قال ابن عربي: وكان موسى يربي هارون ﵉ تربية علم، وإن كان أصغر منه في السن، ولذلك لما قال له هارون ما قال، رجع إلى السامري، فقال له: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] يعني فيما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص، وصنعك هذا الشبح من حلي القوم، حتى أخذت بقلوبهم من أجل أموالهم١، وليس للصور بقاء، فلا بد من ذهاب صورة العجل لو لم يستعجل موسى بحرقه، فغلبت عليه الغيرة، فحرقه، ثم نسف رماد تلك الصورة في اليم [نسفا]، وقال له: انظر إلى إلهك، فسماه٢. إلها بطريق التنبيه، للتعليم؛ لما علم أنه٣ بعض المجالي الإلهية "لأحرقنه" فإن حيوانية الإنسان لها التصرف من حيوانية الحيوان، لكون الله سخرها للإنسان، ولا سيما وأصله ليس من حيوان، فكان أعظم في التسخير٤".
_________________
(١) ١ يريد الزنديق بهذا تصويب عبادة العجل، فيزعم أن السامري لم يخطئ إلا في أنه فهم أن الذات الإلهية تعينت في العجل وحده، فدعا قومه إلى عبادته لهذا، على حين أن كل شيء -لا العجل وحده- هو الله، فلو أن السامري كان عارفا مكملا لأمر قومه بعبادة كل شيء مع عبادة العجل!! بيد أن السامري عند ابن عربي أعرف بالحقيقة من هارون، إذ علم -وهارون جهل- أن العجل إله حق يجب أن يعبد، لأنه مجلى إلهي! ثم يفسر الزنديق قول موسى للسامري: ما خطبك يا سامري. بما بيانه: لم دعوت قومي يا سامري إلى عبادة العجل وحده وأنت تعلم أنه ليس وحده كل تعينات الذات، بل واحدا منها، وتعلم أن كل شيء هو الله؟ لِم لم تدعهم يا سامري إلى الحق، فيعبدوا كل شيء، لا العجل وحده؟ هذا هو دين الزنديق يا شيوخ الطرق!! ٢، ٣ الضمير فيهما راجع إلى عجل السامري. ٤ ص١٩٢ فصوص.
[ ١٢٤ ]
ثم قرر١ أمر التسخير، وأن منه ما هو بالمال، ومنه ما هو بالحال، وأن ما هو بالحال مثل تسخير الطفل لأبيه بالقيام في مصالحه، وتسخير الرعايا للملك بقيامه في مصالحهم، قال. "وهذا كله تسخير بالحال من الرعايا يسخرون [في ذلك] مليكهم، ويسمى على الحقيقة تسخير المرتبة، فالمرتبة حكمت عليه بذلك، فالعالم كله يسخر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه اسم مسخر. قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ [فِي] شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل، كما سلط موسى [عليه] حكمة من الله ظاهرة في الوجود؛ ليعيد في كل صورة٢، وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك، فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية، ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا وعبد، إما عبادة تأله، وإما عبادة تسخير، فلا بد من ذلك لمن عقل، وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد، والظهور بالدرجة في قلبه، ولذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات، ولم يقل: رفيع الدرجة، فكثر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى، أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة، أعطت كل درجة مجلى إلهيا عبد فيها.