حدثت عِنْد استعداد النقطة لقبُول النَّفس من واهبها كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِذا سويته ونفخت فِيهِ من روحي﴾ كَمَا حدثت الصُّورَة فِي الْمرْآة لحدوث الصقالة وان كَانَ ذُو الصُّورَة سَابق الْوُجُود على الصقالة وتلخيص الْبُرْهَان أَن الْأَرْوَاح لَو كَانَت مَوْجُودَة قبل الْأَبدَان لكَانَتْ إِمَّا كَثِيرَة وَإِمَّا وَاحِدَة وباطل وحدتها وَكَثْرَتهَا فَبَاطِل وجودهَا وانما اسْتَحَالَ وحدتها لِأَنَّهَا بعد التَّعَلُّق بالأبدان إِمَّا أَن تبقى على وحدتها أَو تكثرها ومحال وحدتها وَكَثْرَتهَا فمحال وجودهَا وانما اسْتَحَالَ وحدتها بعد التَّعَلُّق بالأبدان لعلمنا ضَرُورَة بِأَن مَا يُعلمهُ زيد يجوز أَن يجهله عَمْرو وَلَو كَانَ الْجَوْهَر الْعَاقِل مِنْهُمَا وَاحِد لاستحال اجْتِمَاع المتضادين فِيهِ كَمَا يَسْتَحِيل فِي زيد وَحده وَنحن نعني بِالروحِ الْعَاقِل كَمَا ذكرنَا ومحال كثرتها لِأَن الْوَاحِد انما لَا يَسْتَحِيل أَن يتثنى وَأَن يَنْقَسِم إِذا كَانَ ذَا مِقْدَار كالأجسام فالجسم الْوَاحِد يَنْقَسِم فانه ذُو مِقْدَار فَلهُ بعض فيتبعض أما مَا لَا بعض لَهُ وَلَا مِقْدَار فَكيف يَنْقَسِم أما تَقْدِير كثرتها قبل التَّعَلُّق بالأبدان فمحال لِأَنَّهَا إِمَّا أَن تكون متماثلة أَو مُخْتَلفَة وكل ذَلِك محَال وانما اسْتَحَالَ التَّمَاثُل لِأَن وجود المثلين محَال فِي الاصل وَلِهَذَا يَسْتَحِيل وجود سوادين فِي مَحل وَاحِد وجسمين فِي مَكَان وَاحِد لِأَن الاثنينية تستدعي مُغَايرَة وَلَا مُغَايرَة هَهُنَا وسوادان فِي محلين جَائِز لِأَن هَذَا يُفَارق ذَلِك فِي الْمحل إِذا اخْتصَّ هَذَا بِمحل لَا يخْتَص بِهِ
[ ١٠٥ ]
الآخر وَكَذَلِكَ يجوز سوادان فِي مَحل وَاحِد فِي زمانين إِذْ لهَذَا وصف لَيْسَ للْآخر وَهُوَ الِافْتِرَاق بِهَذَا الزَّمَان الْخَاص فَلَيْسَ فِي الْوُجُود مثلا مُطلقًا بل بالاضافة كَقَوْلِنَا زيد وَعَمْرو مثلان فِي الانسانية والجسمية وَسَوَاد الحبر والغراب مثلان فِي السوادية ومحال تغايرها لِأَن التغاير نَوْعَانِ
أَحدهمَا باخْتلَاف النَّوْع والماهية كتغاير النَّار وَالْمَاء وتغاير السوَاد وَالْعلم
الثَّانِي بالعوارض الَّتِي لَا تدخل فِي الْمَاهِيّة كتغاير المَاء الْحَار للْمَاء الْبَارِد فان كَانَ تغاير الْأَرْوَاح البشرية بالنوع والماهية فمحال لِأَن الْأَرْوَاح البشرية متفقة بِالْحَدِّ والحقيقة وَهِي نوع وَاحِد لِأَن الْحَد وَهُوَ الْحَيَوَان النَّاطِق يشملها وان كَانَت مُتَغَايِرَة بالعوارض فمحال لِأَن الْحَقِيقَة الْوَاحِدَة انما تتغاير عوارضها إِذا كَانَت مُتَعَلقَة بالأجساد منسوبة اليها بِنَوْع مَا وَلَا تعلق لَهَا بالاجسام قبل وجود الْأَبدَان فَكَانَ الِاخْتِلَاف محالا إِذْ الِاخْتِلَاف فِي أَجزَاء الْجِسْم ضَرُورَة وَلَو كَانَ فِي الْقرب من السَّمَاء والبعد مِنْهُ مثلا أما إِذا لم يكن كَذَلِك كَانَ الأختلاف والتغاير محالا وَهَذَا رُبمَا يحْتَاج تَحْقِيقه إِلَى مزِيد بَيَان وَلَكِن فِي هَذَا الْقدر تَنْبِيه عَلَيْهِ
