أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ جَبَّارٌ وَلَا مُتَكَبِّرٌ" ١. وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ بَاقِيَةٌ لَا تَنْفَدُ أَبَدًا تَامَّةٌ لَا تَنْقُصُ أَبَدًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ كَلَامَهُ صِفَتُهُ وَلَيْسَ مِنْ صِفَاتِهِ شَيْءٌ يَنْفَدُ، وَلِذَا أَخْبَرَنَا تَعَالَى أَنَّ جَمِيعَ أَشْجَارِ الْأَرْضِ لَوْ كَانَتْ أَقْلَامًا وَالْبِحَارُ وَأَضْعَافُهَا مِدَادًا يُكْتَبُ بِهَا كَلِمَاتُهُ لَنَفِدَتْ كلها وكلماته باقية لَا تَنْفَدُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَشْجَارَ وَالْبِحَارَ مَخْلُوقَةٌ وَالْمَخْلُوقَاتُ مِنْ لَازِمِهَا النَّفَادُ وَالْفَنَاءُ، وَكَلِمَاتُ اللَّهِ صِفَتُهُ وَلَيْسَ مِنْ صِفَاتِهِ شَيْءٌ يَفْنَى، بَلْ هُوَ الْبَاقِي بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٨] .
[كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي فِي كِتَابِهِ عَيْنُ كَلَامِهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ]:
وَالْقَوْلُ فِي كِتَابِهِ الْمُفَصَّلْ بِأَنَّهُ كَلَامُهُ الْمُنَزَّلْ
عَلَى الرَّسُولِ الْمُصْطَفَى خَيْرِ الْوَرَى لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بِمُفْتَرَى
"وَالْقَوْلُ" الَّذِي نعتقد وندين لله بِهِ "فِي" شَأْنِ "كِتَابِهِ الْمُفَصَّلْ" بِسُكُونِ اللَّامِ لِلرَّوِيِّ وَهُوَ الْقُرْآنُ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هُودٍ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فُصِّلَتْ: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابُ مُفَصَّلًا﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٤] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ "بِأَنَّهُ كَلَامُهُ" حَقِيقَةً حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ لَيْسَ كَلَامُهُ الْحُرُوفَ دُونَ الْمَعَانِي وَلَا الْمَعَانِيَ دُونَ الْحُرُوفِ قَالَ اللَّهُ
_________________
(١) ١ لم يرو بهذا اللفظ في الصحيح والسنن والذي في مسلم والسنن: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق". مسلم "٤/ ٢٠٨١/ ح٢٧٠٩" في الذكر والدعاء، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره وأبو داود "٤/ ١٣/ ح٣٨٩٩" في الطب، باب كيف الرقى. والنسائي في عمل اليوم والليلة "ح٥٨٥" ومالك في الموطأ "٢/ ٩٥١" في الشعر، باب ما يؤمر به من التعوذ. وقريبا منه رواه أحمد في مسنده بقوله: "التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" في حديث طلب الجني رسول الله -ﷺ- ليلة أسري به "المسند ٢/ ٤١٩" وسنده حسن.
