ترد هاتان اللفظتان في كتب العقائد، وقد أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة التدمرية ص١٩ إذ يقول في معرض رده على المتكلمين:
"ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات" ص١٩.
وهذه العبارة قد تشكل على بعض من يقرأ التدمرية، ويمكن فهمها من خلال تحليل عباراتها وشرحها.
أولًا: معنى قوله: "يسفسطون في العقليات":
قوله: " يسفسطون ": من السفسطة: وهي لفظ معرب مركب في اليونانية من كلمتين: سوفيا وهي الحكمة، واسطس وهو المموه؛ فمعنى السفسطة: حكمة مموهة، ويراد بالسفسطة: التمويه والخداع، والمغالطة في الكلام.
والغرض من ذلك: تغليط الخصم، وإسكاته.
والسوفسطائية طائفة من الفلاسفة تقوم على إنكار الحقائق، والقياسات الوهمية.
ومؤرخو الفلسفة اليونانية يكتبون عن السوفسطائيين، وهم أناس عرفوا بهذه المهنة التي ازدهرت في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد١.
ومقصود شيخ الإسلام بقوله: " يسفسطون في العقليات "أنه أراد أن يبين
_________________
(١) ١_ انظر التعريفات للجرجاني ص١٢٤، وإحصاء العلوم للفارابي ص٨١، وتاريخ الفلسفة ليوسف كرم ص٤٥.
[ ١١٩ ]
بطلان مقالة المتكلمين في تقريرهم أسماء الله وصفاته، وأنهم يموهون ويغالطون في الأمور العقلية الواضحة الثابتة؛ فكل من أنكر حقًا واضحًا، وموَّه فيه بالباطل فهو مسفسط.
ثانيًا: قوله: "يقرمطون في السمعيات":
قوله: "يقرمطون": جاء في لسان العرب: "القرمطة في الخط دقة الكتابة، وتداني الحروف، وفي المشي مقاربة الخطو، وتداني المشي"١.
هذا معناه في اللغة.
وأما في الاصطلاح: فهو نسبة إلى القرامطة الباطنية.
وسموا بذلك - كما يقول ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص١٠٤ - لأحد سببين:
الأول: أن داعية لهم من ناحية خوزستان قَدِم سواد الكوفة، ونزل على رجل يقال له: كَرْمِيته، لُقِّبَ بهذا؛ لحمرة عينيه؛ فسمي الداعية باسم الذي كان نازلًا عليه، ثم خفف فقيل: قرمط.
الثاني: أنه نسبة إلى حمدان قرمط، الذي يقول عنه صاحب الفرق بين الفرق ص٢٢٦: إنه لقب بذلك؛ لقرمطة في خطه، أو خطوه.
والقرامطة باطنية يدعون أن لنصوص الشرع باطنًا يخالف ظاهرها، ثم يفسرونها بما لا يوافق شرعًا، ولا لغة، ولا عقلًا.
ومعنى قوله: " السمعيات ": أي النقليات، وهي الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة.
_________________
(١) ١_ لسان العرب ٧/٣٧٧.
[ ١٢٠ ]
ومراد شيخ الإسلام بقوله: "يقرمطون في السمعيات".
أي أنهم _أي أهل الكلام_ يؤولون النصوص تأويلًا يخرجها عن معانيها الصحيحة المرادة؛ فمن تأولها على غير وجهها الصحيح ففيه شبه بالقرامطة من هذه الجهة.
[ ١٢١ ]