هاتان اللفظتان تردان كثيرًا في كتب العقائد، وهما من المصطلحات الصوفية والباطنية؛ فتردان في كتبهم، وفي كتب من يتعرضون للرد عليهم.
كما أنهما تردان في كتب الأديان الباطلة كالبرهمية، والبوذية، وغيرهما.
فما معنى هاتين اللفظتين، وما الفرق بينهما، وأيهما أشد ضلالًا؟
الجواب سيتضح من خلال ما يلي:
أولًا: معنى الحلول: الحلول في اللغة يطلق على عدة معان منها: النزول، والوجوب، والبلوغ١.
ومعناه في الاصطلاح العام: أن يحل أحد الشيئين في الآخر.
وهو حلول سَرَياني، وحلول جواري.
يقول الجرجاني ﵀: "الحلول السرياني: عبارة عن اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر كحلول ماء الورد في الورد؛ فيُسمى الساري حالًاّ، والمسري فيه محلًاّ.
الحلول الجواري: عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفًا للآخر كحلول الماء في الكوز"٢.
هذا هو الحلول: إثبات لوجودين، وحلول أحدهما في الآخر.
ويراد منه باصطلاح القائلين به من الصوفية وغيرهم: حلول الله - ﷿ _
_________________
(١) ١_ انظر الكليات للكفوي ص٣٨٩. ٢_ التعريفات ص٩٢.
[ ٤٠ ]
في مخلوقاته، أو بعض مخلوقاته.
وهو على قسمين - كما سيأتي بيانه _.
ثانيًا: معنى الاتحاد: معناه: كون الشيئين شيئًا واحدًا.
قال الجرجاني ﵀: "الاتحاد: امتزاج الشيئين، واختلاطهما حتى يصيرا شيئًا واحدًا"١.
ومعناه باصطلاح القائلين به: اتحاد الله - ﷿ - بمخلوقاته، أو ببعض مخلوقاته.
أي اعتقاد أن وجود الكائنات أو بعضها هو عين وجود الله - تعالى _.
وهو على قسمين - كما سيأتي بيان ذلك _.
ثالثًا: الفرق بين الحلول والاتحاد: الفرق بينهما يتلخص فيما يلي:
١_ أن الحلول إثبات لوجودين، بخلاف الاتحاد فهو إثبات لوجود واحد.
٢_ أن الحلول يقبل الانفصال، أما الاتحاد فلا يقبل الانفصال.
ولهذا؛ فإن القائلين بالحلول غير القائلين بالاتحاد.
رابعًا: أمثلة يتبين بها الفرق بين الحلول والاتحاد: هناك أمثلة كثيرة منها: السُّكَّر إذا وضعته في الماء دون تحريك فهو حلول؛ لأنه ثَمَّ ذاتان، أما إذا حركته، فذاب في الماء صار اتحادًا؛ لأنه لا يقبل أن ينفصل مرة أخرى.
أما لو وضعت شيئًا آخر في الماء كأن تضع حصاة فهذا يسمى حلولًا لا اتحادًا؛ لأنها أصبحت هي والماء شيئين قابلين للانفصال.
_________________
(١) ١_ التعريفات ص٩.
[ ٤١ ]
مثال آخر يجتمع فيه الأمران: ورق الشاي التي توضع في الماء المغلي؛ فبمجرد وضعها وتحريكها يتغير لون الماء ويصبح شايًا، لا ماءًا.
فهو بهذا الاعتبار اتحاد؛ لأن الماء والشاي لا يمكن أن ينفصلا.
وورقة الشاي يمكنك رفعها وفصلها؛ فالحالة - بهذا الاعتبار - حلول لا اتحاد١.
خامسًا: أقسام الحلول: ينقسم الحلول - كما مر - إلى قسمين:
١_ حلول عام: هو اعتقاد أن الله - تعالى - قد حل في كل شيء.
ولكن ذلك الحلول من قبيل حلول اللاهوت _أي الإله الخالق_ بالناسوت _أي المخلوق_ مع وجود التباين بمعنى أنه ليس متحدًا بمن حل فيه، بل هو في كل مكان مع الانفصال؛ فهو إثبات لوجودين.
وهذا قول الجهمية، ومن شاكلهم.
٢_ حلول خاص: وهو اعتقاد أن الله - جل وعلا - قد حل في بعض مخلوقاته.
مع اعتقاد وجود خالق ومخلوق.