فان قيل فَكيف تكون حَال الْأَرْوَاح بعد مُفَارقَة الْأَجْسَام وَلَا تعلق لَهَا بالاجسام فَكيف تكثرث وتغايرت
فَالْجَوَاب أَن نقُول لِأَنَّهَا اكْتسبت بعد التَّعَلُّق بالأبدان أوصافا مُخْتَلفَة من الْعلم وَالْجهل والصفاء والكدرة وَحسن الْأَخْلَاق وقبحها فَبَقيت بِسَبَبِهَا مُتَغَايِرَة فعقلت كثرتها بِخِلَاف مَا قبل الاجساد فانه لَا سَبَب لتغايرها فقد اتَّضَح أَن النَّفس تحدث كَمَا تحدث مَادَّة بدنية صَالِحَة لاستعمالها إِيَّاهَا وَيكون الْبدن آلَة ومملكة لَهَا وَيكون للنَّفس الْحَادِثَة فِي جوهرها هَيْئَة نزاع طبيعي إِلَى الِاشْتِغَال بذلك الْبدن خَاصَّة والاهتمام بأحواله والانجذاب اليه وَتلك الْهَيْئَة تكون
[ ١٠٦ ]
مقتضية لاختصاصها بذلك الْبدن وَلَا بُد أَن تكون مُنَاسبَة لَهُ مُنَاسبَة خَاصَّة لصلوح سياسة بدن خَاص دون آخر وان خفيت علينا تِلْكَ الْمُنَاسبَة بِعَينهَا فان تِلْكَ المناسبات غير محصورة وَلَا ظَاهِرَة وَالله ﷾ يتَوَلَّى أسرارها وسرائرها
فان قيل لَا نسلم بِأَن النُّفُوس الإنسانية متفقة فِي النَّوْع وَالْمعْنَى ولسنا نسلم أَن الْأَنْوَاع انما تتكثر من جِهَة النِّسْبَة إِلَى الْمَادَّة وَالْمَكَان وَالزَّمَان فَحسب بل الماديات انما تتكثر بالمقادير والكائنات الزمانية والنفوس الإنسانية لَيست بمادية فِي ذَاتهَا وانما نسبتها إِلَى الْمَادَّة بِوَجْه التَّدْبِير وَالتَّصَرُّف لَا بِوَجْه الانطباع فِي الْمَادَّة حَتَّى يَسْتَدْعِي مَكَانا مُمَيّزا وزمانا مُمَيّزا وَالتَّدْبِير وَالتَّصَرُّف لَا يُوجب تعددا ذاتيا فان الْوَاحِد يجوز أَن يكون متصرفا فِي أَشْيَاء وَالْعدَد الْكثير يجوز أَن يكون متصرفا فِي شَيْء وَاحِد فَهَذِهِ النِّسْبَة لذاتها لَا توجب الْكَثْرَة فِي الذَّات
قُلْنَا الدَّلِيل على أَن النُّفُوس الإنسانية متفقة النَّوْع مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ أَن حد الانسان يشملها وَهُوَ الْحَيّ النَّاطِق وَمَا شَمله حد النَّوْع فَهُوَ مُتَّفق فِي النَّوْع وَالدَّلِيل على أَن أَسبَاب التكثر مَا ذكرته أَن الْأَشْيَاء الَّتِي ذواتها حقائق فَقَط انما تكثرها بالحوامل والقوابل والمنفعلات عَنْهَا أَو بِنِسْبَة مَا اليها وَإِلَى أزمنتها فَقَط فاذا كَانَت مُجَرّدَة لم تقترن بذلك فمحال أَن يكون بَينهمَا مُغَايرَة وتكثر
