لفظ الزندقة، والزنادقة، والزنديق - يرد كثيرًا في كتب العقائد.
والحديث عنه سيكون حول المسائل التالية:
أولًا: منشأ كلمة الزندقة: الزندقة اسم اشتقه العرب من كلمة زندو بالفارسية، الدالة على كتاب الفرس المقدَّس الذي يقال له بالفارسية: الزندوفستا.
وهو كتاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور، وذلك بعد عيسى - ﵇ _.
وقد أحدث دينًا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح، ولا يقول بنبوة موسى - ﵉ - ٢.
ويقال لأتباعه: المانوية، ويقال لهم: الثنوية؛ لأنهم يثبتون إلهين.
فيقال: تزندق إذا اعتقد اعتقاد المجوس الفرس، أي انتسب للزندو، ثم اشتقوا منه زندقة للاعتقاد، وزنديق للمعتقد.
ثانيًا: على من يطلق لفظ الزندقة والزنديق؟ يطلق على من يُسِرُّ اعتقاد المجوس؛ فلا يسمى المجوسي المتظاهر بالمجوسية زنديقًا.
ثم صار اسمًا علمًا في الفقه يدل على من يظهر الإسلام، ويبطن الكفر،
_________________
(١) ١_ الكلام في الزندقة ههنا أكثره مستفاد من كلام الشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور في مقدمة تحقيقه لديوان بشار بن برد ص١٦_٢٠. ٢_ انظر الملل والنحل للشهرستاني ١/٢٤٤.
[ ٩٢ ]
سواء كان كفره باعتقاد المجوسية الفارسية، أم بالدهرية، أم بغير ذلك.
ولذلك قالوا: الزنديق يرادف المنافق، وخصوا المنافق بمبطن الكفر في زمن الرسول " والزنديق بمبطن الكفر بعد ذلك الزمن.
ثالثًا: ظهور الرمي بالزندقة: كان الرمي بالزندقة قد طلع قرنه في أثناء القرن الأول الإسلامي، ثم بلغ أشده في القرن الثاني؛ بسبب ما عظم من المخالفات الاعتقادية، والتعصبات المذهبية، وقضاء الأوطار السياسية.
رابعًا: ما يصير به المرء معرضًا إلى تهمة الزندقة: يصير إذا كان فارسي الأصل، وأُثِر عنه بُغض العرب، وكان من أهل الخلاعة والمجون، أو المزح في الأمور الراجعة إلى العبادات، أو أن يكون لا يحفظ من القرآن شيئًا؛ فقد أخذ بذلك محمد بن أبي عبيد الله وزير المهدي - حسبما ذكره ابن الأثير في حوادث سنة ١٦١هـ _.
هذا والمهدي لم يكن له من أصالة الرأي ما كان للمنصور والسفاح؛ فأغرق في تقصي أحوال الناس، والرمي بالزندقة.
[ ٩٣ ]