بَسِيطًا فَهُوَ تُقَامُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِالْبَيَانِ وَالْبُرْهَانِ، فَإِنْ تَابَ وَآمَنَ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْكَلَامُ عَلَى اللَّفْظِيَّةِ قَرِيبًا وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْفَصْلِ سَائِرَ الْفِرَقِ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّا أَحْبَبْنَا تَجْرِيدَ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى حِدَتِهِ لِقَصْدِ التَّيْسِيرِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
"وَلَا بِمُفْتَرَى" أَيْ: وَلَيْسَ الْقُرْآنُ بِمُفْتَرًى كَمَا قَالَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ قَالُوا فِيهِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٢٤] وَقَالُوا: ﴿إِنَّ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الْفُرْقَانِ: ٤]، ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: ٥] و﴿يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣] وَقَالُوا: شِعْرٌ، وَقَالُوا: كَهَانَةٌ، وَقَالُوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] وَقَالُوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الْأَنْفَالِ: ٣١] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُفْتَرَيَاتِهِمْ وَإِفْكِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا قَالُوهُ عِنَادًا وَمُكَابَرَةً ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النَّمْلِ: ١٤] وَقَدْ كَشَفَ اللَّهُ تَعَالَى شُبَهَهُمْ وَأَدْحَضَ حُجَجَهُمْ وَبَهَتَهُمْ وَقَطَعَهُمْ وَفَضَحَهُمْ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَبَيَّنَ عَجْزَهُمْ وَكَشَفَ عَوَارَهُمْ فِي جَمِيعِ مَا انْتَحَلُوا فَقَالَ تَعَالَى لِمَنْ قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ، عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ يُشِيرُونَ بِهَذَا إِلَى رَجُلٍ أَعْجَمِيٍّ كَانَ بين ظهرهم غلام لِبَعْضِ بُطُونِ قُرَيْشٍ قِيلَ اسْمُهُ
[ ١ / ٢٨١ ]
بَلْعَامُ، وَقِيلَ يَعِيشُ وَقِيلَ عَائِشٌ وَقِيلَ جَبْرٌ وَقِيلَ يَسَارٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ١، وَرُبَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجْلِسُ إِلَيْهِ وَيُكَلِّمُهُ بَعْضَ الشَّيْءِ، فَرَدَّ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الِافْتِرَاءَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٣] أَيْ: فَكَيْفَ يَتَعَلَّمُ مَنْ جَاءَ بِهَذَا الْقُرْآنِ فِي فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَمَعَانِيهِ التَّامَّةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ مِنْ مَعَانِي كُلِّ كِتَابٍ نَزَلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَيْفَ يَتَعَلَّمُ مِنْ رَجُلٍ أَعْجَمِيٍّ؟ لَا يَقُولُ هَذَا مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ، وَقَالَ فِي رَدِّ قَوْلِهِمْ شِعْرٌ وَكَهَانَةٌ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩-٧٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ، أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ، أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطُّورِ: ٢٩-٣٣] الْآيَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الْحَاقَّةِ: ٤١-٤٨] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى لِمَنْ قَالَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ، أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٧-٨] فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٨-٩] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ. وَرَدَّ عَلَيْهِمْ تَعَالَى فِي قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٨٨] وَقَدْ تَحَدَّاهُمْ تَعَالَى عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَبَانَ كَذِبُهُمْ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير "٢/ ٦٠٨". والبغوي في معالم التنزيل "٣/ ٤٤٨".
[ ١ / ٢٨٢ ]
إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطُّورِ: ٣٣] وَقَالَ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هُودٍ: ١٣-١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣-٢٤] فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَمْ يَطْمَعُوا فِي شَيْءٍ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُمْ فُحُولُ اللُّغَةِ وَفُرْسَانُ الْفَصَاحَةِ وَأَهْلُ الْبَلَاغَةِ، وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِنَثْرِ الكلام ونظمه وهجزه وَرَجَزِهِ، مَعَ شِدَّةِ مُعَانَدَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَمَا جَاءَ بِهِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى مُعَارَضَتِهِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَلَكِنْ جَاءَهُمْ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ وَأَتَاهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، كَلَامُ ذِي الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ وَالْكَمَالِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَرَبِّ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى مِنْ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَى وَالْمَثَلُ الْأَعْلَى، الَّذِي لَا سَمِيَّ لَهُ وَلَا كُفُوَ لَهُ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فَلَمَّا رَأَوْا وُجُوهَ إِيجَازِهِ وَإِعْجَازِهِ وَمَبَانِيَهُ الْكَامِلَةَ وَمَعَانِيَهُ الشَّامِلَةَ، وَإِخْبَارَهُ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَالْأَحْكَامِ الْوَاقِعَةِ، وَنَبَأِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالتَّهْدِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ وَأَوْضَحِ بَيَانٍ وَأَعْلَى قَصَصٍ وَأَعْظَمِ بُرْهَانٍ، عَلِمُوا أنه ليس بكلام الْمَخْلُوقِينَ وَلَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَخْلُوقِينَ وَعَلِمُوا أَنَّهُ الْحَقُّ، وَإِنَّمَا رَمَوْهُ بِالْإِفْكِ وَالْبُهْتَانِ بِقَوْلِهِمْ: كَاهِنٌ شَاعِرٌ مَجْنُونٌ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ مُكَابَرَةٌ وَعِنَادٌ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْوَلِيدِ وَعُتْبَةَ وَأَبِي جَهْلٍ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَغَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ تَقَوَّلَهُ كَمَا زَعَمُوا هُمْ لَاسْتَطَاعُوا مُعَارَضَتَهُ وَلَمْ يَنْقَطِعُوا عَنْ مُقَاوَمَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَبٌ فُصَحَاءُ مِثْلُهُ عَارِفُونَ بِوُجُوهِ الْبَلَاغَةِ كُلِّهَا لَا يَجْهَلُونَ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَمَا عَدَلُوا إِلَى الْمُكَابَرَةِ وَالتَّبَجُّحِ بِالْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ أَمْقَتُ شَيْءٍ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، وَلَكِنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ، وَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
[ ١ / ٢٨٣ ]
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] فَلَا يَأْتِي مُبْطِلٌ بِشُبْهَةٍ إِلَّا وَفِيهِ إِزْهَاقُ بَاطِلِهِ وَكَشْفُ شُبْهَتِهِ وَإِدْحَاضُ حُجَّتِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ مَنْ عَرَفَ مَوَاقِعَ النُّزُولِ، وَيَكْفِيكَ في ذلك قوله ﷿: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٣٣]
يُحْفَظُ بِالْقَلْبِ وَبِاللِّسَانِ يُتْلَى كَمَا يُسْمَعُ بِالْآذَانِ
كَذَا بِالَابْصَارِ إِلَيْهِ يُنْظَرُ وَبِالْأَيَادِي خَطُّهُ يُسَطَّرُ
وَكُلُّ ذِي مَخْلُوقَةٌ حَقِيقَهْ دُونَ كَلَامِ بَارِئِ الْخَلِيقَهْ
جَلَّتْ صِفَاتُ رَبِّنَا الرَّحْمَنِ عَنْ وَصْفِهَا بِالْخَلْقِ وَالْحَدَثَانِ
فَالصَّوْتُ وَالْأَلْحَانُ صَوْتُ الْقَارِي لَكِنَّمَا الْمَتْلُوُّ قَوْلُ الْبَارِي
مَا قَالَهُ لَا يَقْبَلُ التَّبْدِيلَا كَلَّا وَلَا أَصْدَقُ مِنْهُ قِيلًا
"يُحْفَظُ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيِ: الْقُرْآنُ "بِالْقَلْبِ" كَمَا قَالَ ﵎: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٩٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٩] وَقَالَ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الْأَعْلَى: ٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرَابِ" قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ١، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْثًا وَهُمْ ذَوُو عَدَدٍ، فَاسْتَقْرَأَهُمْ فَاسْتَقْرَأَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ -يَعْنِي مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ- فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقَالَ: "مَا مَعَكَ يَا فُلَانُ" فَقَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ: "أَمَعَكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِيرُهُمْ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ: وَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ الْبَقَرَةَ إِلَّا خَشْيَةُ أَنْ لَا أَقُومَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَاقْرَءُوهُ، فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَرَأَهُ وَقَامَ بِهِ
_________________
(١) ١ الترمذي "٥/ ١٧٧/ ح٢٩١٣" في فضائل القرآن، باب ١٨ وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد ١/ ٢٢٣" والدارمي "٢/ ٤٢٩" في فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن والحاكم "١/ ٥٥٤" وابن عدي في الكامل "٦/ ٢٠٧٢" وقال الحاكم: صحيح ولم يوافقه الذهبي. وفيه قابوس بن أبي ظبيان وهو لين الحديث.
