أ_ تعريفه: عرف الخبر بأنه: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته.
وقيل: الخبر ما يصح أن يقال لقائله: إنه صادق فيه أو كاذب؛ فإن كان مطابقًا للواقع كان قائله صادقًا، وإن كان غير مطابق للواقع كان قائله كاذبًا٢.
وقال ابن فارس ﵀: "أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه: إعلام، تقول: أخبرته، أُخْبِره، والخبر هو العلم.
وأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديق قائله أو تكذيبه.
_________________
(١) ٢_ انظر علم المعاني ص٤٨.
[ ١٦٠ ]
وهو إفادة المخاطب أمرًا في ماض من زمان، أو مستقبل، أو دائم نحو: قام زيد، ويقوم زيد، وقائم زيد.
ثم يكون واجبًا وجائزًا، وممتنعًا؛ فالواجب قولنا: النار محرقة، والجائز قولنا: لقي زيد عمرًا، والممتنع قولنا: حَمَلَتْ الجَبَلُ"١.
ب_ كون الخبر مثبتًا أو منفيًا: الخبر الذي يحتمل الصدق أو الكذب لذاته إما أن يكون مثبتًا مثل: قام زيد، أو منفيًا مثل: ما قام زيد.
فكل واحد من المثالين يصح أن يقال لمن قاله: صدقت، أو كذبت.
وهكذا بقية المعاني تدور بين الإثبات والنفي.
ج_ معنى كون الخبر يحتمل الصدق والكذب لذاته: يقول البلاغيون: إن احتمال الخبر للصدق والكذب إنما يكون بالنظر إلى مفهوم الكلام الخبريِّ ذاته دون النظر إلى المُخبر أو الواقع؛ إذ لو نظرنا عند الحكم على الخبر بالصدق أو الكذب إلى المُخبر أو الواقع لوجدنا أن من الأخبار ما هو مقطوع بصدقه لا يحتمل كذبًا، وما هو مقطوع بكذبه لا يحتمل صدقًا.
فمن الأخبار المقطوع بصحتها، ولا تحتمل الكذب ألبتة: أخبار الله _عز وجل_ أي كل ما يخبر الله به، وكذلك أخبار رُسله - عليهم الصلاة والسلام _.
ومما يقطع بصحته البديهيات المألوفة مثل: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، وماء البحر مالح، وماء النهر عذب.
ومن الأخبار المقطوع بكذبها، ولا تحتمل الصدق: الأخبار المناقضة
_________________
(١) ١_ الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها لأحمد بن فارس ص١٣٣.
[ ١٦١ ]
للبديهيات نحو: الجزء أكبر من الكل، والأسبوع خمسة أيام.
وكذلك الأخبار التي تتضمن حقائق معكوسة نحو: الأمانة رذيلة، والخيانة فضيلة.
ولكن هذه الأخبار المقطوع بصحتها، أو المقطوع بكذبها إذا نظرنا إليها ذاتها دون النظر إلى قائلها، أو إلى الواقع كانت محتملة للصدق والكذب شأنها في ذلك شأن سائر الأخبار١.
د_ المعاني التي يحتملها لفظ الخبر: قد يرد الكلام بلفظ الخبر، ويراد منه معانٍ أخرى.
قال ابن فارس ﵀: "والمعاني التي يحتملها لفظ الخبر كثيرة: فمنها التعجب نحو: ما أحسن زيدًا، والتمني نحو: ودِدتُك عندنا، والإنكار: ما له عليَّ حق، والنفي: لا بأسَ عليك، والأمر نحو قوله - جل ثناؤه _: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والنهي نحو قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] والتعظيم نحو: سبحان الله، والدعاء نحو: عفا الله عنه، والوعد نحو قوله - جل وعز _: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت: ٥٣] والوعيد نحو قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] والإنكار والتبكيت نحو قوله - جل ثناؤه _: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] .
وربما كان اللفظ خبرًا والمعنى شرطٌ وجزاء، نحو قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] .
_________________
(١) ١_ انظر علم المعاني ص٤٩.
[ ١٦٢ ]
فظاهره خبر، والمعنى: إنا إن نكشف عنكم العذاب تعودوا.
ومثله ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] المعنى: مَنْ طلقَ امرأته مرتين فليمسكها بعدهما بمعروف أو يسرحها بإحسان.
والذي ذكرنا في قوله - جل ثناؤه _: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ فهو تبكيت، وقد جاء في الشعر مثله، قال شاعر يهجو جريرًا:
أبلغْ جريرًا وأبلغ مَنْ يُبلغُه أني الأغرُّ وأني زهرةُ اليَمَنِ
فقال جرير مبكتًا له:
ألم تكن في وُسُوم قد وَسَمْتَ بها من حَانَ موعظةٌ يا زهرة اليمنِ؟
ويكون اللفظ خبرًا، والمعنى دعاء وطلب، وقد مر في الجملة.
ونحوه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] معناه: فأعنا على عبادتك.
ويقول القائل: "أستغفر الله"، والمعنى: اغْفِر.
قال الله - جل ثناؤه _: ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ [يوسف:٩٢] .
ويقول الشاعر:
أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحْصِيَهُ ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ"١
_________________
(١) ١_ الصاحبي ص١٣٣_١٣٤.
[ ١٦٣ ]