ثم قال: "فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة كان شهودا في منفعل، وإذا شاهده في نفسه من حيث ظهور المرأة عنه شاهده في فاعل، وإذا شاهده في نفسه من [غير] استحضار صورة ما كان شهودا٦ في منفعل عن الحق بلا واسطة، فشهوده للحق في المرأة أتم وأكمل؛ لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل
_________________
(١) ١، ٢ في الأصل: فحبت، ظهره. ٣ هذا هو التثليث عند ابن عربي، وهو بعض ما استمده من المسيحية المفلسفة، بيد أنه زاد الكفر شناعة، فقال بثالوث هو "حق ورجل وامرأة" الثلاثة إله واحد. ٤ ص٢١٦ فصوص. ٥ لا بل يريد بالصورة غير هذا، يريد بها هوية الذات، يعني أن هوية آدم وماهيته عين هوية الحق وماهيته. ٦ في الأصل: شهوده.
[ ١٤٣ ]
منفعل١، ومن نفسه من حيث هو منفعل خاصة فلهذا أحب -ﷺ- النساء، لكمال شهود الحق فيهن، إذ لا يشاهد الحق مجردا عن المواد أبدا٢، فإن الله بالذات غني عن العالمين، وإذا ٣ كان الأمر من هذا الوجه ممتنعا،
_________________
(١) ١ الرجل والمرأة عند ابن عربي صورتان من صور الله، يعني حقيقته تتجلى في صورتي رجل وامرأة، وفي حال المواقعة يسمى الرجل فاعلا، والمرأة منفعلة. ويدين الزنديق بأن ربه فاعل منفعل معا، فهو فاعل لتعينه في صورة رجل، وهو منفعل لتعينه في صورة امرأة مع رجل. ولما كانت المرأة -هكذا يصور الزنديق- تعتبر فاعلة، لشدة تأثيرها في الرجل في تلك الحالة العاصفة بالشهوة، فإن شهود الإله الصوفي في المرأة الهلوك أتم وأكمل، إذ يشاهد فيها في صورة فاعل ومنفعل. وهنا يبدو خطر التصوف الجامح على الخلق والعرض والأمة، ماذا يفعل الصوفي وهو يؤمن أن المرأة هي أتم وأكمل مجالي الإله؟ ماذا سيحدث معه وهو يوقن أن ربه امرأة يواقعها رجل؟ اعفني من الجواب؛ لأنك ستدرك الجواب، ستدرك أن التصوف دعوة ملحة إلى الإباحية الماجنة، وهذا يؤكد لك ما قررته من قبل، وهو أن لحيوان الشهوة المعربد في أعماق ابن عربي أثرا بعيدا في تصوفه، فقد تدله -وهو بمكة حين زارها سنة ٥٩٨ هـ-بحب غانية هي ابنة الشيخ مكين الدين الأصفهاني، ولكنها لم تهدهد من نزواته الفواجر، ولم ترد غلة ذئبه الظامئ إلى الدم، فنظم -يستدرجها إلى الغواية- فيها ديوان شعره المسمى: ترجمان الأشواق، وابن عربي نفسه يقر بأنه نظم ديوانه هذا تشبيبا بتلك الغانية القتول، وحين عصفت الفضيحة بهواه، فر هاربا من مكة، حتى لا يجابه عار الفضيحة، بيد أن الهوى ظل يعصف به، ويلهبه، وثمت نفس عن جحيمه بخيالات زندقته، فراح يصور ربه في صورة امرأة، ويزعم أنه يتجلى -أجمل وأحلى ما يتجلى- في صورة امرأة تقترف. كل هذا من أجل امرأة لم تستطع شهوته أن تضرس منها اللحم، وتعرق العظم. ٢ أي: لا بد للإله الصوفي من جسد يتعين فيه، فتأمل!. ٣ في الأصل: فإذا.
[ ١٤٤ ]
ولم تكن الشهادة إلا في مادة، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود١ وأكمله [وأعظم الوصلة النكاح٢] وهو نظير التوجه الإلهي على من خلقه على صورته، ليخلفه، فيرى فيه نفسه، فسواه، وعدله، ونفخ فيه من روحه الذي هو نفسه، فظاهره خلق، وباطنه حق٣".
وهذا يدلك على أن الإله عنده كالكلي الطبيعي٤، لا وجود له إلا في ضمن جزئياته، والله الموفق.
ثم قال: "فمن أحب النساء على هذا الحد، فهو حب إلهي، ومن أحبهن على جهة الشهوة الطبيعية خاصة نقصه علم هذه الشهوة، فكان صورة بلا روح عنده، وإن كانت تلك الصورة في نفس الأمر ذات روح، ولكنها غير مشهودة لمن جاء لامرأته، أو لأنثى حيث كانت لمجرد الالتذاذ، ولكن لا يدري: لمن؟! فجهل من نفسه ما يجهل الغير منه ما لم يسمه هو بلسانه حتى يعلم، كما قال بعضهم:
صح عند الناس أني عاشق غير أن لم يعرفوا عشقي لمن
كذلك هذا. أحب الالتذاذ، فأحب [٣٩] المحل الذي يكون فيه، وهو المرأة، ولكن غاب عنه روح المسألة، فلو علمها، لعلم بمن التذ، ومن التذ؟! ٥ وكان كاملا، وكما نزلت المرأة عن درجة الرجل بقوله:
_________________
(١) ١ في الأصل: شهود. ٢ يعني به: ما له من معنى في أذهان العامة، لا الزواج. ٣ ص٢١٧ فصوص الحكم. ٤ الكلي هو ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، كالإنسان، ويمسي كليا طبيعيا باعتبار وجوده في الخارج أي: في الطبيعة، والكلي الطبيعي جزء جزئيه، فلا وجود له إلا في ضمن جزئياته، أعني ليس له وجود خاص به، قائم بذاته، وإنما يوجد بوجود أفراده، وهكذا الإله الصوفي. ٥ يقول: لو تأمل الرجل الملتذ بالمرأة، لعلم أنه ليس مع امرأة، بل مع الإله الصوفي، وأنه ليس هو الملتذ، بل الإله الذي تعين فيه، وأعتذر للقراء عن =
[ ١٤٥ ]
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٨] نزل المخلوق على الصورة عن درجة من أنشأه على صورته، مع كونه على صورته، فبتلك الدرجة التي تميز عنه بها كان غنيا عن العالمين، وفاعلا أولا، فإن الصورة فاعل ثان، فماله الأولية التي للحق، فتميزت الأعيان بالمراتب، فأعطى كل ذي حق حقه كل عارف، فلهذا كان حب النساء لمحمد -ﷺ- عن تحبب إلهي [وأن الله أعطى كل شيء خلقه، وهو عين حقه، فما أعطاه إلا باستحقاق استحقه بمسماه أي بذات ذلك المستحق] وإنما قدم النساء -أي: في قوله، ﷺ: "حبب إليّ من الدنيا" النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة"١..؛ لأنهن محل الانفعال كما تقدمت الطبيعة على من وجد منها بالصورة، وليست الطبيعة على الحقيقة إلا النفس الرحماني، فإن فيه انفتحت صورة العالم أعلاه وأسفله٢".