[ ١ / ٢٨٤ ]
كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا يَفُوحُ رِيحُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِيَ عَلَى مِسْكٍ" قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ١. وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي قِصَّةِ الْوَاهِبَةِ نَفْسَهَا وَفِيهِ قَالَ: "مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عددها فقال: "تقرأهن عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" ٢ وَلِأَبِي دَاوُدَ قَالَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا قَالَ: "قُمْ فَعَلِّمِهَا عِشْرِينَ آيَةً"٣. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "مَثَلُ الْقُرْآنِ إِذَا عَاهَدَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَمَثَلِ رَجُلٍ لَهُ إِبِلٌ فَإِنْ عَقَلَهَا حَفِظَهَا وَإِنْ أَطْلَقَ عِقَالَهَا ذَهَبَتْ، فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ" ٤. وَلَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: "يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كَنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا" ٥ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
_________________
(١) ١ الترمذي "٥/ ١٥٦/ ح٢٨٧٦" في ثواب القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه ابن ماجه "١/ ٧٨/ ح٢١٧" في المقدمة "مختصرا دون ذكر القصة". والنسائي في الكبرى "تحفة الأشراف ١٠/ ٢٨٠". وفيه عطاء مولى أبي أحمد ولا يعرف. وللحديث شاهد ضعيف جدا من حديث عثمان ﵁: رواه الطبراني في الأوسط "المجمع ٧/ ١٦٤" والدارقطني في الأفراد "كنز العمال ح٤٠٢٠" وفيه يحيى بن سلمة بن كهيل وهو شيعي متروك. فالحديث ضعيف. إذ لا يصلح شاهدا له. ٢ البخاري "٩/ ١٣١" في النكاح، باب تزويج المعسر، وفي باب إذا قال الخاطب للولي: زوجني "٩/ ١٩٨". ومسلم "٢/ ١٠٤٠/ ح١٤٢٥" في النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم القرآن. ٣ أبو داود "٢/ ٢٣٦/ ح٢١١٢" في النكاح، باب في التزويج على العمل بعمل من حديث أبي هريرة ﵁ وفي سنده عسل التميمي وهو ضعيف والحديث صحيح لشواهده كشاهده السابق. ٤ البخاري "٩/ ٧٩" في فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده. ومسلم "١/ ٥٤٣/ ح٧٨٩" في صلاة المسافرين، باب الأمر بتعهد القرآن. ٥ البخاري "٩/ ٩٥" في فضائل القرآن، باب نسيان القرآن، وفي باب من لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا "٩/ ٨٧". ومسلم "١/ ٥٤٣/ ح٧٨٨" في صلاة المسافرين، باب الأمر بتعهد القرآن.
[ ١ / ٢٨٥ ]
"وَبِاللِّسَانِ يُتْلَى" قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الْكَهْفِ: ٣٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ [فَاطِرٍ: ٢٩] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لَتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٦-١٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١١٠] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ" إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ١. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "لَلَّهُ أَشَدُّ أُذُنًا إِلَى الرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِهِ" وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ٢ وَلَهُ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ لَا تَوَسَّدُوا الْقُرْآنَ، وَاتْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ
_________________
(١) ١ البخاري "٩/ ٧٣" في فضائل القرآن، باب اغتباط صاحب القرآن. وفي التمني، باب تمني القرآن والعلم "١٣/ ٢٢٠". وفي التوحيد، باب قول النبي ﷺ، رجل أتاه القرآن "١٣/ ٥٠٢". ٢ أخرجه أحمد "٦/ ١٩" والحاكم "١/ ٥٧١" والبيهقي "السنن ١٠/ ٢٣٠". وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يوافق الذهبي بل قال هو منقطع. قلت: انقطاعه بين إسماعيل بن عبيد الله وفضالة بن عبيد. وقد وصله أحمد "٦/ ٢٠" وابن ماجه "١/ ٤٢٥/ ح١٣٤٠" في إقامة الصلاة، باب في حسن الصوت بالقرآن. وابن حبان "الإحسان ٢/ ٦٦". والطبراني في الكبير "١٨/ ٣٠١/ ح٧٧٢" والبيهقي في السنن "١٠/ ٢٣٠". ما بين إسماعيل وفضالة ذكر ميسرة مولى فضالة وميسرة قال عنه الحافظ مقبول "إذا توبع وإلا فليّن". والحديث كما قال البوصيري: حسن.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وَالنَّهَارِ وَتَغَنَّوْهُ وَتَقِّنُوهُ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"١ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا سَيَأْتِي مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا فِي ذِكْرِ الصَّوْتِ.
"كَمَا يُسْمَعُ بِالْآذَانِ" قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦] وَقَالَ ﵎: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٢٠٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٩-٣٠] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا -إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى- وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الْجِنِّ: ١-١٣] الْآيَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزُّمَرِ: ١٨] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: "اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ" قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: "إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي" الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٢. وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "يَا أَبَا مُوسَى، لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ "فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أنك تسمع لقراءتي لِحَبَّرْتُهَا لَكَ تَحْبِيرًا. رَوَاهُ
_________________
(١) ١ ورواه البخاري في تاريخه "٣/ ٢/ ٨٣" وأبو عبيد في فضائل القرآن "فضائل القرآن لابن كثير ٧/ ٤٨" والطبراني في الكبير "المجمع ٢/ ٥٥٥" والبيهقي في الشعب "الكنز ح٢٨٠٣" وابن الأثير في أسد الغابة "٣/ ٤٤٦". وفي سنده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. ٢ أخرجه البخاري "الفتح ٩/ ٩٣" في فضائل القرآن، باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره، وفي باب قول المقرئ للقارئ حسبك "٩/ ٩٤" وفي باب البكاء عند قراءة القرآن ومسلم "١/ ٥٥١/ ح٨٠٠" في صلاة المسافرين باب فضل استماع القرآن.