وَأما قَوْلهم إِن النَّفس الإنسانية لَيست بمادية فتتمايز بالمادة فَمُسلم لَكِنَّهَا ذَات نِسْبَة إِلَى الْمَادَّة أَي نِسْبَة كَانَت وان لم تكن نِسْبَة الانطباع فنسبة التَّدْبِير وَالتَّصَرُّف وَهَذِه النِّسْبَة مُؤثرَة فِي التَّمْيِيز كَافِيَة فَيُقَال إِن النَّفس الإنسانية ملك تِلْكَ الْمَدِينَة الفاضلة
فان قيل لَا نسلم إِن الْأَسْبَاب المكثرة محصورة فِيمَا ذكرْتُمْ من أَقسَام الْحَوَامِل والقوابل والمنفعلات عَنْهَا أَو النِّسْبَة اليها فماالدليل على الْحصْر أليست
[ ١٠٧ ]
المفارقات مُتَغَايِرَة الذوات والحقائق وَلَا حوامل لَهَا وَلَا قوابل وَلَا مَكَان وَلَا زمَان وانما تتمايز وتتغاير بحقائقها الذاتية وانما نوعها فِي شخصها أَعنِي فِي ذَاتهَا فَهَلا قُلْتُمْ فِي النُّفُوس الانسانية انها تتغاير بخواصها أَو بِأَمْر آخر سوى الْحَوَامِل أليست النُّفُوس بعد الْمُفَارقَة تتغاير بِالْعدَدِ وتقولون انها تتغاير بِمَا اكْتسبت من الْأَبدَان من الْأَخْلَاق والعلوم وقلتم يكفيها فِي التَّمْيِيز هَيْئَة انها كَانَت نفس الْبدن الْفُلَانِيّ وَلَئِن كَانَ هَذَا الْقدر كَافِيا فِي التَّمْيِيز فَهَلا كَانَ كَافِيا فِي التَّمْيِيز هَيْئَة انها سَتَكُون نفس الْبدن الْفُلَانِيّ فان الانطباع فِي الْبدن لَيْسَ بِشَرْط
قُلْنَا فِي المفارقات قد قَامَ الدَّلِيل على انها مُتَغَايِرَة الْحَقَائِق أما النُّفُوس البشرية فيشملها حد وَاحِد كَمَا ذكرنَا وانما يُمكن وجودهَا وتعددها بعد الْمُفَارقَة بهيئات وأخلاق اكْتسبت من الْأَبدَان وَقبل الِاتِّصَال بِالْبدنِ لَا يُمكن أَن تكتسب من الْأَبدَان شَيْئا إِذْ لَا أبدان وَمَا لَا يكون لَيْسَ لَهُ تَأْثِير فانا نعلم قطعا انها بعد الِاتِّصَال بِالْبدنِ انما تكمل بمعاونة الْبدن وتكتسب فَضَائِل ورذائل من العلاقة الْبَدَنِيَّة فَقبل الْبدن لَا علاقَة فَلَا اكْتِسَاب فَلَا تغاير فَثَبت انها تحدث مَعَ الْبدن
فان قيل أحلتم وجود النُّفُوس البشرية قبل الْأَبدَان بِبَيَان مَا ذكرْتُمْ من انها لَا تتَصَوَّر قبل الْأَبدَان وَنحن نورد اشكالين واقعين على نَحْو وجودهَا مُتَّصِلَة بالأبدان وحادثة مَعَ حُدُوث الْأَبدَان وَذَلِكَ لِأَنَّهُ من الْمُسلم بَيْننَا أَن النُّفُوس الإنسانية لَيست مادية وَلَا منطبعة فِي مَادَّة وَمَا هَذَا سَبيله فَلَيْسَ حُدُوثه على تدريج شَيْء بعد شَيْء أَو زمَان بعد زمَان بل يكون وجوده ابداعيا مَحْضا وَوُجُود الْبدن لَيْسَ بابداعي مَحْض بل على تدريج شَيْء بعد شَيْء واستحالة جُزْء بعد جُزْء فَأَي جُزْء بِعَيْنِه انْتَهَت النّوبَة اليه فِي الاستحالة حَتَّى يحدث عِنْده النَّفس ويتصل بِهِ وَلَيْسَ جُزْءا بِعَيْنِه إِلَّا وَيُمكن حُدُوث النَّفس قبله بلحظة أَو بعده بلحظة وَلَو قُلْتُمْ انها تحدث عِنْد كَمَال الاستعداد فَيُقَال وَكَمَال الاستعداد لَيْسَ يحصل بَغْتَة ودفعة بل على تدريج كَمَال بعد كَمَال وَقد
