جُمْلَةً مِنْ نُصُوصِ الصِّفَاتِ ﵀. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: إِنَّمَا يَدُورُونَ عَلَى أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ، يَعْنِي الْجَهْمِيَّةَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ١. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ إِمَامُ أَهْلِ الْمَغَازِي: كَانَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ إِذْ لَيْسَ إِلَّا الْمَاءُ عَلَيْهِ الْعَرْشُ، وَعَلَى الْعَرْشِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الظَّاهِرُ فِي عُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ فَوْقَهُ، الْبَاطِنُ لِإِحَاطَتِهِ بِخَلْقِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ دُونَهُ، الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَبِيدُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ النُّورُ وَالظُّلْمَةُ ثُمَّ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مِنْ دخان، ثم دحى الْأَرْضَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَحَبَكَهُنَّ وَأَكْمَلَ خَلْقَهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ، فَفَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ٢.
طَبَقَةٌ أُخْرَى:
رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: كَلَامُ الْجَهْمِيَّةِ أَوَّلُهُ عَسَلٌ وَآخِرُهُ سُمٌّ، وَإِنَّمَا يُحَاوِلُونَ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ٣. وَصَحَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ كَيْفَ نَعْرِفُ رَبَّنَا ﷿؟ قَالَ: فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى عَرْشِهِ، وَلَا نَقُولُ كَمَا تَقُولُ الجهمية إنه ههنا فِي الْأَرْضِ٤. فَقِيلَ هَذَا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَقَالَ: هَكَذَا هُوَ عِنْدَنَا. وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ خِفْتُ اللَّهَ مِنْ كَثْرَةِ مَا أَدْعُو عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، قَالَ: لَا تَخَفْ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ إِلَهَكَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ ابن أَحْمَدَ٥. وَقَالَ نُوحٌ الْجَامِعُ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللَّهِ ﷿ فِي السَّمَاءِ هُوَ، فَحَدَّثَ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ -ﷺ- حِينَ سَأَلَ الْأَمَةَ "أَيْنَ اللَّهُ" قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ
_________________
(١) ١ ذكر ذلك الذهبي في العلو "ص١٠٦-١٠٧" ورواه عبد الله في السنة "ح٤١". وإسناده صحيح. ٢ ذكره الذهبي في العلو "ص١٠٨" وقال عن محمد بن إسحاق. كان يبالغ في نشر أحاديث الصفات ويأتي بغرائب. وذكره الذهبي عن سلم بن الفضل وهو ضعيف. ٣ ذكر ذلك الذهبي في العلو "ص١١١" من رواية ابن أبي حاتم بسند صحيح إليه. ٤ رواه البخاري في خلق أفعال العباد تعليقا "١٣" والدارمي في الرد على الجهمية "٦٧" وعبد الله بن أحمد في السنة "٢٢" والبيهقي في الأسماء والصفات "ص٤٢٧" والذهبي في العلو "ص١١١" وإسناده صحيح. ونسبه ابن تيمية للخلال عن الأثرم في تعارض العقل والنقل "٢/ ٣٤". ٥ عبد الله في السنة "١٨ و٢٤" وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٨٧ ]
قَالَ: "أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" ثُمَّ قَالَ: سَمَّاهَا النَّبِيُّ -ﷺ- مُؤْمِنَةً أَنْ عَرَفَتْ أَنَّ اللَّهَ ﷿ فِي السَّمَاءِ. رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ أَيْضًا١. وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ: كَلَّمْتُ بِشْرًا الْمِرِّيسِيَّ وَأَصْحَابَهُ فَرَأَيْتُ آخِرَ كَلَامِهِمْ يَنْتَهِي أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ، أَرَى أَنْ لَا يُنَاكَحُوا وَلَا يُوارَثُوا٢. وَثَبَتَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ قَالَ: مَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ، وَمَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ، وَمَنْ تَتَبَّعَ غَرِيبَ الْحَدِيثِ كَذَبَ٣. وقد ضرب عليا الْأَحْوَلُ وَطَوَّفَ بِهِ فِي شَأْنِ الْكَلَامِ وَضُرِبَ آخَرُ كَانَ مَعَهُ٤. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي صِفَةِ الرَّبِّ ﷿ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ وَلَا وَصْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، فَمَنْ فَسَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِصِفَةِ لَا شَيْءَ٥. وَكَتَبَ بِشْرٌ الْمِرِّيسِيُّ قَبَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ اسْتِوَاؤُهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَالْجَوَابُ فِيهِ تَكَلُّفٌ وَمَسْأَلَتُكَ عَنْ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَالْإِيمَانُ بِجُمْلَةِ ذَلِكَ وَاجِبٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ .٦ وَقِيلَ لِيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ: مَنِ الْجَهْمِيُّ؟ قَالَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ عَلَى خِلَافِ مَا يَقِرُّ فِي
_________________
(١) ١ ذكره الذهبي في العلو "ص١١١" وقال: رواه عبد الله في السنة عن أحمد. ونوح الجامع تقدم ذكره وأنه متهم بالوضع. وحديث الجارية تقدم ذكره. ٢ رواه عبد الله في السنة "٦٥" وذكره الذهبي في العلو معلقا وفي سنده يحيى بن إسماعيل الواسطي، قال عنه الحافظ: مقبول "وقد روى عنه جمع من الثقات". ٣ ذكره الذهبي في العلو "ص١١٢" وقال: ثبت عن أبي يوسف ﵀. ٤ ذكره الذهبي في العلو "ص١١٢" من رواية ابن أبي حاتم وفي سنده بشار الخفاف وهو كثير الغلط. وقال أبو يوسف: جيئوني بشاهدين يشهدان على المريسي، والله لأملأنن ظهره وبطنه السياط، يقول في القرآن، يعني مخلوق، رواه عبد الله في السنة "٥٣" وإسناده صحيح. ٥ ذكره الذهبي في العلو "ص١١٣" وعزاه للمقدسي واللالكائي. ٦ رواه الخطيب في تاريخه "١٣/ ٧٥-٧٦" وفي سنده أبو علي الكواكبي قال عنه ابن حجر: إخباري مشهور، رأيت في أخباره مناكير كثيرة بأسانيد جياد.