[ ١ / ٢٨٧ ]
مُسْلِمٌ١. وَلِأَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَبْطَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةً بَعْدَ الْعَشَاءِ ثُمَّ جِئْتُ، فَقَالَ: "أَيْنَ كُنْتِ؟ " قُلْتُ: كُنْتُ أَسْمَعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِكَ لَمْ أَسْمَعْ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ وَصَوْتِهِ مِنْ أَحَدٍ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى اسْتَمَعَ لَهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: "هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا" إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ٢، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ.
"كَذَا بِالَابْصَارِ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقَانِ بِـ"يُنْظَرُ" أَيْ: إِلَى الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ وَأَجَلِّهَا. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- "فَضْلُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ نَظَرًا على من يقرأه ظَهْرًا كَفَضْلِ الْفَرِيضَةِ عَلَى النَّافِلَةِ"٣. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: أَدِيمُوا النَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ٤. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ نَشَرَ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ فِيهِ٥. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ إِخْوَانُهُ نَشَرُوا
_________________
(١) ١ ليس عند مسلم بهذا اللفظ إنما هو دون قوله: "لو أعلم أنك تستمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا" مسلم "١/ ٥٤٦/ ح٧٩٣" في صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن وأما لفظ: "أما إني يا رسول الله لو علمت " فقد رواه أبو يعلى في مسنده وفيه خالد بن نافع الأشعري وهو ضعيف "المجمع ٧/ ١٧٤". قال ابن حجر: وللروياني من طريق مالك بن مغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه وقال فيه لو علمت". قلت: رجاله ثقات إذا سلم ممن تحت مالك. ورواه بقي بن مخلد "فضائل القرآن لابن كثير ٧/ ٤٦١" وسنده حسن. وروى ابن سعد في الطبقات عن أنس أن أبا موسى قام ليلة يصلي فسمع أزواج النبي -ﷺ- صوته وكان حلو الصوت فقمن يسمعن، فلما أصبح قيل له: إن النساء كن يستمعن فقال: لو علمت لحبرتكن تحبيرا ولشوقتكن تشويقا "الطبقات ٢/ ٣٤٥". قال ابن حجر: إسناده على شرط مسلم "الفتح ٩/ ٩٣". ٢ أبو عبيد في فضائل القرآن "فضائل القرآن لابن كثير ٧/ ٤٨٠"، ورواه ابن ماجه "١/ ٢٤٥/ ح١٣٣٨" في إقامة الصلاة، باب في حسن الصوت بالقرآن والحاكم "٣/ ٢٢٥-٢٢٦" وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وهو كما قالا. ٣ فضائل القرآن لأبي عبيد "ابن كثير فضائل القرآن ٧/ ٤٨٩" وسنده ضعيف وضعفه الحافظ في الفتح "٩/ ٧٨" قلت: في سنده معاوية الصدفي وهو ضعيف وبقية وقد عنعن. ٤ رواه عبد الرزاق في مصنفه "ح٥٩٨٨" ومن طريقه الطبراني في الكبير "٨٦٩٦" وعزاه صاحب الكنز لابن أبي داود في المصاحف "ح٤١٣٦" ولم أجده عنده في المطبوع. وقال الحافظ: إسناده صحيح "الفتح ٩/ ٧٨". ٥ الذي وجدته من قول ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب إذا دخل " الكنز "ح٤١٠٨" وعزاه لابن أبي داود ولم أجده عنده في المطبوع.
[ ١ / ٢٨٨ ]
الْمُصْحَفَ فَقَرَءُوا وَفَسَّرَ لَهُمْ١. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: إِذَا رَجَعَ أَحَدُكُمْ مِنْ سُوقِهِ فَلْيَنْشُرِ الْمُصْحَفَ وَلْيَقْرَأْ٢. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ مِنْ عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى التِّلَاوَةِ وَالنَّظَرِ فِي الْمُصْحَفِ وَكَرِهُوا أَنْ يَمْضِيَ عَلَى الرَّجُلِ يَوْمَانِ لَا يَنْظُرُ فِي مُصْحَفِهِ. "وَبِالْأَيَادِي خَطُّهُ يُسَطَّرُ" كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٧٧-٧٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [الْبَيِّنَةِ: ٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عَبَسَ: ١١-١٤] وَقَدْ كَتَبَهُ الصَّحَابَةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِأَمْرِهِ، وَفِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ، وَإِلَى الْآنَ يَكْتُبُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ٣. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ نَحْوَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَعْنَى ذَلِكَ فِي مَحْضَرِ الصَّحَابَةِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ خِلَافَهُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ كَلَامَ اللَّهِ لَمْ يَحْرُمْ مَسُّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ بَلْ وَلَا كَانَ يَحْرِمُ تَوَسُّدُهُ، وَلِذَا أَجَازَ الزَّنَادِقَةُ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا أَنَّ فِيهِ كِتَابَ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ أَسْفَلِ دَرَكَاتِ الْكُفْرِ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ.
"وَكُلُّ ذِي" الْمَذْكُورَاتِ مِنَ الْقَلْبِ وَحَافِظَتِهِ وَذَاكِرَتِهِ وَاللِّسَانِ وَحَرَكَتِهِ وَالْآذَانِ وَأَسْمَاعِهَا وَالْأَبْصَارِ وَنَظَرِهَا وَالْأَيَادِي وَكِتَابَتِهَا وَأَدَوَاتِ الْكِتَابَةِ مِنْ أَوْرَاقٍ وَأَقْلَامٍ وَمِدَادٍ، كُلُّهَا "مَخْلُوقَةٌ حَقِيقَهْ" لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَوَقُّفٌ، "دُونَ" الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ "كَلَامُ" اللَّهِ تَعَالَى "بَارِئِ الْخَلِيقَهْ". قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَتَوَجَّهُ الْعَبْدُ لِلَّهِ تعالى بالقرآن بخمسة أَوْجُهٍ وَهُوَ فِيهَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ: حِفْظٌ بِقَلْبٍ وَتِلَاوَةٌ بِلِسَانٍ وَسَمْعٌ بِأُذُنٍ وَنَظْرَةٌ بِبَصَرٍ وَخَطٌّ بِيَدٍ. فَالْقَلْبُ مَخْلُوقٌ وَالْمَحْفُوظُ غَيْرُ
_________________
(١) ١ ذكره ابن كثير في فضائل القرآن وفي سنده ابن أبي ليلى وقد ضعف. ٢ عزاه صاحب الكنز لابن أبي داود في المصاحف "ح٤٠٣٤" ولم أجده عنده في المطبوع وفي سنده ثوير مولى جعدة بن هبيرة وهو ركن من أركان الكذب. وذكره ابن كثير في فضائل القرآن. ٣ البخاري "٩/ ٦٤-٦٥" في فضائل القرآن، باب من قال: لم يترك النبي -ﷺ- إلا ما بين الدفتين.
