ومنهم العلامة نجم الدين محمد بن عقيل البالسي٣ الشافعي، فقال: "من صدق هذه المقالة الباطلة أو رضيها، كان كافرا بالله تعالى يراق دمه، ولا تنفعه التوبة عند مالك وبعض أصحاب الشافعي، ومن سمع هذه المقالة القبيحة تعين عليه إنكارها بلسانه، بل يجب عليه منع قائلها بالضرب، إن لم ينزجر باللسان، فإن عجز [٤٦] عن الإنكار بلسانه أو بيده، وجب عليه إنكار ذلك بقلبه، وذلك أضعف الإيمان". ومنهم نادرة زمانة العلامة أبو أمامة محمد بن علي بن النقاش٤ المصري الشافعي في تفسيره٥، وأجاد جدا في تقرير مذهبهم، وبيان عواره، فقال: "وقد ظهرت أمة ضعيفة العقل، نزرة العلم، اشتغلوا بهذه الحروف، وجعلوا لها دلالات، واشتقوا منها ألفاظ، واستدلوا منها على مدد وسموا أنفسهم بعلماء الحروف٦، ثم جاءهم شيخ وقح من جهلة العالم يقال له:
_________________
(١) ١، ٢ لعلها حكى. ٣ ولد سنة ٦٦٠هـ. ولي قضاء بلبيس، ولازم ابن دقيق العيد. وتوفي سنة ٧٢٩هـ. ٤ ولد سنة ٧٢٠هـ. وتوفي سنة ٧٦٣هـ. ٥ سماه السابق واللاحق، والتزم أن لا ينقل فيه حرفا من تفسير أحد ممن تقدموه. ٦ يقول ابن خلدون في مقدمته ص٤٤٠ عن علم الحروف: "حدث هذا العلم في الملة بعد صور منها، وعند ظهور الغلاة من المتصوفة، وزعموا أن الكمال الأسمائي مظاهره أرواح الأفلاك والكواكب. وأن طبائع الحروف وأسرارها سارية في الأسماء، فهي سارية في الأكوان على هذا النظام، تعددت فيه تآليف =
[ ١٦١ ]
البوني، ألف فيها مؤلفات، وأتى فيها بطامات، ومن الحروف دخلوا للباطن، وأن للقرآن باطنا غير ظاهر، بل وللشرائع باطنا غير ظاهرها، ومن ذلك تدرجوا إلى وحدة الوجود، وهو مذهب الملحدين كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض ممن يجعل الوجود الخالق هو الوجود المخلوق، وقد لا يرضى هؤلاء بلفظ الاتحاد بل يقولون بالوحدة؛ لأن الاتحاد يكون افتعالا بين شيئين، وهم يقولون: الوجود واحد لا تعدد فيه، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع، فإن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، ولكن ليس وجود هذا وجودا هذا.
والقدر المشترك هو كلي، والكلي المطلق لا يوجد كليا مطلقا إلا في الأذهان، لا في الأعيان، بل كل موجود من المخلوقات له وصف يختص [به] لا يشاركه فيه غيره في الخارج، وأنقص المراتب عند هؤلاء مرتبة أهل الشريعة. ثم قال: وهم متألهون للخيال، معظمون له، ولا سيما ابن عربي منهم، ويسميه: أرض الحقيقة. ولهذا يقولون بجواز الجمع بين النقيضين١، وهو من الخيال الباطل، وقد علم المعتنون بحالهم من علماء الإسلام كالشيخ عز الدين بن عبد السلام،
_________________
(١) = البوني وابن عربي وغيرهما" ويعرف طاش كبرى زادة هذا العلم في مفتاح السعادة ص٤١٨ جـ٢ ط الهند: "هو علم باحث عن كيفية تمزيج الأعداد، أو الحروف على التناسب والتعادل، بحيث يتعلق بواسطة هذا التعديل أرواح متصرفة تؤثر في القوابل حسب ما يراد ويقصد من ترتيب الأعداد والحروف وكيفياتها" وانظر ص٦٨ من كتاب نقض المنطق لابن تيمية. وما زال كثير منهم يهول بهذه الأساطير يمدونها شركا لمال يتيم يراد استلابه، أو عرض يبتغى استلابه. ١ قولهم بهذا الخبل راجع إلى إيمانهم بوحدة الوجود، حتى زعموا أن ذات الإله: جامعة بين النقيضين، وبين الضدين، وأن هذا الجمع أول مقوماتها وأبين خصائصها، قال الجيلي في كتابه الإنسان الكامل ص٦٩جـ١: "الألوهية في نفسها تقتضي شمول النقيضين، وجمع الضدين بحكم الأحدية" هذا لإيمانهم بأنه سبحانه عين كل شيء وكل معلوم.
