بَيَان اثباتها بطريقين أَحدهمَا جملي وَالْآخر تفصيلي أما الْجملِي فَهُوَ كَمَا أَن نوع الانسان تميز عَن سَائِر الْحَيَوَانَات بِنَفس ناطقة هِيَ فَوْقهَا بالفضيلة الْعَقْلِيَّة والمسخرة لَهَا والمالكة عَلَيْهَا والمتصرفة فِيهَا كَذَلِك نفوس الانبياء ﵈ تميزت عَن نفوس النَّاس بعقل هاد مهْدي هُوَ فَوق الْعُقُول كلهَا بالفضيلة الربانية الْمُدبرَة لَهَا والمالكة عَلَيْهَا والمتصرفة فِيهَا وكما أَن حركات الانسان معجزات الْحَيَوَان فَلَيْسَ حَيَوَان يَتَحَرَّك مثل حركته الفكرية والقولية والفعلية كَذَلِك جَمِيع حركات النَّبِي معجزات للانسان فَلَيْسَ انسان يَتَحَرَّك مثل حركته الفكرية والقولية والفعلية
وكما تميز النَّبِي عَن النَّاس بعقله الْمُنَاسب للعقول الْمُفَارقَة وَالْعقل الأول كَذَلِك تميز بِنَفسِهِ المشاكلة لنفوس السَّمَاوَات وَالنَّفس الفلكية وَكَذَلِكَ تميز
[ ١٣١ ]
بطبعه ومزاجه المستعد لقبُول مثل هَذَا الْعقل وَالنَّفس بِالْفِعْلِ وكما لَا يتَصَوَّر فِي سنة الْفطْرَة الإلهية أَن يكون من نُطْفَة كل حَيَوَان انسان كَذَلِك لَا يتَصَوَّر فِي سنة الْفطْرَة أَن يكون من نُطْفَة كل انسان نَبِي الله يخلق مَا يَشَاء ويجتبي ﴿الله يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس﴾ فَهُوَ الْمُخْتَار فِي طبعه ومزاجه الْمُصْطَفى بِنَفسِهِ وعقله لَا يُشَارِكهُ فِيهَا أحد من النَّاس
وَمن وَجه آخر النَّبِي إِذا شَارك النَّاس فِي البشرية والانسانية من حَيْثُ الصُّورَة فقد باينتهم من حَيْثُ الْمَعْنى اذ بشريته فَوق بشرية النَّاس لاستعداد بشريته لقبُول الْوَحْي ﴿قل إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ﴾ أَشَارَ الى طرف المشابهة من حَيْثُ الصُّورَة ﴿يُوحى إِلَيّ﴾ أَشَارَ الى طرف المباينة من حَيْثُ الْمَعْنى أما من حَيْثُ التَّفْصِيل فَمن طرق
الطَّرِيق الأول برهَان أنشىء من الحركات الاختيارية وَهِي أَقسَام ثَلَاثَة فكرية وقولية وعملية وَالْحَرَكَة الفكرية يدخلهَا الْحق وَالْبَاطِل والقولية يدخلهَا الصدْق وَالْكذب والعملية يدخلهَا الْخَيْر وَالشَّر وَهَذِه الْعبارَات اصطلاحية وَالْمعْنَى مُسْتَقِيم فِيهَا مَفْهُوم عَنْهَا وَلَا يشك فِي انها على تضادها واختلافها لَيست وَاجِبَة الْفِعْل بجملتها وَاجِبَة التَّحْصِيل فان من أفتى بِهَذِهِ الْفَتْوَى يكون مُسْتَحقّ الْقَتْل بفتواه لِأَن قَتله من جملَة الحركات وَهُوَ وَاجِب الْفِعْل وَلَيْسَ كلهَا وَاجِب التّرْك فَإِن من أفتى بِهَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يتنفس لِأَن التنفس مِنْهُ حَرَكَة وَهِي وَاجِبَة التّرْك فَظهر من هَذَا أَن بَعْضهَا وَاجِب التّرْك وَبَعضهَا وَاجِب الْفِعْل وَإِذا ثَبت هَذَا فقد ثَبت حُدُود فِي الحركات حَتَّى كَانَ بَعْضهَا خيرا وَاجِب الْفِعْل وَبَعضهَا شرا وَاجِب التّرْك فالتمييز بَين حَرَكَة وحركة بالحدود وَلَا يَخْلُو إِمَّا ان يعرفهُ كل أحد أَو لَا يعرفهُ أحد أَو يعرفهُ بعض دون
