة المحمدية. ٢ أي: عبارة ابن عربي، فكل ما يذكر المؤلف دائما بعد قوله: قلت فكيف بمن يقول هو من دين ابن عربي. ٣ في الأصل: صح. ٤ انظر ص٢٧١ ج٢ من الشفاء. ٥ أي: النووي.
[ ٣٢ ]
وقال الإمام شرف الدين إسماعيل بن المقري في مختصر الروضة: "فمن اعتقد قدم العالم -إلى أن قال- أو شك في تكفير اليهود والنصارى، وطائفة ابن عربي؛ كفر، لا إن جعل لقرب إسلامه أو بعده عن المسلمين"١. ا. هـ.