[ ١٠٨ ]
بَان انها كَمَال وَاحِد يحصل ابداعا لَا تدريج فِيهِ ثمَّ ان الاستعداد وَكَمَال الاستعداد انما يشْتَرط فِيمَا هُوَ صُورَة مادية أَعنِي منطبعة فِي الْمَادَّة فَيكون الاستعداد سَببا مَا بِوَجْه مَا لحُصُول الصُّورَة فِيهِ من واهب الصُّور وَلَا يشْتَرط ذَلِك فِي النُّفُوس الَّتِي لَيست منطبعة فِي مَادَّة اصلا وَلَا علاقَة بَينهَا وَبَين القوى المادية إِلَّا علاقَة التَّدْبِير وَالتَّصَرُّف فِي المملكة فالتصرف فِيهِ كَيفَ يكون سَببا لوُجُوب الْمُتَصَرف الْمُدبر فِيهِ وَالْمُدبر اولى بَان يكون مُتَقَدما فِي الْوُجُود على المملكة وَاشْتِرَاط الاستعداد لقبُول الصُّورَة حَتَّى تُوجد الصُّورَة فِي المستعد غير وَاشْتِرَاط الاستعداد لقبُول تصرف النَّفس غير فان الاستعداد الأول يصلح سَببا لوُجُود النَّفس بِوَجْه مَا بل هُوَ سَبَب لقبُول تصرفه فِيهِ إِمَّا ليفيده كمالا أَو ليستفيد مِنْهُ فَائِدَة وَهَذَا إِشْكَال عَظِيم
فَالْجَوَاب عَنهُ كلمة وَاحِدَة فان الْعلم نُكْتَة وَاحِدَة كثرها الْجَهْل فَنَقُول لَا ارتياب فِي ان النُّفُوس إبداعية وانها لَيست منطبعة فِي الْمَادَّة وانما تحدث من مبدعها عِنْد كَمَال الاستعداد الَّذِي عبر عَنهُ فِي التَّنْزِيل بقوله ﴿فَإِذا سويته﴾ ومبدعها أعلم بِكَمَال الاستعداد وَلَيْسَ فِي طَاقَة القوى البشرية الاحاطة بتفاصيل الاستعدادات وَلَكِن على الْجُمْلَة نعلم أَن الصُّور تفيض من مبدعها وواهبها كَمَا يقتضيها جود الْجواد الْمَحْض عَن كَمَال الْعلم الْمُحِيط بتفاصيل المعلومات فيعطي كل مُسْتَحقّ مَا يسْتَحقّهُ وكل قَاصِر مَا يكمله بل ماهيات الْأَشْيَاء واستعداداتها من جوده الْفَيَّاض بِوَاسِطَة الْأَسْبَاب المعطية للاستعدادات الْخَاصَّة من الأجرام العنصرية وامتزاجاتها وحركات السَّمَاوَات واجرامها وأشكالها وخواصها وفيض الْعُقُول على النُّفُوس وافاضة النُّفُوس طلبا للاستكمال تحريكا للسماوات فَالْكل من جود الْجواد الْحق الَّذِي يُعْطي كل حَقِيقَة وجودهَا وَهُوَ أعلم بِكَمَال الاستعداد وَأي استعداد يسْتَحق أَي صُورَة وعلوم الْبشر قَاصِر عَن ادراك ذَلِك وَإِذا بلغ الْكَلَام إِلَى الله سُبْحَانَهُ فَيَنْقَطِع سُؤال لم كَمَا يَنْقَطِع مطلب مَا لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسئلون
[ ١٠٩ ]
