بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد:
فإن شرف العلم بشرف المعلوم، وإن علم العقيدة أشرف العلوم، وأعظمها وأجلها؛ إذ موضوعه العلم بالله، وما ينبغي له من الجلال والتعظيم والحب والرجاء.aq، وسلامتها من التناقض، والاضطراب، واللبس والغموض.
فألفاظها سهلة، ومعانيها بينة؛ فأدلتها مستقاة من الكتاب والسنة تسبق إلى الأفهام ببادئ الرأي، وأول النظر، ويشترك كافة الخلق في إدراكها، فيفهمها العالم والعامي، والصغير والكبير؛ فهي مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان، بل كالماء الذي جعل الله منه كل شيء حي؛ فينتفع به الصبي والرضيع، والرجل القوي والضعيف؛ فأدلة الكتاب والسنة سائغة جلية تقنع العقول، وتسكِّن النفوس، وتغرس الاعتقاداتِ الجازمةَ في القلوب١.
ولقد أدرك ذلك جيل الصحابة؛ لقرب العهد، ومباشرة التلقي من مشكاة
_________________
(١) ١_ أشار إلى هذا المعنى ابن الوزير اليماني، انظر كتابه: ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان ص٣٤٨.
[ ٣ ]
النبوة التي هي مظهر كل نور، ومنبع كل خير، وأساس كل هدى؛ فكانوا أسلم الناس فطرة، وأقلهم تكلفًا، وأعظمهم إيمانًا، وأزكاهم نفوسًا.
ثم سلك أثرهم التابعون لهم بإحسان؛ فاقتفوا طريقهم، واهتدوا بهداهم، ودعوا إلى ما دعوا إليه، ومضوا إلى ما كانوا عليه.
ثم بعد ذلك دب في هذه الأمة داء الأمم، فركبت سنن من كان قبلها؛ فدخلت فلسفاتُ اليونانِ والهندِ وفارس، وضلالاتُ أهلِ الكتابِ بلادَ المسلمين، وحدث انقلاب في كثير من الاعتقادات، وجرت محاولات التوفيق بين الدين والفلسفة، وتسلط سيف التأويل على نصوص الشريعة؛ فحدثت بدع، وشاعت ألفاظ دخيلة، وتكدر وجه الحق بشوائب الباطل، وخفيت بعض معالم الهدى بسبب ما أُحدث من مصطلحات غريبة الوجه واليد واللسان عن دين الإسلام، ولغة القرآن.
لذا هبَّ علماء الإسلام والسنة - على وجه الخصوص - لمنازلة المخالفين، والرد عليهم بالحجة والبينة والعدل والرحمة، واضطروا إلى التنزل ومخاطبة المخالفين بأساليبهم، ومصطلحاتهم؛ فنشأ من خلال ذلك - في بعض الأحيان - صعوبةٌ في فهم كلامهم، واستغلاقٌ للمعاني التي يريدون الوصول إليها وإن كان ذلك نسبيًا وليس قاعدة مطردة.
ومن هنا يظن بعض من يقرأ مؤلفات العلماء في العقيدة أنها صعبة المرتقى، بعيدة المنال، وهذا الظن ليس في محله؛ لأن العلماء إذا كتبوا العقيدة الإسلامية مجردة من الردود صاغوها بأسلوب ميسر واضح.
[ ٤ ]
ولقد كان يمرّ بي أثناء قراءة بعض الكتب، أو تدريسها كثير من المصطلحات التي يستبهم معها المعنى.
ومن الأمثلة على ذلك ما ألاحظه في تدريس مادة العقيدة في المستوى السابع والثامن في كلية الشريعة وأصول الدين في جامعة القصيم - الإمام سابقًا - حيث يلقى الطلاب عنتًا ومشقة من جراء فهم الكتاب المقرر وهو الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ومن هنا نشأت فكرة تدوين بعض تلك المصطلحات؛ فشرعت في جمعها إما من خلال ما كتبته في حواشي بعض الكتب التي أقرؤها، أو أشرحها، أو من خلال بعض ما هو مبثوث في بعض الكتب التي ألَّفتها؛ فطبعت، ونشرت، وزدت على ذلك جملة من المصطلحات والجمل التي تحتاج إلى إيضاح؛ فاجتمع لي من جراء ذلك سوادٌ لا بأس به؛ فرغبت في نشره؛ رجاء عموم النفع به، ورغبة في أن يكون سببًا لإيضاح مشكل، أو فك مستغلق.
ولقد كان الحرص قائمًا على تقريب ما يتلاءم من المصطلحات إلى نظيره أو ما يقرب منه.
ووضعت في النهاية فهرسًا أبجديًا، وفهرسًا عامًا؛ ليسهل الوصول إلى المراد.
وهذه المصطلحات ليست كلها مقتصرة على كتب العقائد فحسب، بل قد ترد في بعض كتب التفسير، والأصول، والفقه، والحديث، واللغة، والمنطق، وغيرها.
وهذا الكتاب ليس محيطًا، ولا مستقصيًا؛ إذ هو ليس معجمًا شاملًا، وإنما هو
[ ٥ ]
مصطلحات يسر الله جمعها، وكتابتها.
ثم إن هذه المصطلحات ليست على وتيرة واحدة من جهة وضوحها، أو إشكالها، وإنما هي متفاوتة، ويمكن إجمالها بما يلي:
١_ مصطلحات واضحة وتحتاج إلى مزيد تحليل وإيضاح.
٢_ مصطلحات مشكلة مبهمة وتحتاج إلى فك وإزالة إبهام.
٣_ مصطلحات غامضة داخلة في سياق ولا يفهم السياق إلا بفهمها.
٤_ مصطلحات واضحة وتفهم إذا كانت مفردة، لكنها إذا دخلت في سياق استغلق المعنى؛ فيُحْتَاج معها إلى شرح وتحليل.
ثم إن الشرح والتحليل يختلف بسطًا، واختصارًا من مصطلح إلى مصطلح، ومن سياق إلى سياق؛ فتارة يطول، وتارة يقصر، وهكذا
وأخيرًا أسأل الله - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى - أن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.
وآمل من القارئ أن يمدني بملحوظاته، وله جزيل الشكر، وخالص الدعاء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٦ ]