[ ١ / ٢٨٩ ]
مَخْلُوقٍ وَالتِّلَاوَةُ مَخْلُوقَةٌ وَالْمَتْلُوُّ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالسَّمْعُ مَخْلُوقٌ وَالْمَسْمُوعُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالنَّظَرُ مَخْلُوقٌ وَالْمَنْظُورُ إِلَيْهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالْكِتَابَةُ مَخْلُوقَةٌ وَالْمَكْتُوبُ غير مخلوق. ا. هـ. فَأَعْمَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ وَالْقُرْآنُ حَيْثُمَا تَصَرَّفَ وَأَيْنَ كُتِبَ وَحَيْثُ تُلِيَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
جَلَّتْ صِفَاتُ ربنا الرحمن ن وَصْفِهَا بِالْخَلْقِ وَالْحَدَثَانِ
فَلَيْسَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ مَخْلُوقٌ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَعَالَى عَنْ أَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ مَحَلًّا لِلْمَخْلُوقَاتِ، بَلْ هُوَ الْأَوَّلُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَالْآخِرُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، لَمْ يُسْبَقْ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ بِالْعَدَمِ، وَلَمْ يُعْقَبْ بِالْفَنَاءِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. "فَالصَّوْتُ" مِنْ جَهْوَرِيٍّ وَخَفِيِّ "وَالْأَلْحَانُ" مِنْ حَسَنٍ وَغَيْرِهِ "صَوْتُ الْقَارِي لَكِنَّمَا الْمَتْلُوُّ" الْمُؤَدَّى بِذَلِكَ الصَّوْتِ هُوَ "قَوْلُ الْبَارِي" جَلَّ وَعَلَا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ" ١ وَلِابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَلَّهُ أَشَدُّ أُذُنًا إِلَى الرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِهِ" ٢ وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "غَنُّوا بِالْقُرْآنِ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُغَنِّ بِالْقُرْآنِ، وَابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى الْبُكَاءِ فَتَبَاكَوْا" رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ، وَلِأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ٣، وَلَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "٩/ ٦٨" في فضائل القرآن، باب الوصاة بكتاب الله ﷿. وفي التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ "١٣/ ٤٥٣" ومسلم "١/ ٥٤٥/ ح٧٩٢" في صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن. ٢ تقدم ذكره وأن إسناده حسن. ٣ البغوي "فضائل القرآن لابن كثير ٧/ ٤٨٠" ورواه ابن ماجه "١/ ٤٢٤/ ح١٣٣٧" في إقامة الصلاة، باب في حسن الصوت بالقرآن والبيهقي في السنن "١٠/ ٢٣١". وفيه أبو رافع وهو متروك. ورواية أبي داود مختصرة بقوله: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" من حديث سعد "٢/ ٧٤/ ح١٤٦٩" في الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة. وأحمد "ح١٤٧٦ نسخة أحمد شاكر" والحاكم "١/ ٥٧٠". وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٩٠ ]
"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ" ١ وَلَهُ وَلِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ" ٢ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ،فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا -أَوْ قِرَاءَةً- مِنْهُ"٣ الْحَدِيثَ، وَلِابْنِ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ الَّذِي إِذَا سَمِعْتُمُوهُ يَقْرَأُ حَسِبْتُمُوهُ يَخْشَى اللَّهَ" ٤ وَلِأَبِي عُبَيْدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَأَهِلِ الْكِتَابَيْنِ. وَسَيَجِيءُ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِي يُرَجِّعُونَ بِالْقُرْآنِ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ وَالنَّوْحِ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، مَفْتُونَةٌ قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ"٥. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ
_________________
(١) ١ أبو داود "٢/ ٧٤/ ح١٤٧١" في الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة. وإسناده صحيح. ٢ أبو داود "٢/ ٧٤/ ح١٤٦٨" في الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة. والنسائي "٢/ ١٧٩-١٨٠" في الصلاة، باب تزيين القرآن بالصوت. وابن ماجه "١/ ٤٢٦/ ح١٣٤٢" في إقامة الصلاة، باب في حسن الصوت بالقرآن. وأحمد: ٤/ ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤ والدارمي "٢/ ٤٧٤" وابن حبان "الإحسان ٢/ ٦٥" والحاكم "١/ ٥٧١". وإسناده صحيح. ٣ تقدم ذكره. ٤ ابن ماجه "١/ ٤٢٥/ ح١٣٣٩" في إقامة الصلاة، باب في حسن الصوت بالقرآن. وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وعبد الله بن جعفر الراوي عنه وهو والد ابن المديني وهما ضعيفان وللحديث شاهد من حديث ابن عمر عند الطبراني في الأوسط "المجمع ٧/ ١٧٣". وقال الهيثمي: فيه حميد بن حماد بن أبي الخوار وثقه ابن حبان وقال: ربما أخطأ وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه البزار في مسنده "كشف الأستار ٣/ ٩٨" وأبو نعيم في تاريخ أصبهان "٢/ ١٠٢". ورواه الدارمي مرسلا من حديث طاوس "٢/ ٤٧١" ورجاله ثقات فالحديث حسن إن شاء الله تعالى. ٥ في فضائل القرآن "ابن كثير ٧/ ٤٨٣" رواه الطبراني في الأوسط "المجمع ٧/ ١٧٢" والبيهقي في شعب الإيمان "المشكاة ١/ ٦٧٦" ورزين "جامع الأصول ٢/ ٤٥٩" وابن الجوزي في العلل المتناهية "١/ ١١٨". وسنده ضعيف جدا ففيه: رجل لم يسم. وبقية بن الوليد روى عن حصين بن مالك الفزاري وقد تفرد عنه بقية "ميزان الاعتدال ١/ ٥٥٣".
