نَبْعَثُ شَاهِدًا عَلَيْكَ. فَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنِ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ، فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ انْطِقِي فَيَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذَرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ"١ وَمِنْ تَرَاجِمِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ؛ بَابُ وَعِيدِ مُنْكِرِي الرُّؤْيَةِ٢، وَالدَّلَالَةُ مِنْهُ وَاضِحَةٌ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَلَا خِلَافَ فِي ثُبُوتِ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ ﵎ فِي دَارِ الْآخِرَةِ. وَكَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي ثُبُوتِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَحْثُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ وَصَحِيحِ السُّنَّةِ وَإِقْرَارِهَا كَمَا أَتَتْ:
وَكُلُّ مَا لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ أَثْبَتَهَا فِي مُحْكَمِ الْآيَاتِ
أَوْ صَحَّ فِي مَا قَالَهُ الرَّسُولُ فَحَقُّهُ التَّسْلِيمُ وَالْقَبُولُ
"وَكُلُّ مَا" ثَبَتَ "لَهُ" أَيْ: لِلَّهِ ﷿ "مِنَ الصِّفَاتِ" الثَّابِتَةِ الَّتِي "أَثْبَتَهَا" هُوَ ﷾ لِنَفْسِهِ وَأَخْبَرَنَا بِاتِّصَافِهِ بِهَا "فِي مُحْكَمِ الْآيَاتِ" مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمِمَّا لَمْ نَذْكُرْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١٥] وَقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٦-٢٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الرُّومِ: ٣٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [اللَّيْلِ: ١٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٩]
_________________
(١) ١ مسلم "٤/ ٢٢٧٩/ ح٢٩٦٨" في الزهد والرقائق. ٢ مثاله الإمام ابن القيم في حادي الأرواح "ص٣٧٩" وقال: ومن تراجم أهل السنة على هذا الحديث: باب في الوعيد لمنكري الرؤية كما فعل شيخ الإسلام وغيره "حادي الأرواح ص٣٨٠".
[ ١ / ٣٤٦ ]
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الْكَهْفِ: ٢١] وَقَوْلِهِ ﵎: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٨] وَقَوْلِهِ عَنْ عِيسَى ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٦] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطُّورِ: ٤٨] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [الْقَمَرِ: ١٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٥٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٥] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصَّفِّ: ٤] وَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٥] ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لُقْمَانَ: ١٨] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْفَتْحِ: ١٨] ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٦] ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزُّمَرِ: ٧] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨٠] وَكَقَوْلِهِ: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٦] وَقَوْلِهِ فِي الْيَهُودِ: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الْمُمْتَحَنَةِ: ١٣] وَفِي قَاتِلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النِّسَاءِ: ٩٣] وَقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٦] وَكَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً
[ ١ / ٣٤٧ ]
وَعِلْمًا﴾ [غَافِرٍ: ٧] وَكَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٤] وَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٥٩] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ وَقَوْلِهِ عَنْ إِبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لِأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] وَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصْفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٨٠] وَكَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النُّورِ: ٥٣] الْآيَةَ. وَكَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ٢٢] وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ٢٣] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٦-٢٧] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٥٤-٥٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٩-٥٠] وَقَوْلِهِ: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غَافِرٍ: ٣] وَقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٤٥] وَقَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١١٠] وَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٣] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، صِفَاتِ ذَاتِهِ تَعَالَى وَأَفْعَالِهِ ﷿.
[ ١ / ٣٤٨ ]