أولًا: نشأة الفلسفة: نشأت الفلسفة واشتهرت في بلاد اليونان، بل وأصبحت مقترنة بها على الرغم من وجود الفلسفات في الحضارات المصرية، والهندية، والفارسية القديمة.
وما ذلك إلا لاهتمام فلاسفة اليونان بنقلها من تراث الشعوب الوثنية، وبقايا الديانات السماوية مستفيدين من صحف إبراهيم وموسى ﵉ بعد انتصار اليونانيين على العبرانيين بعد السبي البابلي١.
_________________
(١) ١_ السبي البابلي: هي المأساة التي يتذكرها اليهود بحسرة ومرارة، وهي ما حصل لهم عام ٦٠٣ قبل الميلاد، وقيل ٦٠٥ على يد عدد من الملوك البابليين. وقد أُثير حول هذه المأساة جدل كبير، ونُسجت فيه خرافات وأساطير، ولا تزال الدراسات عنها إلى يومنا هذا. ولهذا صار العراق أحد مواطن الفجيعة والحزن لدى اليهود؛ فمنه انطلقت القوات التي قضت على دولة إسرائيل في العهد القديم عهد الملك الكلداني البابلي نبوخذ نصر، وانتهت حربه بواحدة من أكبر الفواجع في التاريخ اليهودي، وهي ما أطلق عليه مأساة السبي البابلي. ففي عام ٦٠٣ أو ٦٠٥ قبل الميلاد تولى نبوخذ نصر العرش الكلداني البابلي في العراق، وفي عهده بلغت الدولة أوجها، وحالف الملك اليهودي يواقيم إلا أن العلاقات بينهما تدهورت عندما حاول يواقيم التخلص من الحلف مع جاره القوي؛ فجرد نبوخذ نصر حملة عسكرية حاصر فيها القدس، وفتحها، واقتاد الملك الجديد يهويا كين، وحاشيته، وأركان حكمه، وأشراف دولته إلى بابل عام ٥٨٦ قبل الميلاد. وتشير بعض الروايات التاريخية إلى سبي بابلي لاحق بعد محاولة صدقيا ملك يهودا التمرد على الحكم الكلداني مما أدى إلى تجريد حملة بابلية أخرى انتهت عام ٥٨٦ قبل الميلاد بحرق هيكل سليمان بن داود - ﵇ - والقضاء على الدولة العبرية، وسبي حوالي ٥٠ ألف يهودي إلى العراق هم أغلبية ما تبقى في القدس، وقد ساقهم الكلدانيون مكبلين بالحديد والأصفاد إلى أراضي العراق.
[ ٩٧ ]
وربما استفادوا من حكمة لقمان ﵇ فجاءت فلسفتهم خليطًا بين نزعات شتى.
وقد استوى ساق الفلسفة على يد أفلاطون ومن بعده أرسطو وغيرهما١.
ثانيًا: دخول الفلسفة في ديار الإسلام: دخلت الفلسفة ديار الإسلام في القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي وذلك في عهد الخليفة العباسي المأمون.
ولقد سبق العرب فلاسفة الغرب بالاتصال بالفلسفة اليونانية؛ إذ إنها لم تصل إلى الغرب إلا في القرنين الميلاديين الثاني عشر والثالث عشر معتمدين على ما خلَّفه الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام الذين تخصصوا في دراستها أوفي نقلها من النص السرياني، أو اليوناني إلى اللسان العربي، ثم نقلت إلى لسان الغرب٢.
_________________
(١) وقد اختُلف كثيرًا في هذا السبي - كما مر - واختُلف في مدة وقوعه؛ فقيل استمر ٧٠ سنة، وقيل ١٤٠ سنة. وتحتفل الأدبيات اليهودية بالكثير من البكائيات، والذكريات المريرة عن هذه المحنة. ولهذا يشعر اليهود أن امتلاك العراق لأي قوة فائقة يمكن أن يهدد أمن إسرائيل، وربما يؤدي إلى تكرار محنة السبي البابلي من جديد. ولعل ما يؤكد ذلك ما قاله مناحيم بيغن رئيس الوزراء الإسرائيلي عام ١٩٨١م بعد الغارة على المفاعل النووي العراقي؛ حيث أعلن أنه لو لم يدمر المفاعل النووي العراقي لحدثت محرقة جديدة في تاريخ الشعب اليهودي. ولعل هذا يفسر سر الهجمة على العراق، ومحاولة تفكيكه، وإضعافه.
(٢) انظر المدرسة الفلسفية في الإسلام بين المشائية والإشراقية ص٧٥ـ٧٩، والموسوعة الميسرة ٢/١١٠٩.
(٣) انظر المرجع السابق.
[ ٩٨ ]