خامسًا: الفروق بين القضاء والقدر:
اختلف العلماء في ذلك على أقوال، وفيما يلي ذكر لشيء من ذلك:
١_ قيل: "المراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء: الخلق كقوله _تعالى_: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي خلقهن.
فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء؛ فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه"٢.
وقال الراغب الأصفهاني ﵀: "والقضاء من الله أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير؛ فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع.
وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المُعَدِّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل"٣.
٢_ وقيل العكس؛ فالقضاءُ هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل،
_________________
(١) ٢_ لسان العرب ٥/١٨٦، والنهاية ٤/٧٨، وانظر الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص٣٢٨. ٣_ المفردات ص٤٢٣_٤٢٤.
[ ١٧٥ ]
والقدرُ هو وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق١.
قال الجرجاني ﵀: "والفرق بين القدر والقضاء هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة، والقدر وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها"٢.
وقال مثل ذلك عند تعريفه للقضاء والقدر - كما مر _.
٣_ أنه لا فرق بين القضاء والقدر؛ فكل واحد منهما بمعنى الآخر؛ فإذا أطلق التعريف على أحدهما شمل الآخر؛ ويعبر عن كل واحد منهما كما يعبر عن الآخر؛ فهما مترادفان من هذا الاعتبار، فيقال: هذا قدر الله، ويقال: هذا قضاء الله، ويقال: هذا قضاء الله وقدره٣.
ولعل الأقرب - والله أعلم - أنهما إذا اجتمعا افترقا؛ بحيث يصبح لكل واحد منهما مدلول بحسب ما سبق في الأقوال السابقة.
وإذا افترقا اجتمعا؛ بحيث إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر٤.
وبالجملة فالأمر يسير، والخلاف فيها لا يترتب عليه شيء.
_________________
(١) ١_ انظر القضاء والقدر د. عمر الأشقر ص٢٧. ٢_ التعريفات ص١٧٤. ٣_ انظر القضاء والقدر د. عبد الرحمن المحمود ص٤١. ٤_ انظر الدرر السنية، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ١/٥١٢_٥١٣.
[ ١٧٦ ]