[ ١ / ٢٩١ ]
دَاوُدَ" ١. فَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ التَّصْرِيحُ بِإِضَافَةِ الصَّوْتِ وَالْأَلْحَانِ وَالتَّغَنِّي إِلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُهُ، وَالْقُرْآنُ الْمُؤَدَّى بِذَلِكَ الصَّوْتِ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً، وَكَذَلِكَ الْمَهَارَةُ بِالْقُرْآنِ وَالتَّتَعْتُعُ فِيهِ هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَسَعْيُهُ لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ" ٢ وَهَذَا الْفَرْقُ وَاضِحٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَعَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَوْ كَانَ الصَّوْتُ هُوَ نَفْسَ الْمَتْلُوِّ الْمُؤَدَّى بِهِ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الِاتِّحَادِ لَكَانَ كُلُّ مَنْ سَمِعَ الْقُرْآنَ مِنْ أَيِّ تَالٍ وَبِأَيِّ صَوْتٍ كَلِيمَ الرَّحْمَنِ فَلَا مَزِيَّةَ لِمُوسَى ﵇ عَلَى غَيْرِهِ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ رَبَّنَا، لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
"مَسْأَلَةٌ": اشْتُهِرَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَهَارُونَ الْفَرْوِيِّ وَجَمَاعَةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّفْظِيَّةَ جَهْمِيَّةٌ، وَاللَّفْظِيَّةُ هُمْ مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، قَالَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، يَعْنُونَ غَيْرَ بِدْعِيَّةٍ الْجَهْمِيَّةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمَلْفُوظُ بِهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ فِعْلًا لِلْعَبْدِ وَلَا مَقْدُورًا لَهُ، وَالثَّانِي التَّلَفُّظُ وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَكَسْبُهُ وَسَعْيُهُ، فَإِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ الْخَلْقِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي شَمِلَ الْأَوَّلَ وَهُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ، وَإِذَا عُكِسَ الْأَمْرُ بِأَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ شَمِلَ الْمَعْنَى الثَّانِيَ وَهِيَ بِدْعَةٌ أُخْرَى مِنْ بِدَعِ الِاتِّحَادِيَّةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ، فَإِنَّكَ إِذَا سَمِعْتَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَقُولُ هَذَا لَفْظُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَتَقُولُ هَذَا لَفْظُ فُلَانٍ بِسُورَةِ الْإِخْلَاصِ، إِذِ اللَّفْظُ مَعْنًى مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّلَفُّظِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْمَلْفُوظِ بِهِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ
_________________
(١) ١ البخاري "٩/ ٩٢" في فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن. ومسلم "١/ ٥٤٦/ ح٧٩٣" في صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن. ٢ البخاري ٨/ ٦٩١" في التفسير، باب سورة عبس. ومسلم "١/ ٥٤٩-٥٥٠/ ح٧٩٨" في صلاة المسافرين، باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتعتع فيه.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وَجَلَّ" ١ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ السَّلَفُ بِقَوْلِهِمْ: الصَّوْتُ صَوْتُ الْقَارِي وَالْكَلَامُ كَلَامُ الْبَارِي، فَإِنَّ الصَّوْتَ مَعْنًى خَاصٌّ بِفِعْلِ الْعَبْدِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَتْلُوَّ الْمُؤَدَّى بِالصَّوْتِ الْبَتَّةَ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تَقُولَ هَذَا صَوْتُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ عَاقِلٌ، وَإِنَّمَا تَقُولُ: هَذَا صَوْتُ فُلَانٍ يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ. نَعَمْ إِذَا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ ﷿ مِنْهُ تَعَالَى بِدُونِ وَاسِطَةٍ كَسَمَاعِ مُوسَى ﵊ وَسَمَاعِ جِبْرِيلَ ﵇ وَسَمَاعِ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَلَامَهُ مِنْهُ ﷿ فَحِينَئِذٍ التِّلَاوَةُ وَالْمَتْلُوُّ صِفَةُ الْبَارِي ﷿ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ مَخْلُوقٌ. تَعَالَى اللَّهُ عُلُوًّا كَبِيرًا.
"مَا قَالَهُ لَا يَقْبَلُ التَّبْدِيلَا" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الْكَهْفِ: ٢٧] وَقَالَ تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يُونُسَ: ٦٤] .
"كَلَّا" أَيْ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ "وَلَا أَصْدَقُ مِنْهُ" أَيْ: مِنَ اللَّهِ تَعَالَى "قِيلًا" أَيْ: قَوْلًا وَهُوَ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ اسْمِ لَا، وَالتَّقْدِيرُ لَا قِيلَ أَصْدَقُ مِنْ قِيلِهِ، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النِّسَاءِ: ٨٧] وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النِّسَاءِ: ١١٢] أَيْ: مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَدِيثِهِ وَخَبَرِهِ وَوَعَدِهِ وَوَعِيدِهِ؟ وَالْجَوَابُ: لَا أَحَدَ. وَفِي خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ" ٢ الْحَدِيثَ.
وَقَدْ رَوَى الثِّقَاتُ عَنْ خَيْرِ الْمَلَا بِأَنَّهُ ﷿ وَعَلَا
فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ يَنْزِلُ يَقُولُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَيُقْبَلُ
_________________
(١) ١ انظر تفصيل هذه المسألة في كتابي: خلق أفعال العباد للإمام البخاري والاختلاف في اللفظ لابن قتيبة الدينوري. ٢ تقدم ذكره.
[ ١ / ٢٩٣ ]
هَلْ مِنْ مُسِيءٍ طَالِبٍ لِلْمَغْفِرَهْ يَجِدُ كَرِيمًا قَابِلًا لِلْمَعْذِرَهْ
يَمُنُّ بِالْخَيْرَاتِ وَالْفَضَائِلْ وَيَسْتُرُ الْعَيْبَ وَيُعْطِي السَّائِلْ
أَيْ: وَمِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِثْبَاتُهُ وَإِمْرَارُهُ كَمَا جَاءَ؛ صِفَةُ النُّزُولِ لِلرَّبِّ ﷿ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ كَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ، وَرِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَعُمَرَ بْنِ عَامِرٍ السُّلَمِيِّ، وَغَيْرِهِمْ ﵃.
فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِكُلِّ نفس إلا إنسان فِي قَلْبِهِ شَحْنَاءُ أَوْ شِرْكٌ"١ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ هَبَطَ اللَّهُ ﷿ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا لَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَيَقُولُ: أَلَا سَائِلٌ يُعْطَى، أَلَا دَاعٍ فَيُجَابُ، أَلَا مُذْنِبٌ يَسْتَغْفِرُ فَيُغْفَرُ لَهُ، أَلَا سَقِيمٌ يَسْتَشْفِي فَيُشْفَى" ٢ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي السُّنَّةِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّﷺ- قَالَ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ" أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ٣. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي عاصم في السنة "ح٥٠٩" وابن خزيمة في التوحيد "ص١٣٦" والدارمي في الرد على الجهمية "١٣٦" وابن عدي في الكامل "٥/ ١٩٤٦" والعقيلي في الضعفاء "٣/ ٢٩" وأبو نعيم في تاريخ أصبهان "٢/ ٢" والبزار "كشف الأستار ٢/ ٤٣٥". وسنده ضعيف ففيه عبد الملك بن عبد الملك، قال البخاري: في حديثه نظر، وقال ابن حبان: لا يتابع على حديثه. عن مصعب بن أبي ذئب: وهو مجهول. وللحديث شواهد عدة بها يرتفع إلى درجة الحسن "انظر تعليق العلامة الألباني عليه في تخريج السنة لابن أبي عاصم". ٢ ورواه الدارمي في الرد على الجهمية "١٣٣" واللالكائي "ح٧٤٩" وسنده حسن. ٣ تقدم ذكره.