الاشكال الثَّانِي إِن النُّفُوس إِذا كَانَت متشابهة فِي النَّوْع فائضة من واهب الصُّور وَلَيْسَ فِي فيضانه اخْتِلَاف فَمن أَيْن يجب أَن يكون كل نفس حَادِثَة ذَات هَيْئَة نزاعية طبيعية إِلَى الِاشْتِغَال ببدن مَخْصُوص والاهتما باحواله وَمن أَيْن يلْزم أَن يكون لَهَا مُنَاسبَة خَاصَّة تصلح لسياسة بدن خَاص دون بدن فان كَانَت هَذِه الْهَيْئَة لَازِمَة لذاتها فَهِيَ متخصصة بِهَذِهِ الْهَيْئَة قبل وجود الْبدن وَإِن كَانَت هَذِه الْهَيْئَة تكتسب هَذِه الْهَيْئَة من الْبدن فَكيف يسْبق الْمُوجب على الْمُوجب وَكَيف تكون تِلْكَ الْهَيْئَة نزاعية طبيعية
وَجُمْلَة القَوْل ان لم تكن هَيْئَة مُخْتَصَّة فَلم اخْتصّت ببدن دون بدن وان كَانَت الْهَيْئَة طبيعية على حالتها فَهِيَ المخصصة لذاتها بعد الِاتِّفَاق فِي النَّوْع وَإِن كَانَت مكتسبة من خَارج وَهُوَ إِمَّا هَذَا الْبدن أَو غَيره فليتحقق لَهَا وجود حَتَّى تكتسب الْهَيْئَة المخصصة وكل ذَلِك محَال ثمَّ اخْتِلَاف المناسبات والهيئات تستدعي اخْتِلَاف الْأَسْبَاب وواهب الصُّور وَاحِد فِي ذَاته أحدي الافاضة فَلَا اخْتِلَاف هُنَاكَ وَلَا تَأْثِير لاخْتِلَاف الأمزجة فِي اخْتِلَاف هيئات النُّفُوس إِذْ لَا انطباع وَلَا حُلُول ولااتصال بَين المجردات وَبَين الامزجة بِخِلَاف النُّفُوس النباتية والنفوس الحيوانية والصور الجسمانية والصور الطبيعية فان اخْتِلَاف النُّفُوس والصور لاخْتِلَاف موادها وصورها مقدرَة على استعداداتها
وَحل هَذَا الاشكال أَن تَقول نعم أَن المناسبات والهيئات الْمُخْتَلفَة تستدعي أسبابا مُخْتَلفَة واسباب الاستعدادات وَأَسْبَاب الامتزاجات وَجَمِيع مَا يحدث فِي الْعَالم العنصري منوطة بالحركات السماوية وَحَتَّى الاختيارات والارادات فانها لَا محَالة أُمُور تحدث بعد مَا لم تكن وَلكُل حَادث بعد مَا لم يكن عِلّة وَسبب حَادث وَيَنْتَهِي ذَلِك الى الْحَرَكَة وَمن الحركات إِلَى المستديرة فَجَمِيع الاستعدادات تَابِعَة للحركات السماوية ثمَّ الحركات المستديرة مستندة إِلَى اختيارات النُّفُوس الفلكية وَالْكل يسْتَند إِلَى الْعقل الآلهي المستعلي على الْكل الَّذِي مِنْهُ ينشعب المقدورات فالجود الإلهي بِوَاسِطَة الْعُقُول
[ ١١٠ ]
والنفوس والحركات السماوية يُعْطي كل مَادَّة استعدادها لصورة خَاصَّة والنفوس لَا تحدث بالاستعداد الْخَاص بل عِنْد الاستعداد الْخَاص وَفرق بَين ان تحصل عِنْده أَو بِهِ
ثمَّ الْهَيْئَة النزاعية فِي النَّفس انما تكون بعد الِاتِّصَال بهَا فاذا حُدُوث النَّفس لَهُ صفة فِي الْفَاعِل وَصفَة فِي الْقَابِل أما صفة الْفَاعِل فالجود الإلهي الَّذِي هُوَ ينبوع الْوُجُود وَهُوَ فياض بِذَاتِهِ على كل مَاله قبُول الْوُجُود حَقِيقَة وجوده ويعبر عَن تِلْكَ الصّفة بِالْقُدْرَةِ وان أضفت هَذَا الْفَيْض إِلَى الوسائط فواهب الصُّور