[ ١ / ١٨٨ ]
قُلُوبِ الْعَامَّةِ فَهُوَ جَهْمِيٌّ. رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ١. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الضُّبَعِيُّ وَذَكَرَ الْجَهْمِيَّةَ فَقَالَ: هُمْ شَرٌّ قَوْلًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَدِ اجْتَمَعَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَأَهْلُ الْأَدْيَانِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ ﷿ عَلَى الْعَرْشِ٢. وَقَالُوا هُمْ: لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ بِحَدِيثِ "إِذَا جَلَسَ الرَّبُّ ﷻ عَلَى الْكُرْسِيِّ" فَاقْشَعَرَّ رَجُلٌ عِنْدَ وَكِيعٍ فَغَضِبَ وَكِيعٌ وَقَالَ: أَدْرَكْنَا الْأَعْمَشَ وَالثَّوْرِيَّ يُحَدِّثُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَلَا يُنْكِرُونَهَا٣. وَقَالَ مَرَّةً: نُسَلِّمُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كَمَا جَاءَتْ وَلَا نَقُولُ: كَيْفَ كَذَا وَلَا لَمْ كَذَا٤. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ أَرَادُوا أَنْ يَنْفُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى كَلَّمَ مُوسَى وَأَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَرْشِ، أَرَى أَنْ يُسْتَتَابُوا فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ٥. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: إِيَّاكُمْ وَرَأْيَ جَهْمٍ فَإِنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ فِي السَّمَاءِ، وَمَا هُوَ إِلَّا مِنْ وَحْيِ إِبْلِيسَ، مَا هُوَ إِلَّا الْكُفْرُ٦. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ لَمَّا قُدِّمَتِ امْرَأَةُ جَهْمٍ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهَا: اللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ فَقَالَتْ: مَحْدُودٌ عَلَى مَحْدُودٍ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ كَافِرَةٌ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ٧. وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يَقُولُ ارْتَفَعَ٨. وَقَالَ الْفَرَّاءُ صَعِدَ٩. وَعَنْ
_________________
(١) ١ عبد الله في السنة "٥٤" وإسناده صحيح. ورواه البخاري في خلق أفعال العباد تعليقا "٦٣" وأبو داود في المسائل مسندا "ص٢٦٨-٢٦٩". ٢ ذكره الذهبي في العلو "ص١١٧" من رواية ابن أبي حاتم وهي رواية مرسلة. ٣ عبد الله في السنة "٥٨٧" والحديث: إذا جلس " إسناده ضعيف فيه عبد الله بن خليفة قال عنه الحافظ: مقبول "إذا توبع وإلا فلين" وفي سماعه من عمر مقال. قال ابن كثير: منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفا ومنهم يرويه عنه مرسلا "١/ ٤٥٨" ورواه الدارمي في الرد على المريسي ص٧٤". ٤ رواه عبد الله في السنة "ح٤٩٥" وسنده إليه صحيح. ٥ رواه عبد الله في السنة "٤٦، ٤٨" وذكره البخاري في خلق أفعال العباد "٧٥" ورواه البيهقي في الأسماء والصفات "ص٢٤٩" وسنده صحيح. ٦ رواه المقدسي في العلو "١٠١" والذهبي في العلو "ص١١٨" وذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش "ص٧٢". ٧ ذكره الذهبي في العلو معلقا "ص١١٨". ٨ ذكره الذهبي في العلو "ص١١٨" وفيه قصة وانظر مختصره "١٩٠". ٩ رواه البيهقي في الأسماء والصفات "ص٤١٢-٤١٣" وذكره الذهبي في العلو "ص١١٨-١١٩" وانظر مختصره "١٩١".
[ ١ / ١٨٩ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ أَنَّهُ ضَرَبَ رَأْسَ قَرَابَةٍ لَهُ كَانَ يَرَى رَأْيَ جَهْمٍ، وَكَانَ يَضْرِبُ بِالنَّعْلِ عَلَى رَأْسِهِ وَيَقُولُ: لَا حَتَّى تَقُولَ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ١.