أَن نقُول مَعْلُوم إِنَّا نتلقى المعقولات وندرك الْأَشْيَاء الَّتِي لَا تدخل فِي الْحس والخيال والمعقول مُتحد فلوحل فِي منقسم لانقسم المتحد وَهَذَا محَال وتحقيقه هُوَ أَنه لَو كَانَ النَّفس ذَا مِقْدَار وَحل فِيهِ مَعْقُول فَأَما أَن يحل فِي شَيْء منقسم أَو فِي شَيْء غير منقسم وَمَعْلُوم أَن غير المنقسم انما هُوَ طرف الْخط وَهُوَ نِهَايَة مَالا تميز لَهَا فِي الْوَضع عَن الْخط والمقدار الَّذِي هِيَ مُتَّصِلَة بِهِ حَتَّى يسْتَقرّ فِيهَا شَيْء من غير أَن يكون فِي شَيْء من ذَلِك الْخط بل كَمَا أَن النقطة لَا تنفرد بذاتها وانما هِيَ طرف ذاتي لما هُوَ بِالذَّاتِ مِقْدَار كَذَلِك انما يجوز أَن يُقَال بِوَجْه مَا أَنه يحل فِيهَا طرف شَيْء حَال فِي الْمِقْدَار الَّذِي هِيَ طرفه متقدر بِالْعرضِ فَكَمَا أَنه يتَقَدَّر بِهِ بِالْعرضِ كَذَلِك يتناهى بِالْعرضِ مَعَ النقطة وَلَو كَانَت النقطة مُنْفَرِدَة تقبل شَيْئا من الْأَشْيَاء لَكَانَ يتَمَيَّز لَهَا ذَات
[ ٢٧ ]
وَكَانَت النقطة حِينَئِذٍ ذَات جِهَتَيْنِ جِهَة مِنْهَا تلِي الْخط وجهة مِنْهَا مُخَالفَة لَهُ مُقَابلَة فَتكون تِلْكَ النقطة نِهَايَة الْخط لَا هَذِه
وَالْكَلَام فِيهَا وَفِي هَذِه النقطة وَاحِد وَيُؤَدِّي هَذَا إِلَى أَن تكون النقطة متشافعة فِي الْخط إِمَّا متناهية وَإِمَّا غير متناهية وَهَذَا أَمر قد بَان فِي مَوْضِعه استحالته ونشير إِلَى رمز مِنْهُ فَنَقُول إِن النقطتين حِينَئِذٍ اللَّتَيْنِ تطبقان بِنُقْطَة وَاحِدَة من جنبتيها إِمَّا أَن تكون هَذِه النقطة المتوسطة تحجز بَينهمَا فَلَا تتماسان فَيلْزم حِينَئِذٍ فِي البديهة الْعَقْلِيَّة الأولية أَن يكون كل وَاحِدَة مِنْهُمَا يخْتَص بِشَيْء من الْوُسْطَى يماسه فتنقسم حِينَئِذٍ الْوُسْطَى وَهَذَا محَال وَإِمَّا أَن تكون الْوُسْطَى لَا تحجز المكتنفتين عَن التمَاس فَحِينَئِذٍ تكون الصُّورَة المعقولة حَالَة فِي جَمِيع النقط وَجَمِيع النقط كنقطة وَاحِدَة وَقد وَضعنَا هَذِه النقطة الْوَاحِدَة الْمُنْفَصِلَة عَن الْخط فللخط من جِهَة مَا ينْفَصل عَنْهَا طرف وَنِهَايَة بهَا ينْفَصل عَنْهَا فَتلك النقطة تكون مباينة لهَذِهِ فِي الْوَضع