[ ١٣٢ ]
بعض وَظَاهر انه لَا يعرفهُ كل أحد وباطل انه يعرفهُ كل أحد فَظهر أَنه يعرفهُ أحد دون أحد فَثَبت بالتقسيم الأول حُدُود فِي الحركات وَثَبت بالتقسيم الثَّانِي أَصْحَاب حُدُود يعرفونها وهم الْأَنْبِيَاء وَأَصْحَاب الشَّرَائِع عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام والانسان اذا رَاجع نَفسه علم أَنه اذا لم يكن عَارِفًا بالحدود يجب أَن يكون فِي حكم أَصْحَاب الْحُدُود فَثَبت وجود النُّبُوَّة بضرورة الحركات
الطَّرِيق الثَّانِي أَن نقُول إِن نوع الانسان مُحْتَاج الى اجْتِمَاع على صَلَاح فِي حركاته الاختيارية ومعاملاته المصلحية وَلَوْلَا ذَلِك الِاجْتِمَاع مَا بَقِي شخصه وَلَا انحفظ نَوعه وَلَا احترس مَاله وحريمه وَكَيْفِيَّة ذَلِك الِاجْتِمَاع تسمى مِلَّة وَشَرِيعَة
وَبَيَان ذَلِك أَنه فِي اسْتِبْقَاء حَيَاته واستحفاظ نَوعه وحراسة مَاله وحريمه يحْتَاج الى تعاون وتمانع أما التعاون فلتحصيل مَا لَيْسَ لَهُ مِمَّا يحْتَاج اليه فِي مطعمه وملبسه ومسكنه وَأما التمانع فلحفظ مَا لَهُ من نَفسه وَولده وحريمه وَمَا لَهُ وَكَذَلِكَ فِي استحفاط نَوعه يحْتَاج الى تعاون فِي الازدواج والمشاركة وتمانع يحفظ ذَلِك على نَفسه وَهَذَا التمانع والتعاون يجب ان يَكُونَا على حد مَحْدُود وَقَضِيَّة عادلة وَسنة جَامِعَة مَانِعَة وَمن الْمَعْلُوم أَن كل عقل لَا يَفِي بتمهيد هَذِه السّنة على قانون يَشْمَل مصَالح النَّوْع جملَة ويخص حَال كل شخص تَفْصِيلًا الا أَن يكون عقل مؤيد بِالْوَحْي مقيض للرسالة مستمد من الروحانيات الَّتِي قيضت لحفظ نظام الْعَالم وهم بأَمْره يعْملُونَ وعَلى سنته فِي الْخلق سائرون وبحكمه حاكمون فَيكون الْفَيْض مُتَّصِلا بهَا من الْمَقَادِير فِي الْأَحْكَام ثمَّ مِنْهَا فائضا على الشَّخْص المتحمل لتِلْك الْأَمَانَة الْقَابِل لأسرار الدّيانَة يتبع الْحق فِي جَمِيع الْأُمُور ويتبعه الْخلق فِي جَمِيع الحركات يكلم النَّاس على مقادير عُقُولهمْ بعقله الْوَاقِف على تِلْكَ الْمَقَادِير ويكلف الْعباد على قدر استطاعتهم بقدرته المحيطة بِتِلْكَ الأقذار
وَهَذِه الدَّلَائِل فروع لأصل وَاحِد وَهُوَ إِثْبَات الْأَمر لله ﷿ وَهُوَ الطَّرِيق الثَّالِث لأثبات النُّبُوَّة وَمن لم يعْتَرف بأَمْره لم يعْتَرف بِالنُّبُوَّةِ قطّ فان النَّبِي
[ ١٣٣ ]
متوسط الْأَمر كَمَا أَن الْملك متوسط الْخلق وَالْأَمر وكما وَجب الايمان بِاللَّه من حَيْثُ الْخلق وَالْأَمر وَجب الايمان بِاللَّه وبمتوسط الْخلق وَالْأَمر ﴿كل آمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله﴾