[ ١ / ٢٥٨ ]
تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الْفَتْحِ: ١٥] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّكُمْ لَا تَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ" يَعْنِي الْقُرْآنَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ١. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ الرَّبُّ ﵎: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ٢. وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ نِيَارِ بْنِ مُكْرَمٍ
_________________
(١) ١ صحيح رواه أبو داود في المراسيل "٣/ ١٠٣". والترمذي "٥/ ١٧٧/ ح٢٩١٢" في فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ما له من الأجر؟. وأحمد في الزهد "ص٣٥" في زهد يونس ﵇. كلهم من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن زيد بن أرطأة عن جبير ابن نفير مرفوعا. وهو مرسل فجبير بن نفير تابعي ثقة. وروي موصولا من طريق ابن مهدي هذه عند الحاكم "١/ ٥٥٥" والبيهقي في الأسماء والصفات "ص٢٣٦" من حديث أبي ذر. وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن صالح عن معاوية عنه به ولكن من حديث عقبة بن عامر "٢/ ٤٤١" وعبد الله بن صالح كثير الغلط. وللحديث شاهد من حديث أبي أمامة ﵁ وفيه: "وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه". أخرجه أحمد في مسنده "٥/ ٢٦٨" والترمذي "٥/ ١٧٦/ ح٢٩١١" وعبد الله والخطيب "٧/ ٨٨ و١٢/ ٢٢٠ تاريخه". وفي سنده بكر بن خنيس: صدوق له أغلاط وليث بن أبي سليم صدوق اختلط فلم يتميز حديثه فترك. ٢ الترمذي "٥/ ١٨٤/ ح٢٩٢٦" في فضائل القرآن باب ٢٥. وعبد الله في السنة "ح١٢٨" والدارمي في الرد على الجهمية "ح٢٨٥" وابن أبي حاتم في العلل "٢/ ٨٢" وابن حبان في الضعفاء "٢/ ٢٧٧" والبيهقي في الاعتقاد "ص١٠١-١٠٢" وفي الأسماء والصفات "ص٢٣٨". وسنده ضعيف ففيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني وهو ضعيف وعطية العوفي وهو يخطئ كثيرا ويرسل وقد عنعن.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الْأَسْلَمِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَجَعَلَ يَقُولُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الرُّومِ: ١-٢] فَقَالَ رُؤَسَاءُ مشركي مكة يابن أَبِي قُحَافَةَ هَذَا مِمَّا أَتَى بِهِ صَاحِبُكَ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَقَوْلُهُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ١. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يُقَبِّلُ الْمُصْحَفَ وَيَقُولُ: كَلَامُ رَبِّي كَلَامُ رَبِّي٢. وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ فَضَعُوهُ عَلَى مَوَاضِعِهِ٣. وَقَالَ خَبَّابٌ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: تَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّكَ لَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ٤. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، فَمَنْ رَدِّ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى اللَّهِ٥. وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: إِنَّ أَحْسَنَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ٦. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الصَّحِيحِ٧. وَقَالَ
_________________
(١) ١ ابن خزيمة في التوحيد "ص١٦٦". وأخرجه البخاري في خلق أفعال العباد "ح٩٢" وعبد الله في السنة "ح١١٦" والبيهقي في الاعتقاد "ص٣٧" وفي الأسماء والصفات "ص٢٣٩" وابن الأثير في أسد الغابة "٤/ ٥٩٨". قال ابن حجر: رجاله ثقات "الإصابة: ٣/ ٥٧٩". ٢ رواه عبد الله في السنة "ح١١٠" ورجاله ثقات. ٣ أخرجه عبد الله في السنة "ح١١٨" والآجري في الشريعة "ص٧٧" والبيهقي في الأسماء والصفات "ص٣١٢" وفي سنده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. ٤ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه "١٠/ ٥١٠" وعبد الله في السنة "ح٩٦ و١١١" والآجري في الشريعة "ص٧٧" والبيهقي في الأسماء والصفات "ص٣١١" وقال: هذا إسناد صحيح قلت: وهو كذلك. ٥ أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية "ح٣٦٠" وعبد الله في السنة "ح١١٩" والبيهقي في الأسماء والصفات "ص٢٤١" وفي سنده مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني وهو ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره. ٦ أخرجه عبد الله في السنة "ح١٢١" والبيهقي عنه في الأسماء والصفات "ص٢٤١" وسنده صحيح. ورواه البخاري في صحيحه بلفظ: "إن أحسن الحديث كتاب الله" في الأدب باب الهدي الصالح "١٠/ ٥٠٩". ٧ تقدم ذكر خطبته ﷺ.
[ ١ / ٢٦٠ ]
عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁: مَا أُحِبَّ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَلَا أَنْظُرُ فِي كَلَامِ اللَّهِ١. يَعْنِي الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ فَلْيَعْرِضْ نَفْسَهُ عَلَى الْقُرْآنِ، فَإِنْ أَحَبَّ الْقُرْآنَ فَهُوَ يُحِبُّ اللَّهَ، فَإِنَّمَا الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ٢. فَهَذِهِ النُّصُوصُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَالَ ﵎: ﴿الم، المص، الر، المر، كهيعص، طه، طس، طسم، حم، عسق﴾ وَلَيْسَ كَلَامُ اللَّهِ الْمَعَانِيَ دُونَ الْحُرُوفِ وَلَا الْحُرُوفَ دُونَ الْمَعَانِي، بَلْ حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ.
