وَهْوَ الَّذِي يَرَى دَبِيبَ الذَّرِّ فِي الظُّلُمَاتِ فَوْقَ صُمِّ الصَّخْرِ
_________________
(١) ١ مسلم "٤/ ٢١٠٦/ ٢٧٤٩" في التوبة باب سقوط الذنوب بالاستغفار.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وَسَامِعٌ لِلْجَهْرِ وَالْإِخْفَاتِ بِسَمْعِهِ الْوَاسِعِ لِلْأَصْوَاتِ
فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ إِثْبَاتُ الْبَصَرِ لِلَّهِ تَعَالَى الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْمُبْصَرَاتِ، وَإِثْبَاتُ السَّمْعِ لَهُ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَهَاتَانِ الصِّفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ تَعَالَى وَهُمَا مُتَضَمَّنُ اسْمَيْهِ "السَّمِيعِ الْبَصِيرِ" قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ٥٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الْحَجِّ: ٦١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الْكَهْفِ: ٢٦] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذلك في معنى الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ كَأَنَّهُ قِيلَ مَا أَبْصَرَهُ وَأَسْمَعَهُ، وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ مَا أَبْصَرَ اللَّهَ لِكُلِّ مَوْجُودٍ وَمَا أَسْمَعَهُ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، ثُمَّ رَوَى عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ فَلَا أَحَدَ أَبْصَرَ مِنَ اللَّهِ وَلَا أَسْمَعَ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: يَرَى أَعْمَالَهُمْ وَيَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِنَّهُ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا١، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَيْ مَا أَبْصَرَ اللَّهَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَأَسْمَعَهُ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ أَيْ: لَا يَغِيبُ عَنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ شَيْءٌ٢. وَقَالَ تعالى لموسى وهرون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَسْمَعُ دُعَاءَكُمَا فَأُجِيبُهُ وَأَرَى مَا يُرَادُ بِكُمَا فَأَمْنَعُهُ لَسْتُ بِغَافِلٍ عَنْكُمَا فَلَا تَهْتَمَّا٣. وَقَالَ تَعَالَى لَهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشُّورَى: ١٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٥] وَقَالَ
_________________
(١) ١ ابن جرير "١٥/ ٢٣٢ جامع البيان". ٢ البغوي "٣/ ٥٦٢ معالم التنزيل". ٣ البغوي "٤/ ١٥ معالم التنزيل".
[ ١ / ٢٣٤ ]
تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [الْعَلَقِ: ١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢٢٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ تَعْلِيقًا، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ١، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهَا ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: تَبَارَكَ الَّذِي أَوْعَى سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلَ مَالِي وَأَفْنَى شَبَابِي وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي حَتَّى إِذَا كَبُرَتْ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ. قَالَتْ: فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ قَالَتْ: وَزَوْجُهَا أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ٢. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وَذَكَرَ خَبَرَ عَائِشَةَ هَذَا مُعَلَّقًا٣. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي سَفَرٍ فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا فَقَالَ: "أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ،
_________________
(١) ١ البخاري "١٣/ ٣٧٢" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . ووصله النسائي في النكاح باب الظهار "٦/ ١٦٨" وأحمد في المسند "٦/ ٤٦". والحاكم في مستدركه "٢/ ٤٨١" وصححه ووافقه الذهبي وهو كذلك. ولم يروه ابن ماجه بهذا اللفظ إنما رواه باللفظ الآتي. ٢ رواه ابن ماجه "١/ ٦٦٦/ ح٢٠٦٣" في الطلاق، باب الظهار. والحاكم في المستدرك "٢/ ٤٨١" وصححه ووافقه الذهبي وهو كذلك. ٣ البخاري "١٣/ ٣٧٢" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ .
[ ١ / ٢٣٥ ]
فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا" ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَالَ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ" ١ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَادَانِي قَالَ: إن الله قد سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ" ٢. وَرُوِيَ فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ كَثِيرَةُ الشَّحْمِ بُطُونُهُمْ قَلِيلَةُ الْفَهْمِ قُلُوبُهُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ الْآيَةَ٣. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: رَأَيْتُ رسول الله -ﷺ- يقرأها وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ. قَالَ: ابْنُ يونس قال المقرىء يَعْنِي: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يَعْنِي أَنَّ لِلَّهِ سَمْعًا وَبَصَرًا قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا رَدٌّ على الجهمية ا. هـ.٤.
قُلْتُ: يَعْنِي أَبُو دَاوُدَ ﵀ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ لَا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ تَعَالَى اسْمًا وَلَا
_________________
(١) ١ البخاري "١٣/ ٣٧٢" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . ومسلم "٤/ ٢٠٧٦/ ح٢٧٠٤" في الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر. ٢ البخاري "١٣/ ٣٧٣" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . ومسلم "٣/ ١٤٢٠-١٤٢١/ ح١٧٩٥" في الجهاد، باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين والمنافقين. ٣ البخاري "١٣/ ٤٩٥" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْا وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُون﴾ . ومسلم "٤/ ٢١٤١/ ح٢٧٧٥" في صفات المنافقين. ٤ أبو داود "٤/ ٢٣٣/ ح٤٧٢٨" في السنة، باب في الجهمية وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٣٦ ]
صِفَةً مِمَّا سَمَّى وَوَصَفَ نَفْسَهُ تَعَالَى بِهِ وَأَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَلَا يُثْبِتُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَلَا أَنَّهُ يَسْمَعُ وَيَرَى وَيُبْصِرُ، فِرَارًا بِزَعْمِهِمْ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالْمَخْلُوقِينَ فَنَزَّهُوهُ عَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَشَبَّهُوهُ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ، قَالَ اللَّهُ ﷿ عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي دَعْوَتِهِ أَبَاهُ إِلَى اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] وَقَدْ أَثْبَتَ الْجَهْمِيَّةُ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ حُجَّةً لِعُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَجَوَابًا لِإِنْكَارِ خَلِيلِ اللَّهِ وَجَمِيعِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ لِلْكُفَّارِ أَنْ يَقُولُوا: وَمَعْبُودُكُمْ أَيْضًا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: سَمِيعٌ بِلَا سَمْعٍ بَصِيرٌ بِلَا بَصَرٍ وَأَطْرَدُوا جَمِيعَ أَسْمَائِهِ هَكَذَا فَأَثْبَتُوا أَسْمَاءً وَنَفَوْا مَا تَتَضَمَّنُهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِثْبَاتِ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْمَعَانِي، وَقَوْلُهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ مُخَالِفٌ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعُقُولِ الصَّحِيحَةِ وَالْفِطَرِ السَّلِيمَةِ، وَهَدَى اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ أَهْلَ السُّنَّةِ لِفَهْمِ كِتَابِهِ وَآمَنُوا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَأَقَرُّوا بِهِ كَمَا أَخْبَرَ وَنَفَوْا عَنْهُ التَّشْبِيهَ، كَمَا جَمَعَ تَعَالَى بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .