وقال الإمام ولي الدين أحمد العراقي٢ ابن الشيخ زين الدين المذكور في المسألة الحادية والعشرين من فتاويه المكية ما نصه، "لا شك في اشتمال الفصوص المشهورة عنه على الكفر الصريح الذي لا شك فيه، وكذلك فتوحاته المكية، فإن صح صدور ذلك عنه، واستمر إلى وفاته، فهو كافر مخلد في النار بلا شك، وقد صح عندي عن الحافظ المزي٣ أنه نقل من خطه في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] كلاما ينبو عنه السمع، ويقتضي الكفر، وبعض كلماته لا يمكن تأويلها٤،
_________________
(١) ١ الغزالي نفسه في كتبه المضنون بها على غير أهلها من أشد المفرطين الغالبين في التأويل، بل من أشدهم جرأة على تجريد الألفاظ من معانيها، ثم تحميل الألفاظ معاني باطنية، لا تقرها دلالة من الدلالات اللغوية. ٢ كنيته: أبو زرعة. ولد سنة ٧٦٢ هـ، وتوفي سنة ٨٢٦هـ. ٣ هو الحافظ الجليل يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن عبد الملك، أبو الحجاج جمال الدين. ولد سنة ٦٥٤ بالمعقلية بظاهر حلب. سمع منه ابن تيمية -وقد أوذي المزي بسببه- والذهبي، وابن سيد الناس. توفي سنة ٧٤٢. ٤ جاء بهامش الأصل: "قال -يعني ابن عربي- عليه من الله ما يستحق. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . إيجاز البيان فيه: يا محمد إن الذين كفروا ستروا محبتهم في عنهم، فسواء عليهم أأنذرتهم بوعيدك الذي أرسلناك به، أم لم تنذرهم لا يؤمنون بكلامك، فإنهم لا يعقلون غيري، وأنت تنذرهم بخلقي، وهم ما عقلوه، ولا شاهدوه، وكيف يؤمنون بك، وقد ختمت على قلوبهم، فلم أجعل فيها متسعا لغيري. وعلى سمعهم؛ =
[ ١٣٥ ]
والذي يمكن تأويله منها كيف يصار إليها مع مرجوجية التأويل، وأن الحكم إنما يترتب على الظاهر، وقد بلغني عن الشيخ علاء الدين القونوي -وأدركت أصحابه- أنه قال في مثل ذلك: إنما يؤول كلام المعصومين، وهو كما قال"، [٣٦] ثم ذكر كلام الذهبي١ فيه، وساق الأسانيد إلى ابن [عبد] السلام٢ بما يأتي عنه من تكفيره، ثم قال: "وأما ابن الفارض، فالاتحاد في شعره، وأمرنا أن نحكم بالظاهر، وإنما نؤول كلام المعصومين، لكن علماء عصره من أهل الحديث رووا عنه في معاجمهم، ولم يترجموه لشيء من ذلك، فقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري٣ في معجمه: الشافعي الأديب٤ سمع من
_________________
(١) = فلا يسمعون كلاما إلا مني. وعلى أبصارهم غشاوة من [بهائي عند] مشاهدتي. فلا يبصرون غيرا. ولهم عذاب عظيم عندي أردهم بعد هذا المشهد السني إلى إنذارك. وأحجبهم عني كما فعلت بك بعد قاب قوسين أو أدنى [قربا] وأنزلتك إلى من يكذبك. ويرد [ما جئت به إليه من] الكلام في وجهك. وتسمع في ما يضيق به صدرك. فأين ذلك الشرح الذي شاهدته في إسرائك. فهكذا إمناني على خلقي الذين أجنيتهم رضائي، فلا أسخط عليهم أبدا. إلى آخر ما ذكره بعده ذكر ذلك في الباب الخامس من الفتوحات المكية" ا. هـ.. وأقول: وقد راجعت هذا على الفتوحات، وأثبت عنها ما سقط من كاتب الهامش، ووضعته بين هذين [] . ١ هو الحافظ الجليل محمد بن أحمد بن عثمان أبو عبد الله شمس الدين الذهبي ولد سنة ٦٧٣ يقول عنه طاش كبرى زاده: كان إمام الوجود حفظا، وذهب العصر لفظا ومعنى، شيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل. توفي سنة ٧٤٨هـ. ٢ هو عبد العزيز بن عبد السلام أبو محمد عز الدين. ولد سنة ٥٧٨، ومن تلاميذ ابن دقيق العيد -وهو الذي لقب العز بسلطان العلماء- وتوفي سنة ٦٦٠هـ. ٣ ولد سنة ٥٨١ ومن مصنفاته مختصر سنن أبي داود -نشرته مطبعة السنة المحمدية في طبعة جيدة التحقيق والطبع-ومختصر مسلم، والترغيب والترهيب توفي سنة ٦٥٦هـ. ٤ يعني ابن الفارض.
[ ١٣٦ ]
أبي القاسم ابن عساكر، وحدث: سمعت شيئا من شعره، وقال الحافظ رشيد الدين العطار في معجمه: الشيخ الفاضل الأديب كان حسن النظم متوقد الخاطر، وكان يسلك طريق التصوف، وينتحل مذهب الشافعي، وأقام في مكة مدة، وصحب جماعة من المشايخ.. وقال الحافظ أبو بكر بن مسدي١: برع في الأدب، فكان رقيق الطبع، عذب النبع، فصيح العبارة، دقيق الإشارة، سلس القيادة، نبيل الإصدار والإيراد، وتصرف فتصوف، فكان كالروض المفوف، وتخلق بالزي، وتزيا بالخلق، وجمع كرم النفس كل مفترق" انتهى كلام الشيخ ولي الدين. وما قاله هؤلاء الأئمة ليس فيه مناقضة لكلامه أولا في الحكم عليه بالاتحاد، فإنهم لم يقضوا على التائية ونحوها، وأما قوله: إن صح ذلك عنه، فهو على طريق من يعتبر في الكتب المشهورة إسنادا خاصا، وهي طريقة غير مرضية٢، والصحيح أنها لا تحتاج إلى ذلك، بل الشهرة كافية٣، والله الموفق.