ومثاله فيضان نور الشَّمْس على كل قَابل للاستنارة عِنْد ارْتِفَاع الْحجاب بَينهمَا والقابل للاستنارة هِيَ المتلونات دون الْهَوَاء الَّذِي لَا لون لَهُ
وَأما صفة الْقَابِل فالاستواء والاعتدال الْحَاصِل بالتسوية كَمَا قَالَ سويته وَمِثَال صفة الْقَابِل صقالة الْحَدِيد فان الْمرْآة الَّتِي ستر الصدأ وَجههَا لَا تقبل الصُّورَة وان كَانَت محاذية للصورة وَإِذا اشْتغل المصقل بتصقيلها فَكلما حصلت الصقالة حدثت فِيهَا الصُّورَة من ذِي الصُّورَة المحاذية لَهَا فَكَذَلِك إِذا حصل الاسْتوَاء والاستعداد فِي النُّطْفَة حدثت فِيهَا النَّفس من واهبها وخالقها من غير تغير فِي الْوَاهِب بل إِنَّمَا حدث الرّوح الْآن لَا قبله لتغير الْمحل بِحُصُول الإستواء الْآن لَا قبله كَمَا أَن الصُّورَة فاضت من ذِي الصُّورَة على الْمرْآة فِي حكم الْوَهم من غير تغير فِي الصُّورَة وَلَكِن كَانَ لَا تَحْصِيل من قبل لِأَن الصُّورَة لَيست مهيئة لِأَن تنطبع فِي الْمرْآة لَكِن لِأَن الْمرْآة لم تكن صقيلة
فان قيل فاذا كَانَت الْأَرْوَاح حَادِثَة مَعَ الأجساد فَمَا معنى قَوْله ﷺ خلق الله الْأَرْوَاح قبل الاجساد بألفي عَام وَقَوله ﵇ أَنا أول الْأَنْبِيَاء خلقا وَآخرهمْ بعثا وَقَوله ﵇ كنت نَبيا وآدَم لَمُنْجَدِل بَين المَاء والطين
[ ١١١ ]
قُلْنَا شَيْء من هَذَا لَا يدل على قدم الرّوح بل على حُدُوثه وَكَونه مخلوقا نعم رُبمَا دلّ بِظَاهِرِهِ على تَقْدِيم وجوده على الْجَسَد كَمَا ظن جمَاعَة من الْحُكَمَاء وَأمر الظَّوَاهِر هَين فان تَأْوِيلهَا مُمكن والبرهان الْقَاطِع لَا يدْرَأ بالظواهر بل يُسَلط على تَأْوِيل الظَّوَاهِر كَمَا فِي ظواهر الْآيَات المتشابهات فِي حق الله تَعَالَى
أما قَوْله ﵇ خلق الله الْأَرْوَاح قبل الأجساد أَرَادَ بالأرواح أَرْوَاح الْمَلَائِكَة وبالاجساد الْعَالم من الْعَرْش والكرسي وَالسَّمَوَات وَالْكَوَاكِب والهواء وَالْمَاء وَالْأَرْض وكما أَن أجساد الْآدَمِيّين بجملتهم صَغِيرَة بالاضافة إِلَى جرم الأَرْض وجرم الأَرْض أَصْغَر من الشَّمْس بِكَثِير ثمَّ لَا نِسْبَة لجرم الشَّمْس إِلَى فلكه وَلَا لفلكه إِلَى السَّمَوَات الَّتِي فَوْقه ثمَّ كل ذَلِك اتَّسع لَهُ الْكُرْسِيّ إِذْ وسع كرسيه السَّمَوَات وَالْأَرْض والكرسي صَغِير بالاضافة إِلَى الْعَرْش فاذا تفكرت فِي جَمِيع ذَلِك استحقرت أجساد الْآدَمِيّين وَلم تفهمها من مُطلق لفظ الاجساد فَكَذَلِك فَاعْلَم وَتحقّق أَن أَرْوَاح الْبشر بالاضافة الى أَرْوَاح الْمَلَائِكَة كأجسادهم بالاضافة إِلَى أجساد الْعَالم وَلَو انْفَتح لَك بَاب معرفَة الملكية لرأيت الْأَرْوَاح البشرية كسراج اقتبس من نَار عَظِيمَة طبقت الْعَالم وَتلك النَّار الْعَظِيمَة هِيَ الرّوح