"الْمُنَزَّلْ" مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﷿ "عَلَى الرَّسُولِ الْمُصْطَفَى خَيْرِ الْوَرَى" مُحَمَّدٍ -ﷺ- قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النِّسَاءِ: ١٠٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ،
_________________
(١) ١ أخرجه عبد الله في السنة "ح١٢٢" من حديث أبي معمر قال: حدثنا سفيان قال: قال عثمان. وإسناده منقطع. ورواه البيهقي في الأسماء والصفات "ص٣١٣" من طريق سفيان عن الحسن عن عثمان والحسن لم يسمع من عثمان. ٢ أخرجه عبد الله في السنة "ح١٢٥" وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن كهيل أبو إسحاق الكوفي وهو ضعيف.
[ ١ / ٢٦١ ]
وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٩٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٧] الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٩] الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٦٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٧٤] وَقَالَ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣١] وَقَالَ تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونُنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿المص، كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا
[ ١ / ٢٦٢ ]
مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١-٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٨٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٧] وقال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هُودٍ: ١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يُوسُفَ: ٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرَّعْدِ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرَّعْدِ: ٣٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّحْلِ: ٨٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكِ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾ [النَّحْلِ: ١٠-١٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا﴾ [الْكَهْفِ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ
[ ١ / ٢٦٣ ]
كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٥٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ [الْحَجِّ: ١٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ [طه: ١١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النُّورِ: ٣٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النُّورِ: ٤٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٩٢] الْآيَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النَّمْلِ: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ١-٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لُقْمَانَ: ٢١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١-٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سَبَأٍ: ٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس: ٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢]، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النِّسَاءِ: ١٠٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [الزُّمَرِ: ٤١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حم؟، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غَافِرٍ: ١-٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حم؟، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١-٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ
[ ١ / ٢٦٤ ]
لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤١-٤٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حم؟، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدُّخَانِ: ١-٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزُّمَرِ: ١-٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٧٥-٨٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الْحَدِيدِ: ٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التَّغَابُنِ: ٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ، وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [الْقَلَمِ: ٥١-٥٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلٍ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكُّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الْحَاقَّةِ: ٣٨-٤٣] وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا -ﷺ- وَفِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ يَعْنِي بِهِ جِبْرِيلَ، وَمَعْنَى الْإِضَافَةِ فِي كِلَا الْآيَتَيْنِ إِنَّمَا هُوَ التَّبْلِيغُ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الرَّسُولِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْمُرْسِلِ. لَا أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ وَلَا الْبَشَرِيِّ كَمَا بَيَّنَ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [الْقَدْرِ: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١-٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يُوسُفَ: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا بَلِ الْقُرْآنُ كُلُّهُ فَاتِحَتُهُ إِلَى خَاتِمَتِهِ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَتَنْزِيلُهُ وَقَصَصُهُ وَتَعْلِيمُهُ وَأَلْفَاظُهُ وَمَعَانِيهِ وَإِيجَازُهُ وَإِعْجَازُهُ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ كَلَامُ الْخَالِقِ ﷿ وَصِفَتُهُ،
[ ١ / ٢٦٥ ]
وَأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْبَشَرُ الْإِتْيَانَ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ كُلُّ عَاقِلٍ حَتَّى الْمُشْرِكُونَ كَمَا قَالَ أَكْفَرُ قُرَيْشٍ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لَمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْقُرْآنَ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: قُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ. قَالَ: وَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْرَفُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي وَلَا أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ مِنِّي وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ. وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَوَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُهُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَلَا يُعْلَى، وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ. قَالَ: لَا يَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: قِفْ حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ، فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ فَنَزَلَتْ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ١١-١٢] الْآيَاتِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ١. وَيُرْوَى عَنْ عُتْبَةَ حِينَ قَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حم السَّجْدَةِ نَحْوُ ذَلِكَ٢. وَكَذَا أَبُو جَهْلٍ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُمْ فِيهِ: سِحْرٌ، شِعْرٌ، كَهَانَةٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُفْتَرَيَاتِهِمْ إِنَّمَا قَالُوهُ عِنَادًا وَمُكَابَرَةً وَإِلَّا فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ طَوْقِ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ.