وذلك كاعتقاد بعض فرق النصارى أن اللاهوت _الله_ حل بالناسوت _عيسى_ وأن عيسى _عليه السلام_ كان له طبيعتان: لاهوتية لما كان يتكلم بالوحي، وناسوتية عندما صلب وهكذا
وكذلك اعتقاد بعض غلاة الرافضة - كالنصيرية - أن الله - ﷿ - حل في علي بن أبي طالب ﵁ وأنه هو الإله؛ حيث حلت فيه الألوهية.
_________________
(١) ١_ انظر شرح الشيخ صالح آل الشيخ للحموية مصور.
[ ٤٢ ]
وذلك من عقائدهم الأساسية.
ولهذا تراهم يمجدون قاتله ابن ملجم، ويحبونه، ويخطِّؤون من يلعنه، أو يذكره بسوء.
وهذا من المفارقات العجيبة، ولكن إذا عرف السبب بطل العجب؛ فلماذا يحبون ابن ملجم مع أنه قتل علي بن أبي طالب الذي يؤلهونه ويعبدونه من دون الله؟
الجواب: أنهم يزعمون أنه خلص اللاهوت من الناسوت بقتله، وبذلك تخلص اللاهوت من ظلمة الجسد، وكدره!! ١
وكذلك الحال بالنسبة للدروز القائلين بألوهية الحاكم بأمر الله فهم يعتقدون أن له حقيقةً لاهوتية لا تدرك بالحواس ولا بالأوهام، ولا تعرف بالرأي ولا بالقياس مهما حاول الإنسان أن يعرف كنهها؛ لأن هذا اللاهوت ليس له مكان، ولكن لا يخلو منه مكان، وليس بظاهر كما أنه ليس بباطن حتى إنه لا يوجد اسم من الأسماء، ولا صفة من الصفات يطلق عليه!!
ويرون أن الناسوت لا ينفصل عن اللاهوت؛ وذلك أن الحجاب هو المحجوب، والمحجوب هو الحجاب؛ فالناسوت في اللاهوت مثل الخط من المعنى٢.
وقل مثل ذلك في اعتقاد بعض طوائف الصوفية أن الله - ﷿ - قد حل في بعض مشايخهم.
_________________
(١) ١_ انظر الحركات الباطنية د. محمد أحمد الخطيب ص٣٥٦، والنصيرية ص١١٩. ٢_ انظر الحركات الباطنية ص٢٢٣_٢٣٨.
[ ٤٣ ]
سادسًا: أقسام الاتحاد: الاتحاد أو وحدة الوجود - كما مر - ينقسم إلى قسمين:
١_ الاتحاد العام: وهو اعتقاد كون الوجود هو عين الله - ﷿ _.
بمعنى أن الخالق متحد بالمخلوقات جميعها.
وهذا هو معنى وحدة الوجود، والقائلون به يسمون الاتحادية، أو أهل وحدة الوجود كابن الفارض، وابن عربي، وغيرهما.
يقول الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ عن ابن الفارض: "يؤمن هذا الصوفي ببدعة الاتحاد، أو الوحدة سمها بما شئت، بصيرورة العبد ربًا، والمخلوق خلاقًا، والعدم الذاتي الصرف وجودًا واجبًا.
وإذا شئت الحق في صريح من القول، فقل: هو مؤمن ببدعة الوحدة، تلك الأسطورة التي يؤمن كَهَنَتُها بأن الرب الصوفي تعين بذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله في صورة مادية، أو ذهنية، فكان حيوانًا وجمادًا وإنسًا وجنًا وأصنامًا وأوثانًا.
وكان وهمًا وظنًا وخيالًا، وكانت صفاته وأسماؤه وأفعاله عينَ ما لتلك الأشياء من صفات وأسماء وأفعال؛ لأنها هي هو في ماهيته ووجوده المطلق، أو المقيد، وكل ما يقترفه البُغاة من خطايا، وما تنهش الضاريات من لحوم، أو تَعْرَق من عظام فهو فعل الرب الصوفي، وخطيئته وجرمه"١.
ثم تناول ﵀ قصيدة ابن الفارض التائية المليئة بما يقرر وحدة الوجود بشيء
_________________
(١) ١_ هذه هي الصوفية ص٢٤_٢٥.
[ ٤٤ ]
من الشرح والتحليل.
