وقال الشريف الجرجاني٣ في شرح المواقف للعضد٤: "واعلم أن المخالف في هذين الأصلين -يعني عدم الاتحاد وعدم الحلول- طوائف ثلاث، الأولى:
_________________
(١) = اختلاف في التصور والتصوير، والقنونوي والتلمساني والجيلي كل له مذهبه، وكل له وسيلته، وكل له تصويره، وكي يدعي أنه آمن بما آمن به عن كشف وشهود. فبأي كشف نأخذ، وبأي شهود نصدق؟ ليمكن أن نأخذ أو نصدق بالجميع لأنه نفاية تناقض وتباين، والحق واحد لا يتعدد، ولا يناقض نفسه، ولا يمكن أن نأخذ ببعض دون بعض، وإلا احتجنا إلى دليل نثبت به أن ما أخذنا به هو الحق وأن ما عداه باطل، فبماذا نستدل؟ أبكشف أم بغيره؟ إن كان الأول لزم التسلسل وإن كان الثاني ثبت أن الكشف محتاج إلى دليل آخر غير الكشف يثبت به، ثم إنا لو أخذنا ببعض دون بعض، كان هذا معناه أن بعض أنواع الكشف الصوفي باطل، في حين يدين الصوفية بأن كل كشف صوفي هو حق في ذاته، وبما ذكرت أو ببعضه يتجلى لك بطلان أسطورة الكشف، وتؤمن بأن ملاذ الحق ومشرقه وقدسه كتاب الله سبحانه. وسنة رسوله، ﷺ. ١ في كلامه هذا رائحة الحلول المسيحي، أو الإشراق السهروردي. ولكن لعله يقصد بالنور الذي تلألأ هدي النبوة والإيمان. ٢ يقصد ما أفاضه الله من الوجود، والواجب أن يعبر عن هذا: بالخلق والخالق، إذ الفيض أسطورة ابتدعتها الفلسفة والصوفية، ابتغاء نفي خلق الله سبحانه للعالم. ونفي القادر المريد، وابتغاء إثبات قدم العالم، وأن الأشياء ثابتة في العدم. ٣ هو علي بن محمد بن علي. ولد سنة ٧٤٠هـ وتوفي سنة ٨١٤. ٤ هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار عضد الدين الإيجي ولد سنة ٧٠٩ تقريبا، ومات سنة ٧٥٣هـ.
[ ٧٩ ]
النصارى" ثم ذكر مذاهبهم، ثم قال: "الثانية: النصيرية١ والإسحاقية٢ من غلاة الشيعة، قالوا: ظهور الروحاني بالجسماني لا ينكر، ففي طرف الشر، كالشياطين، فإنه [١٩] كثيرا ما يتصور الشيطان بصورة الإنسان، ليعلمه الشر ويكلمه بلسانه، وفي طرف الخير -كالملائكة- فإن جبريل ﵇ كان يظهر بصورة دحية الكلبي [والأعرابي٣]، فلا يمتنع [حينئذ٤] أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين [وأولى الخلق بذلك أشرفهم وأكملهم، وهو العترة الطاهرة، وهو من يظهر فيه العلم التام، والقدرة التامة من الأئمة من تلك العترة، ولم يتحاشوا عن إطلاق الآلهة على أئمتهم، وهذه ضلالة بينة٥ الطائفة] الثالثة [بعض] المتصوفة، وكل منهم مختبط٦ بين الحلول والاتحاد" ثم قال العضد٧: "ورأيت من الصوفية الوجودية من ينكره، ويقول: لا حلول، ولا اتحاد، إذ ذاك يشعر بالغيرية، ونحن لا نقول بها، بل نقول: ليس في ذات الوجود غيره٨، وهذا العذر أشد قبحا وبطلانا من ذلك الجرم؛ إذ يلزم ذلك المخالطة التي لا يجترئ على القول بها عاقل، ولا مميز أدنى تمييز٩".
_________________
(١) ١ محدثها محمد بن نصير النميري، وتزعم هذه الفرقة أن الله سبحانه ظهر بصورة علي وأولاده المخصوصين. ٢ أحدثها إسحاق بن زيد بن الحراث. ومن القائلين بالإباحة وإسقاط التكاليف، وأن لعلي شركة مع الرسول، ثم تطورت فقالت بالحلول كالنصيرية. ٣، ٤، ٥ كل ما بين هذين [] ساقط من الأصل، وأثبته عن المصدر الذي نقل عنه المؤلف، وهو شرح المواقف. ٦ في شرح المواقف: وكلامهم مخبط. ٧ ليس قول العضد وحده، وإنما مع شرح الجرجاني له. ٨ في المواقف "ليس في دار الوجود غيره ديار" وهو أدق. ٩ ص٢٩ وما بعدها جـ٨ شرح المواقف.
[ ٨٠ ]