[ ١ / ٢٩٤ ]
أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ هَبَطَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَنَادَى هَلْ مِنْ مُذْنِبٍ يَتُوبُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ" ١. وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ: "يَنْزِلُ اللَّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ" ٢ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي النُّزُولِ قَدْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسَائِرِ الْأُمَّهَاتِ، وَقَدْ سَاقَهُ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ طَرِيقًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّﷺ- قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَلَهُ فِي كُلِّ سَمَاءٍ كُرْسِيٌّ فَإِذَا نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ ثُمَّ مَدَّ سَاعِدَيْهِ فَيَقُولُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَتُوبُ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ارْتَفَعَ فَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ"٤ رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ، قَالَ: وَلَهُ أَصْلٌ مُرْسَلٌ. وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّﷺ- قَالَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَقُولُ ﷻ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ" حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ٥. وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ
_________________
(١) ١ مسلم "١/ ٥٢٣/ ح٧٥٧" في صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه. ٢ أحمد "٢/ ٤١٩" وسنده على شرط الشيخين. وقد أخرجاه دون قول: أنا الملك. ٣ انظرها في التوحيد "ص١٢٦-١٣١" وفي عمل اليوم والليلة للنسائي أكثرها باب الوقت الذي يستحب فيه الاستغفار وفي النزول للدارقطني. ٤ ابن منده في الرد على الجهمية "ح٥٦" وسنده ضعيف فيه محفوظ بن أبي توبة وقد ضعف أحمد أمره جدا. وقال ابن منده: وله أصل عند سعيد بن المسيب مرسل. قلت: قول ابن منده هذا فيه إشارة إلى ضعفه موصولا كما قدمت. ٥ النسائي في عمل اليوم والليلة "ح٤٨٧" وأحمد في المسند "٤/ ٨١". وأبو يعلى في مسنده "١/ ٣٤٩" والطبراني في الكبير "٢/ ١٣٤/ ح١٥٦٦". والبزار "كشف الأستار ٤/ ٤٣" والبيهقي في الأسماء والصفات "ص٤٥١". قال الهيثمي: رجالهم رجال الصحيح "المجموع ١٠/ ١٥٧".
[ ١ / ٢٩٥ ]
رَسُولَ اللَّهِﷺ- قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا لِثُلُثِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: أَلَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، أَوْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ يَدْعُونِي فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلَا مُقَتَّرٌ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، أَلَا مَظْلُومٌ يَسْتَنْصِرُنِي فَأَنْصُرَهُ، أَلَا عَانٍ يَدْعُونِي فَأَفُكَّ عَنْهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَكَانَهُ حَتَّى يَفِيءَ الْفَجْرُ ثُمَّ يَعْلُو رَبُّنَا ﷿ إِلَى السَّمَاءِ الْعُلْيَا عَلَى كُرْسِيِّهِ" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ١. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّﷺ- قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ نَزَلَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ فَقَالَ: مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ" حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَرِجَالُهُ أَئِمَّةٌ٢، وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ بِلَفْظِ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ ثُمَّ يَهْبِطُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ: أَلَا عَبْدٌ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ" وَعَنْ رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "إِذَا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَقَالَ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ" حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ٣. وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ: "يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ. وَأَنَّ دَاوُدَ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: لَا يُسْأَلُ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَاحِرًا أَوْ عَشَّارًا" رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِنَحْوِهِ٤، وَعَنْ أَبِي
_________________
(١) ١ النزول للدار قطني "ح٧" وفي سنده من لم أجد لهم ترجمة. ٢ أحمد "١/ ٣٨٨ و٤٠٣" ورجاله ثقات غير أن أبا إسحاق الهمداني مدلس وقد عنعن وله طريق أخرى من حديث معاوية بن عمرو عن زائدة عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عنه به والهجري فيه مقال وهو إبراهيم بن مسلم وفي التقريب: لين الحديث. فالحديث حسن إن شاء الله. وانظر رواية أبي معاوية عند الدارقطني في النزول "ح٩ و١٠". ٣ أحمد "٤/ ١٦" والطيالسي "١٢٦١" ورجاله ثقات وفيه يحيى بن أبي كثير وهو مدلس وقد صرح بالتحديث عند ابن خزيمة وعند الدارقطني في النزول "ح٦٩" فأمنا تدليسه. ٤ ليس عند أحمد بهذا اللفظ فليس فيه ذكر النزول إنما هو قوله: "إن في الليل ساعة تفتح فيها أبواب السماء ينادي مناد هل من سائل فأعطيه هل من داع الحديث. المسند "٤/ ٢١٨" وهي عند ابن خزيمة بذكر النزول "التوحيد ص١٣٥". وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. ورواه دون ذكر داود ﵇ "المسند ٤/ ٢٢" والدارقطني في النزول "ح٧٢" من طريق علي بن زيد. والحديث صحيح لشواهده
[ ١ / ٢٩٦ ]
الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "يَنْزِلُ اللَّهُ ﵎ فِي آخِرِ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَقِينَ مِنَ اللَّيْلِ يَنْظُرُ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى مِنْهُنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي لَا يَنْظُرُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ وَهِيَ مَسْكَنُهُ الَّذِي يَسْكُنُ، لَا يَكُونُ مَعَهُ فِيهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ، وَفِيهَا مَا لَمْ يَرَ أَحَدٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ: أَلَا مُسْتَغْفِرٌ فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلَا سَائِلٌ فَأُعْطِيَهُ، أَلَا دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ" رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ١. وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "يَنْزِلُ اللَّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: أَلَا عَبْدٌ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، أَلَا ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ يَدْعُونِي فَأَقْبَلَهُ، فَيَكُونُ كَذَلِكَ إِلَى مَطْلِعِ الصُّبْحِ وَيَعْلُو عَلَى كُرْسِيِّهِ"٢. وَعَنْ أَبِي الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْوِتْرِ: أُحِبُّ أُوتِرُ نِصْفَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُذْنِبٍ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، هَلْ مِنْ دَاعٍ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ ارْتَفَعَ. رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ٣. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ السُّلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ -أَوْ قَالَ نِصْفُ
_________________
(١) ١ الدارمي في الرد على الجهمية "ح١٢٨" وابن جرير في تفسيره "١٣/ ١٧٠ و١٥/ ١٣٩". وابن خزيمة في التوحيد "ص١٣٥-١٣٦" واللالكائي "ح٧٥٦" والدارقطني في النزول "ح٧٣" وإسناده ضعيف فيه زيادة بن محمد وهو منكر الحديث. قال الذهبي بعد أن أورد هذا الحديث: فهذه ألفاظ منكرة لم يأت بها غير زيادة "الميزان ٢/ ٩٨". ٢ سنده ضعيف فإسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت: مجهول الحال وهو يرسل عن عبادة "التقريب ت٣٩٢". ٣ ابن سعد في الطبقات "٦/ ٥٧" وأخرجه الطبراني "٢٢/ ٣٧٠/ ح٩٢٧" وابن السكن وابن أبي خيثمة والبغوي وعبد الله في السنن "الإصابة ٤/ ٥٣" وسنده ضعيف فيه ثوير بن أبي فاختة وهو ضعيف.
[ ١ / ٢٩٧ ]
اللَّيْلِ- يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ عَانٍ فَأَفُكَّهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ" رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ١. وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِﷺ- قَالَ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ الْعُلْيَا: أَلَا نَزَلَ الْخَالِقُ الْعَلِيمُ فَيَخْرُجُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَيُنَادِي فِيهِمْ مُنَادٍ بِذَلِكَ فَلَا يَمُرُّ بِأَهْلِ السَّمَاءِ إِلَّا وَهُمْ سُجُودٌ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ٢.