[ ١٦٢ ]
وابن الحالجب وغيرهما: أن الجن والشياطين تمثلت لهم، وألفت كلاما يسمعونه، وأنوارا يرونها١، فيظنون ذلك كرامات، وإنما هي أحوال شيطانية، لا رحمانية وهي من جنس السحر. ولقد حكى سعيد الفرغاني في شرح قصيدة ابن الفارض أن رجلا نزل دجلة، ليغتسل لصلاة الجمعة، فخرج من النيل، فأقام بمصر عدة سنين، وتزوج، وولد له هناك، ثم نزل ليغتسل لصلاة الجمعة، فخرج من دجلة فرأى غلامه ودابته والناس لم يصلوا بعد الجمعة، ومن المعلوم لكل ذي حس أن يوم الجمعة ببغداد ليس بينه وبين يوم الجمعة بمصر يوم، فضلا عن أكثر منه ولا الشمس توقفت عدة أعوام في السماء، وإنما هو الخيال، فيظنونه لجهلهم في
_________________
(١) ١ جرى مثل هؤلاء الشيوخ على تصديق ما يهرف به خيال الصوفية من رؤية أنوار وسماع كلام، ثم يحاولون تعليل هذا الباطل بغير علته الحقة، فيزعمون أن ذلك النور والكلام تهاويل جن تجسدت لهم، وخيالات شياطين تبدت في صور إنسية. هذا ليردوا إفك الصوفية فيما زعموه من رؤية نور الله وسماع كلامه، والحق أن الصوفية لم يروا نورا، ولم يسمعوا كلاما، والحق أنهم كاذبون كاذبون مفترون، يدعون هذا بغية استعباد المخابيل والمفاليك لشهوات الجريمة التي تتلمظ على أنيابهم، وينزو قيحها من صدورهم. وفي الكتاب والسنة ما يشهد بكذبهم، ويدمغهم بأنهم أحلاس إفك وبهتان، فموسى ﵇ خر صعقا حين تجلى الله للجبل، وربنا سبحانه، ما يكلم إلا رسله وحيا، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، أفهؤلاء الدعاة إلى الإثم والوثنية من رسل الله؟ أتراهم أقوى روحا من موسى ﵇؟ ألا فلنقتص الكذب والزور نفسه، أما تصديق دعاويهم، ثم تعليلها بمثل ما عللها به هؤلاء الشيوخ، ففيه مشايعة للباطل في بعض ما يفتريه، ومساندة له في أدنأ بهتانه. فالله سبحانه يقول عن الشيطان: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، والرسول الكريم ما رأى الجن وهم يستمعون القرآن، وعذر الشيوخ أنهم كانوا يعيشون في عصر امتلأ بهذه المؤتفكات، حتى صارت -وكأنها من مسلمات البديهة- فردوا الباطل بما مكن لهم عصرهم أن يردوه به.
[ ١٦٣ ]
الخارج١. ثم قال٢: وحقيقة قولهم: إن ما ثم وجودا [٤٧] إلا هذا العالم لا غير، كما قاله فرعون، لكن هم يقولون: إن العالم هو الله، وفرعون أنكر وجود الله، ثم قال: قيل لبعض أكابرهم: ما٣ الفرق بينكم وبين النصارى؟ قال: النصارى خصصوا٤، وهذا موجود في كلام ابن عربي، وغيره. ينكرون على المشركين تخصيصهم عبادة بعض، والعارف عندهم يعبد كل شيء٥ -ثم قال: ومن المعتقدين الحلول الخاص طائفة من أتباع العبيدية٦ الباطنية الذين ادعوا أنهم علويون- ثم قال: وقد اعتقدت طائفة منهم الإلهية في الحاكم٧ كالدريزية
_________________
(١) ١ أي: يظنون ما تخيلوه حقيقة واقعة، وما ظنهم هذا عن جهل، وإنما هو عن خيال؛ يمس الكلب فيخال نفسه أسدا، والشيطان فيظن نفسه ملاكا. ٢ أي: ابن النقاش. ٣ في الأصل: لما. ٤ أي: جعلوا عيسى وحده ربا وإلها، وكان الواجب -هكذا يفتري الزنادقة- أن يتخذوا من كل شيء ربا وإلها، لأن الإله عين كل شيء. ٥ نص ابن عربي: "والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه" ص١٨٥ط الحلبي. ٦ نسبة إلى عبيد الله أبي محمد سعيد بن الحسين بن عبد الله القداح من سلالة ميمون، وعبيد. هو إمام الشيعة الإسماعيلية في عصره، ومؤسس الدولة الفاطمية ولد سنة ٢٦٠هـ وآلت إليه زعامة الإسماعيلية سنة ٢٨٠هـ وتوفي وله من العمر نحو ثلاث وستين سنة. ٧ منصور بن عبد العزيز بن المعز الفاطمي، ادعى الإلهية، وكان غدورا سفاكا للدماء، تثير تصرفاته المتناقضة دهشة بالغة، تدفع إلى الظن بأنه كان نهب ولثة عقلية جامحة. ولد سنة ٣٧٥هـ ولقي مصرعه سنة ٤١١هـ على يد عبدين لابن دواس، تنفيذا لمؤامرة دبرتها له أخته ست الملك للخلاص منه، وما زال أتباعه الدروز حتى اليوم ينتظرون رجعته؛ إذ يؤمنون بأنه لم يقتل، وإنما اختفى وسيعود مرة ثانية.
[ ١٦٤ ]
أتباع شهنكير١ الدرزي الذي كان من موالي الحاكم، وأضل أقواما بالشام في وادي تيم الله بن ثعلبة" ا. هـ.