الْأَخير من أَرْوَاح الْمَلَائِكَة ولأرواح الْمَلَائِكَة تَرْتِيب وكل وَاحِد مُنْفَرد برتبته وَلَا يجْتَمع فِي مرتبَة وَاحِدَة اثْنَان بِخِلَاف الْأَرْوَاح البشرية المتكثرة مَعَ اتِّحَاد النَّوْع أما الْمَلَائِكَة فَكل وَاحِد نوع بِرَأْسِهِ وَهُوَ كل ذَلِك النَّوْع واليه الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا منا إِلَّا لَهُ مقَام مَعْلُوم﴾ وَبِقَوْلِهِ ﵇ إِن الرَّاكِع مِنْهُم لَا يسْجد والقائم لَا يرْكَع وانه مَا من وَاحِد إِلَّا وَله مقَام مَعْلُوم فَلَا تفهمن إِذا من الْأَرْوَاح والأجساد الْمُطلقَة إِلَّا أَرْوَاح الْمَلَائِكَة وأجساد الْعَالم
وَأما قَوْله ﵊ أَنا أول الْأَنْبِيَاء خلقا وَآخرهمْ بعثا وَقَوله ﵇ نَحن الْآخرُونَ وَالسَّابِقُونَ وَقد قَالَ ﵇ أول مَا خلق الله الْقَلَم وَقَالَ أول مَا خلق الله الْعَرْش وَقَالَ أول
[ ١١٢ ]
مَا خلق الله جَوْهَر مُحَمَّد ﷺ وَغير ذَلِك فكشف الغطاء عَن هَذَا من وُجُوه تَحت كل وَجه فَوَائِد لَطِيفَة ولطائف من الْحِكْمَة قَلما تسطر فِي الْكتب
الْوَجْه الأول انا شاهدنا الموجودات كلهَا بِشَهَادَة الْحس وَالْعقل على ترَتّب وتفاضل فِي النَّوْع والشخص
أما فِي المركبات الَّتِي هِيَ أقرب إِلَى حواسنا فالمعادن والنباتات وَالْحَيَوَان وَالْإِنْسَان على تفاضل وانْتهى ذَلِك بالانسان وانْتهى الانسان بالشخص الْوَاحِد الْأَفْضَل من الْكل كالنبي فِي زَمَانه وَالْوَلِيّ فِي كل زمَان
وَأما فِي البسائط الجسمانية أَعنِي المتشابهة الاجزاء فَهِيَ أَيْضا على تفاضل فِي الْجَوْهَر والحيز والعظم وَالْحَرَكَة وَالْأَفْضَل من الْكل الجرم الْأَقْصَى وَهُوَ الَّذِي عبر عَنهُ التَّنْزِيل بالعرش والكرسي الَّذِي وسع السَّمَاوَات وَالْأَرْض
وَأما فِي البسائط الروحانية أَعنِي الْمُجَرَّدَة عَن الْموَاد المنزهة عَن الْمَكَان وَالزَّمَان فَفِيهَا ترَتّب وتفاضل فَمَا كَانَ أَشد قُوَّة وأوسع علما وإحاطة وأبلغ فِي الْوحدَة وأشبه بِكَمَال الربوبية كَانَ فِي الْمقَام الْأَعْلَى والمرتبة الْأَقْصَى وَلَا بُد أَن يَنْتَهِي بِوَاحِد فان المترتبات المتفاضلات إِن لم تَنْتَهِ بِوَاحِد أوجب ذَلِك الحكم بالتسلسل وَذَلِكَ محَال فالمترتبات فِي كل قسم انْتَهَت بِوَاحِد هُوَ مبدؤها
وَرُبمَا يعبر لِسَان النُّبُوَّة عَن ذَلِك الْوَاحِد بانه أول مَا خلق الله تَعَالَى فالروحانيات انْتَهَت بِروح الْقُدس أَو الْعقل الفعال أَو شَدِيد القوى ذُو مرّة فَاسْتَوَى وَهُوَ أول المبدعات ثمَّ ينزل بالترتب والتفاضل كَمَا قيل أول مَا خلق الله عزو جلّ الْعقل ثمَّ النَّفس ثمَّ الهيولي أَو مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر ان أول مَا خلق الله ﷿ الْقَلَم ثمَّ اللَّوْح ثمَّ الظلمَة الْخَارِجَة