وَرَوَى أَبُو الْيَمَانِ وَيَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمَانِ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ -وَهَذَا سِيَاقُ حَدِيثِهِ- أَخْبَرَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فَدَاكَ شَيْءٌ تَعْلَمُهُ وَأَجْهَلُهُ يَنْفَعُنِي وَلَا يَضُرُّكَ، مَا سَاعَةٌ أَقْرَبُ مِنْ سَاعَةٍ وَمَا سَاعَةٌ تَبْقَى فِيهَا؟ يَعْنِي الصَّلَاةَ فَقَالَ: "يَا عَمْرُو بْنَ عَبْسَةَ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، إِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى يَتَدَلَّى مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَغْفِرُ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْبَغْيِ، وَالصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ عَلَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ وَهِيَ صَلَاةُ الْكُفَّارِ، فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ فَإِذَا اسْتَعْلَتِ الشَّمْسُ فَالصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ حَتَّى يَعْتَدِلَ النَّهَارُ، فَإِذَا اعْتَدَلَ النَّهَارُ فَأَخِّرِ الصَّلَاةَ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا فَاءَ الْفَيْءُ فَالصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ فَإِنَّهَا تَغِيبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَجِبَ الشَّمْسُ"٣ وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مُطَوَّلًا، قُلْتُ: وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﵎: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ
_________________
(١) ورواه الدارقطني في كتاب السنة له من طريق عثمان البتي "في مختصر الصواعق التيمي وهو خطأ" عن عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن عمرو بن عامر السلمي. وقال الدارقطني عبد الحميد وأبوه لا يعرفان. انظر تهذيب التهذيب "٦/ ١٠٥". فسنده ضعيف. ٢ المراسيل لأبي داود "ح٧٤" رجاله ثقات وهو مرسل فعبيد بن السباق تابعي ثقة ولم أجد الحديث عند أبي داود في سننه "انظر مختصر الصواعق ٢/ ٢٣٣" ورواه ابن أبي عاصم في السنة "ح٥٠٦" وقال العلامة الألباني: إسناده ضعيف لإرساله والحديث بهذا السياق منكر. ٣ أحمد "٤/ ٣٨٥" عن يزيد بن هارون به وأخرجه من طريقهم جميعا الدارقطني في النزول "ح٦٦" اللالكائي "ح٧٦١" وإسناده منقطع فسليم بن عامر "في الأصل سليمان بن عامر وهو نفل من مختصر الصواعق ٢/ ٢٣٥ وكلاهما خطأ" لم يسمع من عمرو بن عبسة. وفي المطبوع يحيى بن أبي بكر وجرير بن عثمان وهو خطأ والصواب ما أثبتناه وليس أصل الحديث عند مسلم حتى يرد عنده مطولا.
[ ١ / ٢٩٨ ]
لِدُلُوِكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنْ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا، وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٧-٧٨] وَفِي كِتَابِ السُّنَّةِ لِلْخَلَّالِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا ثُلَثَ اللَّيْلِ الْأَوْسَطَ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ وَيَتْرُكُ أَهْلَ الْحِقْدِ لِحِقْدِهِمْ"١ وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِﷺ- قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَنْزِلُ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَقِينَ مِنَ اللَّيْلِ يَفْتَحُ الذِّكْرَ مِنَ السَّاعَةِ الْأُولَى لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا شَاءَ، ثُمَّ يَنْزِلُ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى جَنَّةِ عَدْنٍ الَّتِي لَمْ تَرَهَا عَيْنٌ وَلَمْ تَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَلَا يَسْكُنُهَا مِنْ بَنِي آدَمَ غَيْرُ ثَلَاثَةٍ: النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: طُوبَى لِمَنْ دَخَلَكِ. ثُمَّ يَنْزِلُ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا بِرَوْحِهِ وَمَلَائِكَتِهِ فَيَنْتَفِضُ فَيَقُولُ: قَيُّومِيٌّ بِعِزَّتِي. ثُمَّ يَطَّلِعُ إِلَى عِبَادِهِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ أَغْفِرُ لَهُ، هَلْ مِنْ دَاعٍ أُجِيبُهُ، حَتَّى تَكُونَ صَلَاةُ الْفَجْرِ. وَكَذَلِكُمْ يَقُولُ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنْ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ فَيَشْهَدُهُ اللَّهُ وَمَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ" رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ٢، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ. وَلَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ -أَوْ عَمِّهِ- عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى لَيْلَةَ النِّصْفِ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ" الْحَدِيثَ٣. رَوَاهُ ابْنُ زَنْجَوَيْهِ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: "إِذَا كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ هَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا لِكَافِرٍ أَوْ مُشَاحِنٍ"٤ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ
_________________
(١) ١ أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية "ح١٣٤" وإسناده حسن. ٢ تقدم قبل قليل وأن إسناده ضعيف وهو عند ابن خزيمة في التوحيد "ص١٣٥-١٣٦". ورواه ابن جرير الطبري "١٥/ ١٣٩" والدارقطني في النزول. ٣ ابن خزيمة في التوحيد "ص١٣٦" واللالكائي "ح٧٥٠". وقد تقدم أن إسناده ضعيف وهو حسن لشواهده كما أشرنا هناك. ورواه الدارقطني في النزول "ح٧٥ و٧٦" وابن أبي عاصم في السنة "ح٥٠٩". ٤ سنده موضوع فحمد بن الفضل البخاري كذاب وجعفر بن الزبير متروك الحديث "انظر مختصر الصواعق ٢/ ٢٤٧".
[ ١ / ٢٩٩ ]
عَنْهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا لِكَافِرٍ أَوْ مُشَاحِنٍ"١. قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ أَحَادِيثِ تَخْصِيصِ النُّزُولِ بِلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ أنه في كُلَّ لَيْلَةٍ فَإِنَّ النُّزُولَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مُطْلَقٌ وَالنُّزُولُ فِي كُلِّ لَيْلَةِ مُقَيَّدٌ بِالنِّصْفِ فِي لَفْظٍ وَبِالثُّلُثِ فِي آخَرَ٢، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي تَخْصِيصِ النُّزُولِ بِنِصْفِ شَعْبَانَ نَفْيٌ لَهُ فِيمَا عَدَاهَا، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا النُّزُولُ كُلَّ لَيْلَةٍ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ وَأَصَحُّ بِلَا شَكٍّ وَلَا مِرْيَةٍ. وَقَدْ ثَبَتَ النُّزُولُ أَيْضًا فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ: "إِذَا كَانَ عَرَفَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ" ٣. وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي السُّنَّةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ يَرْفَعُهُ "أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: "إِلَّا مَنْ عَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، إِنَّ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ شُعْثًا غُبْرًا جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ضَاحِينَ يَسْأَلُونِي رَحْمَتِي. فَلَا يَرَى يَوْمًا أَكْثَرَ عَتِيقًا وَلَا عَتِيقَةً" ٤ وَرَوَى خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَجَاءَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْصَارِيٌّ وَالْآخَرُ ثَقَفِيٌّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: هَؤُلَاءِ عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ"٥ رَوَاهُ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ. وَقَدْ
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجه "١/ ٤٤٥/ ح١٣٩٠" وابن أبي عاصم في السنة "ح٥١٠" واللالكائي "ح٧٦٣" وسنده ضعيف ففيه ابن لهيعة وجهالة عبد الرحمن بن عرزب. ٢ قال الترمذي: وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ينزل الله ﷿ حين يبقى ثلث الليل الآخر" وهو أصح الروايات "ح٤٤٦". ٣ ورواه الدارقطني في السنة "الفتح ٣/ ٣٠" واللالكائي "ح٧٥١" من طريق ابن أبي حاتم وسنده حسن. ٤ ذكره ابن القيم في الصواعق المرسلة "المختصر ٢/ ٢٣٥" ومتنه هذا هو متن اللالكائي "ح٧٥١" وكما قدمنا فإن سنده حسن. ٥ ذكره ابن القيم في مختصر الصواعق "٢/ ٢٤٤-٢٤٥" ورجاله ثقات إن سلم ممن تحته.