وَنَحْنُ وَجَمِيعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ نُشْهِدُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَشَهِدَ بِهِ، وَنُشْهِدُ مَلَائِكَتَهُ الَّذِينَ شَهِدُوا بِذَلِكَ، وَنُشْهِدُ رَسُولَهُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَبَلَّغَهُ إِلَى الْأُمَّةِ، وَنُشْهِدُ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ وَآمَنُوا بِهِ أَنَّا مُؤْمِنُونَ مُصَدِّقُونَ شَاهِدُونَ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ ﷿ وَتَنْزِيلُهُ، وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ قَوْلًا وَأَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَحْيًا. وَلَا نَقُولُ إِنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ ﷿ أَوْ عِبَارَةٌ بَلْ هُوَ عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ، نَزَلَ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ،
_________________
(١) ١ أخرجه الحاكم "٢/ ٥٠٦" وقال: حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وهو كما قال. ورواه البيهقي في دلائل النبوة "٢/ ١٩٨-١٩٩" من طريق الحاكم عنه به. ٢ رواه عبد بن حميد في مسنده "البداية والنهاية ٣/ ٦٢". من طريق علي بن مسهر عن الأجلح عن الذيال بن حرملة عن جابر به وعلي بن مسهر: ثقة له غرائب بعد أن أضر. والذيال بن حرملة: لم يوثقه إلا ابن حبان "الثقات ٤/ ٢٢٢". ومن طريق الأجلح عنه به رواه البيهقي في دلائل النبوة "٢/ ٢٠٢".
[ ١ / ٢٦٦ ]
وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ ﷿. وَالْكَلَامُ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [التَّغَابُنِ: ١٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النُّورِ: ٥٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشُّورَى: ٤٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا، إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ [الْجِنِّ: ٢٣] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ رَسُولِهِ أَنَّهُ مُبَلِّغٌ عَنْهُ مُؤَدٍّ لِمَا أَرْسَلَهُ بِهِ وَهَذَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ يَعْقِلُ لَفْظَةَ "رَسُولِ" فَإِنَّ الرَّسُولَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرْسِلٍ بِرِسَالَاتِهِ، فَالْمُرْسِلُ اللَّهُ ﷿ وَالرِّسَالَةُ هِيَ الْقُرْآنُ وَالْمُرْسَلُ مُحَمَّدٌ -ﷺ- الْمُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَبِّهِ. وَقَالَ أَنَسٌ: بَعَثَ النَّبِيُّ -ﷺ- خَالَهُ حَرَامًا إِلَى قَوْمِهِ، وَقَالَ أَتُؤَمِّنُونِي أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ؟ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ١. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ ﵁: أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ٢. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ فَلَا تُصَدِّقْهُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٣. وَفِي خُطْبَتِهِ فِي مَوْقِفِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قَالَ، ﷺ: "وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ" وَفِيهَا إِشَارَتُهُ -ﷺ- بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ قَائِلًا: "اللَّهُمَّ
_________________
(١) ١ البخاري "٧/ ٣٨٥" في المغازي، باب غزوة الرجيع ورعل وذكون وبئر معونة وأحمد "٣/ ٢١٠". ٢ البخاري "٦/ ٢٥٨" في الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة وفي التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ "١٣/ ٥٠٣". ٣ البخاري "١٣/ ٥٠٣" في التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ . ومسلم "١/ ١٥٩/ ح١٧٧" في الإيمان، باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ .
[ ١ / ٢٦٧ ]
هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ" قَالَهَا مِرَارًا١. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ ثُمَّ قَالَ: "لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفُقُ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رقبته صامت يقول: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٢. وَكَانَ -ﷺ- يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ فِي الْمَوَاسِمِ وَيَقُولُ: "إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَآتِيكُمْ لِتَمْنَعُونِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي" ٣ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، يُخْبِرُ -ﷺ- أَنَّهُ مُخْبِرٌ عَنِ اللَّهِ، وَمُبَلِّغُ رِسَالَتِهِ، وَأَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ وَأَخْبَرَ بِهِ هُوَ تَبْلِيغٌ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَخَبَرِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَمَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ حِزْبِ أَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَمَلَئِهِمْ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ، وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الْحَاقَّةِ: ٤٤-٥٢] .
