فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص، وتكفر بما سواه، فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه. فكن في نفسك هيولي٣ لصور المعتقدات
_________________
(١) ١ لا حق من كل وجه باعتبار تعينه في صور بدنية عنصرية، أو باعتبار ظاهره. ولا خلق من كل وجه باعتبار هويته، أو باعتبار باطنه. هذا هو مراد الزنديق. ٢ يقول: كل ما تقع العين عليه في الحياة، فهو الله، سل الصوفي في المواخير من ترى ثم؟ وسل الصوفي يرعى الخنازير ماذا تسوق؟ وسل الصوفي يرى الجيف المنتنة والرمم البالية ماذا ترى؟ إنك ستسمعه مجيبا -وهو يحدجك بالنظرة الساخرة- إنه الله، هذا معنى الشطر الأول من البيت، أما الشطر الثاني فيزعم فيه الزنديق: أن كل ما نحكم به على الأشياء فهو في الحقيقة محكوم به على الله سبحانه، إذ هو في إفك الزنادقة عين كل شيء فإذا حكمت على شيء بأنه جماد، أو عجل، وصنم، ورجس، أو جيفة؛ كانت تلك الأحكام كلها واقعة على رب الصوفية كما يدينون؛ لأنها ليست شيئا آخر غير هذا الرب الصوفي. ٣ يريد بها هنا ما يقبل التأثير، يقول الزنديق: اجعل نفسك بحيث تتقبل كل معتقد، وترضى به، وتعتقد أنه حق، واحذر أن تنكر على المشرك شركه، أو على المجوسي مجوسيته. واحذر أن تقيد نفسك بدين خاص، وتحارب سواه، فالآلهة المعبودة في كل دين هي في حقيقتها الإله الواحد، وإن تك كواكب أو أحجارا، أو موتى.. وكل عابد لأي منها عابد لله، فما ذلك المعبود إلا عين ذات الله!! وتعالى الله عن إفك الزنادقة.
[ ٩٩ ]
كلها، فإن الله تعالى أوسع وأعظم [من] أن يحصره عقد دون عقد، فإنه يقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١ [البقرة: ١١٥] ".
ثم قال: "فقد بان لك عن الله تعالى أنه في أينية٢ كله وجهة٣، وما ثم إلا الاعتقادات، فالكل مصيب، وكل مصيب مأجور، وكل مأجور سعيد، وكل سيعد مرضي عنه٤، وإن شقي زمانا ما في الدار الآخرة، فقد مرض، وتألم أهل العناية -مع علمنا بأنهم سعداء وأهل الحق- في الحياة الدنيا".