[ ١ / ٣٠٠ ]
رُوِيَ النُّزُولُ فِي رَمَضَانَ، وَلَيْسَ هُوَ نَافِيًا لَهُ فِي غَيْرِهِ. فَرَوَى عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ طَارِقٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَنْزِلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِذَا ذَهَبَ الثُّلُثُ الْأَوَّلُ مِنَ اللَّيْلِ هَبَطَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ يُتَابُ عَلَيْهِ" ١. وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٧] قَالَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يُدَبِّرُ أَمْرَ السَّنَةِ فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ غَيْرَ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ"٢ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَهَذَا الْمَوْقُوفُ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ وَقَدْ ثَبَتَ النُّزُولُ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَلِلتَّجَلِّي لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا سَتَأْتِي الْأَحَادِيثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ.
وَنَحْنُ نَشْهَدُ شَهَادَةَ مُقِرٍّ بِلِسَانِهِ مُصَدِّقٍ بِقَلْبِهِ مُسْتَيْقِنٍ بِمَا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنْ ذِكْرِ نُزُولِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا مِنْ غَيْرِ أَنْ نَصِفَ الْكَيْفِيَّةَ؛ لِأَنَّ نَبِيَّنَا الْمُصْطَفَى -ﷺ- لَمْ يَصِفْ كَيْفِيَّةَ نُزُولِ خَالِقِنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَأَعْلَمَنَا أَنَّهُ يَنْزِلُ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لَمْ يَتْرُكْ وَلَا نَبِيُّهُ -ﷺ- بَيَانَ مَا بِالْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ. فَنَحْنُ قَائِلُونَ مُصَدِّقُونَ بِمَا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنْ ذِكْرِ النُّزُولِ كَمَا يَشَاءُ رَبُّنَا وَعَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ ﷿ غَيْرَ مُتَكَلِّفِينَ الْقَوْلَ بِصِفَتِهِ أَوْ بِصِفَةِ الْكَيْفِيَّةِ، إِذِ النَّبِيُّ -ﷺ- لَمْ يَصِفْ لَنَا كَيْفِيَّةَ النُّزُولِ، فَنَسِيرُ بِسَيْرِ النُّصُوصِ حَيْثُ سَارَتْ وَنَقِفُ مَعَهَا حَيْثُ وَقَفَتْ لَا نَعْدُوهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا نَقْصُرُ عَنْهَا. وَقَدْ تَكَلَّفَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ مُثْبِتِي
_________________
(١) ١ ورواه ابن أبي عاصم في السنة "ح٥١٣" واللالكائي "ح٧٦٦" قال العلامة الألباني: إسناده صحيح. ٢ وعزاه السيوطي إلى ابن جرير في تفسيره "ولم أجده بلفظه عنه وعند قريبا منه من كلام مجاهد" والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب "الدر المنثور ٤/ ٦٥٩" وابن أبي ليلى هو محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ والمنهال: ربما وهم فسنده ضعيف. وقوله: إسناده حسن هو كلام ابن القيم في مختصر الصواعق "٢/ ٢٤٥" والأثر ليس في تفسير ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إنما في قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ "الرعد/ ٣٩".
[ ١ / ٣٠١ ]
الْمُتَكَلِّمِينَ فَخَاضُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ الِانْتِقَالِ وَعَدَمِهِ، وَفِي خُلُوِّ الْعَرْشِ مِنْهُ وَعَدَمِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَذَلِكَ تَكَلُّفٌ مِنْهُمْ، وَدُخُولٌ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ التَّكْيِيفِ لَمْ يَأْتِ فِي لَفْظِ النُّصُوصِ وَلَمْ يَسْأَلِ الصَّحَابَةُ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حِينَ حَدَّثَهُمْ بِالنُّزُولِ، فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِذَلِكَ ونصدق بِهِ كَمَا آمَنُوا وَصَدَّقُوا. فَإِنْ قَالَ لَنَا مُتَعَنِّتٌ أَوْ مُتَنَطِّعٌ: يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ كَذَا كَيْتَ وَكَيْتَ فِي أَيِّ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، قُلْنَا لَهُ: أَنْتَ لَا تُلْزِمُنَا نَحْنُ فِيمَا تَدَّعِيهِ وَإِنَّمَا تُلْزِمُ قَائِلَ ذَلِكَ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لِمَا قَالَهُ حَقِيقَةً وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ إِذْ لَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُ ذَلِكَ لَازِمًا لَهُ فَأَنْتَ مُعْتَرِضٌ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- كَاذِبٌ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ سَمِعَ أَحْمَدَ بْنَ سَلَمَةَ سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ: جَمَعَنِي وَهَذَا الْمُبْتَدِعَ -يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ- مَجْلِسُ الْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ فَسَأَلَنِي الْأَمِيرُ عَنْ أَخْبَارِ النُّزُولِ فَسَرَدْتُهَا، فَقَالَ بن أَبِي صَالِحٍ كَفَرْتُ بِرَبٍّ يَنْزِلُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ. فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ١. وَقَالَ إِسْحَاقُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ طَاهِرٍ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ يَرْوُونَ أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رَوَاهَا الثِّقَاتُ الَّذِينَ يَرْوُونَ الأحكام، فقال: ينزع وَيَدَعُ عَرْشَهُ؟ فَقُلْتُ: يَقْدِرُ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ الْعَرْشُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: فَلِمَ تَتَكَلَّمُ فِي هَذَا٢. وَقَالَ إِسْحَاقُ أَيْضًا: قَالَ لِي ابْنُ طَاهِرٍ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ هَذَا الَّذِي تَرْوُونَهُ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ" كَيْفَ يَنْزِلُ؟ قُلْتُ: أَعَزَّ اللَّهُ الْأَمِيرَ، لَا كَيْفَ، إِنَّمَا يَنْزِلُ بِلَا كَيْفٍ٣. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ ابْنِ طَاهِرٍ وَحَضَرَ إِسْحَاقُ، فَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ النُّزُولِ أَصَحِيحٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقُوَّادِ: كَيْفَ يَنْزِلُ؟ فَقَالَ: أَثْبِتْهُ فَوْقَ حَتَّى أَصِفَ لَكَ النُّزُولَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَثْبَتُّهُ فَوْقَ، فَقَالَ إِسْحَاقُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الْفَجْرِ: ٢٢] فَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: هَذَا يَا أَبَا
_________________
(١) ١ البيهقي في الأسماء والصفات "ص٥٦٨". ٢ البيهقي في الأسماء والصفات "ص٥٦٨". ٣ البيهقي في الأسماء والصفات "ص٥٦٨" وقريبا منها رواها اللالكائي "٧٧٤" وانظر شرح حديث النزول لشيخ الإسلام ابن تيمية "ص٤١" والفتوى الحموية "ص٤١".
[ ١ / ٣٠٢ ]