_________________
(١) ١ هذا اللفظ روي عند أبي داود "٢/ ١٨٢/ ح١٩٠٥" في المناسك، باب صفة حجة النبي -ﷺ- وابن ماجه "٢/ ١٠٢٢/ ح٣٠٧٤" في المناسك باب حجة رسول الله -ﷺ- وسنده صحيح. ٢ البخاري "٦/ ١٨٥" في الجهاد، باب الغلول. مسلم "٣/ ١٤٦١/ ح١٨٣١" في الإمارة، باب غلظ الغلول. ٣ رواه الترمذي "٥/ ١٨٤/ ح٢٩٢٥" في فضائل القرآن، باب ٢٤ وقال: هذا حديث غريب صحيح وأبو داود "٤/ ٢٣٤/ ح٤٧٣٤" في السنة، باب في القرآن وهو على شرط البخاري.
[ ١ / ٢٦٨ ]
"لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ" كَمَا يَقُولُ الزَّنَادِقَةُ مِنَ الْحُلُولِيَّةِ وَالِاتِّحَادِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، تَعَالَى اللَّهُ ﷿ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ مَخْلُوقًا، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشُّورَى: ٥٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٣] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْخَلْقَ غَيْرُ الْأَمْرِ وَأَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ أَمْرِهِ لَا مِنْ خَلْقِهِ وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] فَكُنْ مِنْ كَلَامِهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَالشَّيْءُ الْمُرَادُ الْمَقُولُ لَهُ "كُنْ" مَخْلُوقٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩] فَعِيسَى وَآدَمُ مخلوقان بكن و"كن" قَوْلُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَيْسَ الشَّيْءُ الْمَخْلُوقُ هُوَ كُنْ، وَلَكِنَّهُ كَانَ بِقَوْلِ اللَّهِ لَهُ كُنْ.
وَقَدِ انْعَقَدَ إِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ قَضَوْا بِالْحَقِّ وَبِهِ كَانُوا يَعْدِلُونَ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو قَوْلُهُ مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ خَلَقَهُ فِي ذَاتِهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ، أَوْ مُنْفَصِلًا مُسْتَقِلًّا، وَكُلُّ الثَّلَاثِ كُفْرٌ صَرِيحٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ قَالَ خَلَقَهُ فِي ذَاتِهِ فَقَدْ جَعَلَ ذَاتَهُ مَحَلًّا لِلْمَخْلُوقَاتِ. وَإِنْ قَالَ إِنَّهُ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ كَلَامُ ذَلِكَ الْغَيْرِ فَيَكُونُ الْقُرْآنُ عَلَى هَذَا كَلَامَ كُلِّ تَالٍ لَهُ وَهَذَا قَوْلُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لَا تُبْقَى وَلَا تَذَرُ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ١٨-٢٩] الْآيَاتِ. وَإِنْ قَالَ إِنَّهُ خَلَقَهُ مُنْفَصِلًا مُسْتَقِلًّا فَهَذَا جُحُودٌ لِوُجُودِهِ مُطْلَقًا إِذْ لَا يُعْقَلُ وَلَا يُتَصَوَّرُ كَلَامٌ يَقُومُ بِذَاتِهِ بِدُونِ مُتَكَلِّمٍ، كَمَا لَا يُعْقَلُ سَمْعٌ بِدُونِ سَمِيعٍ وَلَا بَصَرٌ بِدُونِ بَصِيرٍ وَلَا عِلْمٌ بِدُونِ عَالِمٍ وَلَا إِرَادَةٌ بِدُونِ مُرِيدٍ وَلَا حَيَاةٌ بِدُونِ حَيٍّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَهَذِهِ الثَّلَاثُ لَا خُرُوجَ لِزِنْدِيقٍ مِنْهَا وَلَا جَوَابَ لَهُ عَنْهَا فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، وَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ
[ ١ / ٢٦٩ ]
الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.