وَأما الجسمانيات فقد انْتَهَت بالجرم الْأَقْصَى وَهُوَ مَا رُوِيَ أَن أول مَا
[ ١١٣ ]
خلق الله الْعَرْش ثمَّ الْكُرْسِيّ وَأما فِي المركبات فقد انْتَهَت بجوهر النُّبُوَّة وأكملها وأفضلها جَوْهَر مُحَمَّد ﷺ وَذَلِكَ مَا رُوِيَ إِن أول مَا خلق الله تَعَالَى جَوْهَر مُحَمَّد ﷺ فقد وجدت لكل مقَال مجالا وَلكُل مَذْهَب محملًا ومساغا ثمَّ الأولية فِي كل صنف مِنْهَا هَل هِيَ أولية بِالزَّمَانِ أَو أولية بِالْمَكَانِ أَو أولية بِالذَّاتِ أَعنِي الْعلَّة الفاعلية أَو الكمالية فَذَلِك مطلب آخر سهل التَّنَاوُل قريب المأخذ والمجتنى
الْوَجْه الثَّانِي إِن المبادىء تساق إِلَى الكمالات حَتَّى لَو لم يكن كَمَال لم يكن مبدأ كَمَا لَو لم يكن مبدأ لم يكن كَمَال وان المعقولات تظهر بالمحسوسات وكما أَن كَمَال جلال الْحق انما يظْهر بأفعاله وصنائعه وَكَذَلِكَ الْأَمر الْحق انما يظْهر بخلقه وَكَذَلِكَ الْعقل انما يظْهر بِالنَّفسِ وَالنَّفس انما تظهر بالطبيعة والطبيعة إِنَّمَا تظهر بالجسم الْكُلِّي وَكَذَلِكَ جَمِيع الموجودات إِنَّمَا يظْهر بالانسان حَتَّى يكون جِسْمه وطبيعته مظهر الْجِسْم والطبيعة وَنَفسه وعقله مظهر النَّفس وَالْعقل وتسليمه مظهر الْأَمر الْحق فَيظْهر بِهِ جلال الْبَارِي تَعَالَى وإكرامه
وَيصِح ان يُقَال لولاك مَا خلقت الافلاك فَهُوَ الْخُلَاصَة من الخليقة والصفوة من الْبَريَّة وَهُوَ الْكَمَال والغاية والسدرة الْمُنْتَهى وَهُوَ أول ماخلق وَآخر مَا بعث كَمَا ذكره ﵇
الْوَجْه الثَّالِث ان الطبيعة المسخرة تُؤثر فِي إعداد الْمَادَّة لقبُول فيض الْأَمر وَالْعقل وَالنَّفس حَتَّى يحصل فِي المركبات باستصفاء العناصر واستخلاص اللّبَاب من الْموَاد وابتلاء الامشاج من المزاج طبقَة بعد طبقَة واستصفاء بعد استصفاء حَتَّى يحصل فِي المركبات الْجُزْئِيَّة شخص فِي مُقَابلَة الْعقل الْكُلِّي بل هُوَ شخص الْعقل أَو عقل الشَّخْص وَذَلِكَ هُوَ نبى زَمَانه فَيكون الْعود بِهِ كَمَا كَانَ البدء اليه فيضاهي صَاحب المبدأ صَاحب الْكَمَال وَتَكون النِّهَايَة هِيَ الرُّجُوع إِلَى
[ ١١٤ ]
الْبِدَايَة وَيكون أول الْفِكر آخر الْعَمَل وَيظْهر معنى قَول النَّبِي ﷺ نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ
الْوَجْه الرَّابِع كَمَا ابْتَدَأَ الدّين والشريعة من آدم ﵇ واستكمل نوع كَمَال بِنوح ﵇ وَنَوع كَمَال بمُوسَى ﵇ وَنَوع كَمَال بِعِيسَى ﵇ وَنَوع كَمَال بالمصطفى ﵇ وابتدأ الْعود من الْمُصْطَفى ﷺ فِي دَار الْجَزَاء وَلذَلِك قَالَ أَنا أول من ينشق عَنهُ الأَرْض وَأَنا العاقب وانا الحاشر يحْشر النَّاس على قدمي
[ ١١٥ ]