وَالطَّرِيق فِي إِثْبَات الْأَمر على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا أَن الممكنات كَمَا احْتَاجَت الى مُرَجّح لجَانب الْوُجُود على الْعَدَم وَأَن الحركات كَمَا احْتَاجَت بتجددها الى محرك يديمها بالتعاقب ثمَّ المائلة من الحركات الى غير مَا مَالَتْ عَنهُ والمختلفات مِنْهَا الى غير جهاتها الطبيعية احْتَاجَت بتجددها الى كَون المحرك مرِيدا مُخْتَارًا ثمَّ المتوجهة مِنْهَا الى نظام الْخَيْر دون الْفساد وَالشَّر احْتَاجَت الى كَون المحرك آمرا أَمر التَّدْبِير وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا﴾ ثمَّ الحركات الانسانية كَمَا احْتَاجَت الى إِرَادَة عقلية فِي جهاتها المتباينة كَذَلِك احْتَاجَت الى مُكَلّف آمُر ناه فِي حُدُودهَا الْمُخْتَلفَة حَتَّى يخْتَار الْمُكَلف الْحق دون الْبَاطِل فِي الحركات الفكرية والصدق دون الْكَذِب فِي الحركات القولية وَالْخَيْر دون الشَّرّ فِي الحركات العملية وكما أَن أَمر التَّدْبِير جَار على عُمُوم الْخلق لنظام وجود الْعَالم الْكَبِير كُله وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾ كَذَلِك أَمر التَّكْلِيف جَار على خُصُوص الْخلق لنظام وجود الْعَالم الصَّغِير وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم﴾ وَكَذَلِكَ جَمِيع الْأَوَامِر والنواهي المتوجهة على النَّاس وكما أوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا بِوَاسِطَة ملك كَذَلِك أوحى فِي كل زمَان أمره بِوَاسِطَة نَبِي فَذَلِك هُوَ التَّقْدِير وَهَذَا هُوَ التَّكْلِيف
الطَّرِيق الثَّانِي فِي إِثْبَات الْأَمر الاول أَن نقُول قد ثَبت وَتحقّق بالبراهين أَن الأول الْمُبْدع ملك مُطَاع فَلهُ الْخلق كُله ملكا وملكا وَلكُل ملك فِي سُلْطَانه أَمر وَنهي وترغيب وترهيب ووعد ووعيد وَلَا يجوز أَن يكون أمره مُحدثا مخلوقا فان الْمَخْلُوق من حَيْثُ هُوَ مَخْلُوق لَا يدل الا على خَالق فَلَيْسَ لَهُ دلَالَة على الْأَمر بِمَعْنى الِاقْتِضَاء والطلب والتكليف والتعريف والحث والزجر وَالتَّرْغِيب والترهيب
[ ١٣٤ ]
وَمن لم يثبت لله ﷿ أمرا يطاع فقد أحَال كل هَذِه الْأَوَامِر والنواهي والتذكيرات والتنبيهات على من ادّعى النُّبُوَّة مَقْصُورَة عَلَيْهِ متعدية عَنهُ وَمَا يضيفه الى الله تَعَالَى من قَالَ الله وَذكر الله وَأمر الله وَنهى الله ووعد الله وأوعد الله يكون مجَازًا لَا حَقِيقَة وترويجا للْكَلَام على الْعَامَّة لَا تَحْقِيقا ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو قَالَ أُوحِي إِلَيّ وَلم يُوح إِلَيْهِ شَيْء﴾ فقد نسبوا النَّبِي الَّذِي فِي أَعلَى دَرَجَات الانسان الى أَشد الظُّلم الَّذِي هُوَ أَسْفَل الدَّرَجَات والخيانة الَّتِي هِيَ أَخبث السَّيِّئَات جلّ منصب النُّبُوَّة عَن ذَلِك