ومن ذلك قول ابن الفارض مقررًا عقيدة وحدة الوجود:
جَلَتْ في تجليها الوجودَ لناظري ففي كل مرئيٍّ أراها برؤية
فهو يزعم أن الذات الإلهية هتكت عنه حجب الغَيْريَّة، وجلت له الحق المغيب، فرأى حقيقة الله متعينة بذاتها في كل مظاهر الوجود.
ويقول:
فوصفي إذا لم تدع باثنين وصفُها وهيئتها - إذ واحدٌ نحن - هيئتي
يزعم أن كل ما وصف به الله نفسه فالموصوف به على الحقيقة هو ابن الفارض؛ لأنه الوجود الإلهي الحق في أزليته، وأبديته، وديموميته، وسرمديته.
ويقول:
فإن دُعيَتْ كنتُ المجيبَ وإن أكن منادى أجابت من دعاني ولبتِ
ويقول - وبئس ما يقول _:
وكلُّ الجهات الستِّ نحوي توجهت بما تمَّ من نسك وحجٍ وعمرةِ
لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها ليَ صلتِ
إلى أن يقول - قبحه الله _:
ففي النشأة الأولى تراءت لآدم بمظهر حوَّا قبل حكم البنوةٍ
وتظهر للعشاق في كل مظهرٍ من اللبسْ في أشكال حُسْنٍ بديعةِ
ففي مرة لبنى وأخرى بثينة وآونة تُدعى بعَزَّة عَزَّتِ
يزعم أن ربه ظهر لآدم في صورة حواء، ولقيس في صورة لبنى، ولجميل في
[ ٤٥ ]
صورة بثينة، ولكثيِّر في صورة عزَّة.
فما حواء أم البشر إلا الحقيقة الإلهية، وما أولئك العشاق سَكِرت على شفافههن خطايا القبل المحرمة، وتهاوت بُنْيَةُ اللهفة الجسدية الثائرة تحت شهوات العشاق، ما أولئك جميعًا سوى رب الصوفية تجسد في صور غَوَانٍ تطيش بهُدَاهُنَّ نزوةٌ وَلْهَى، أو نشوةٌ سكرى، أو رغبة تتلظى في عين عاشق!! ١.
ومن أهل وحدة الوجود ابن عربي، ومن أقواله في ذلك:
العبد ربٌّ والرب عبدٌ يا ليت شعريْ مَن المكلف
إن قلت: عبدٌ فذاك ربٌّ أو قلت: ربٌّ أنَّى يكلف٢
وقوله: "سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها"٣.
وقوله: "إن العارف من يرى الحق - الله - في كل شيء، بل يراه عين كل شيء"٤.
٢_ الاتحاد الخاص: هو اعتقاد أن الله - ﷿ - اتحد ببعض المخلوقات دون بعض.
فالقائلون بذلك نزهوه من الاتحاد بالأشياء القذرة القبيحة، فقالوا إنه اتحد بالأنبياء، أو الصالحين، أو الفلاسفة، أو غيرهم.
فصاروا هم عين وجود الله - جل وعلا _.
_________________
(١) ١_ انظر هذه هي الصوفية ص٢٤_٢٥. ٢_ الفتوحات المكية ١/٢. ٣_ الفتوحات المكية ٢/٦٠٤، وانظر هذه هي الصوفية ص٣٥. ٤_ نصوص الحكم ص٣٧٤، وانظر هذه هي الصوفية ص٣٥.
[ ٤٦ ]
كقول بعض فرق النصارى: إن اللاهوت اتحد بالناسوت، فصارا شيئًا واحدًا.
وهذا بخلاف القائلين بالحلول فهم يرون أن له طبيعتين لاهوتيةً وناسوتيةً.
فالاتحادية قالوا بواحد، والحلولية قالوا باثنين.
ولا ريب أن القول بالحلول أو الاتحاد أعظم الكفر والإلحاد عياذًا بالله.
ولكن الاتحاد أشد من الحلول؛ لأنه اعتقاد ذات واحدة، بخلاف الحلول _كما مر_.
ثم إن القول بأنه اتحد في كل شيء أعظم من القول بأنه اتحد في بعض مخلوقاته.
وبالجملة فإن اعتقاد الحلول والاتحاد اعتقاد ظاهر البطلان، وقد جاء الإسلام بمحوه من عقول الناس؛ لأنه اعتقاد مأخوذ من مذاهب، وفلسفات ووثنيات هندية، ويونانية، ويهودية ونصرانية، وغيرها تقوم على الدجل، والخرافة.
[ ٤٧ ]