وَقد وضعت النقط كلهَا مُشْتَركَة فِي الْوَضع هَذَا خلف فقد بَطل إِذا أَن يكون مَحل المعقولات من الْجِسْم شَيْئا غير منقسم فَبَقيَ أَن يكون من الْجِسْم شَيْئا منقسما فلنفرض صُورَة معقولة فِي شَيْء منقسم فَإِذا فَرضنَا فِي الشَّيْء المنقسم انقساما عرض للصورة أَن تَنْقَسِم فَحِينَئِذٍ لايخلو إِمَّا ان يكون الجزءان متشابهين أَو غير متشابهين فاذا كَانَا متشابهين فَكيف يجْتَمع مِنْهُمَا مَا لَيْسَ بهما إِلَّا أَن يكون ذَلِك الشَّيْء شَيْئا يحصل فيهمَا من جِهَة الْمِقْدَار وَالزِّيَادَة فِي الْعدَد لَا من جِهَة الصُّورَة فَتكون حِينَئِذٍ الصُّورَة المعقولة شكلا مَا أَو عددا مَا وَلَيْسَ كل صُورَة معقولة شكلا وَتصير حِينَئِذٍ الصُّورَة خيالية لَا عقلية
وَأظْهر من ذَلِك أَنه لَيْسَ يُمكن أَن يُقَال إِن كل وَاحِد من الجزأين هُوَ بِعَيْنِه الْكل فِي الْمَعْنى لِأَن الثَّانِي إِذا كَانَ غير دَاخل فِي معنى الْكل فَيجب أَن نضع فِي الِابْتِدَاء لِمَعْنى الْكل هَذَا الْوَاحِد لَا كليهمَا وان كَانَ دَاخِلا فِي مَعْنَاهُ فَمن الْبَين
[ ٢٨ ]
الْوَاضِح أَن الْوَاحِد مِنْهُمَا وَحده لَيْسَ يدل على نفس معنى التَّمام وان كَانَا غير متشابهين فَلْينْظر كَيفَ يُمكن أَن تكون الصُّورَة المعقولة أَجزَاء غير متشابهة فَإِنَّهُ لَيْسَ يُمكن أَن تكون الاجزاء الْغَيْر المتشابهة إِلَّا أَجزَاء الْحَد الَّتِي هِيَ الْأَجْنَاس والفصول وَيلْزم من هَذَا محالات مِنْهَا أَن كل جُزْء من الْجِسْم يقبل الْقِسْمَة أَيْضا فَيجب أَن تكون الْأَجْنَاس والفصول بِالْقُوَّةِ غير متناهية
وَقد صَحَّ أَن الْأَجْنَاس والفصول الذاتية للشَّيْء الْوَاحِد لَيست فِي الْقُوَّة غير متناهية وَلِأَنَّهُ لَيْسَ يُمكن أَن يكون توهم الْقِسْمَة يفرز الْجِنْس والفصل بل مِمَّا لَا نشك فِيهِ أَنه إِذا كَانَ هُنَاكَ جنس وَفصل يستحقان تميزا فِي الْمحل أَن ذَلِك التميز لَا يتَوَقَّف على توهم الْقِسْمَة فَيجب أَن تكون الْأَجْنَاس والفصول بِالْفِعْلِ ايضا غير متناهية وَقد صَحَّ أَن الْأَجْنَاس والفصول أَو أَجزَاء الْحَد للشَّيْء الْوَاحِد متناهية من كل وَجه وَلَو كَانَت غير متناهية بِالْفِعْلِ هَهُنَا لكَانَتْ توجب أَن يكون الْجِسْم الْوَاحِد انْفَصل بأجزاء غير متناهية بِالْفِعْلِ وَأَيْضًا لتكن الْقِسْمَة وَقعت من جِهَة فأفرزت من جَانب جِنْسا وَمن جَانب فصلا فَلَو غَيرنَا الْقِسْمَة كَانَ يَقع مِنْهَا فِي جَانب نصف جنس وَنصف فصل أَو كَانَ يَنْقَلِب وَكَانَ فَرضنَا الوهمي يَدُور مقَام الْجِنْس والفصل فِيهِ على أَن ذَلِك أَيْضا لَا يُغني فانه يمكننا أَن نوقع قسما فِي قسم وَأَيْضًا كل مَعْقُول يُمكن أَن يقسم إِلَى معقولات أبسط فَإِن هَهُنَا معقولات هِيَ أبسط المعقولات ومبادىء التَّرْكِيب فِي سَائِر المعقولات فَلَيْسَ لَهَا لَا أَجنَاس وَلَا فُصُول وَلَا هِيَ منقسمة فِي الْكمّ وَلَا هِيَ منقسمة فِي الْمَعْنى كالوحدة وَالْعلَّة وَغير ذَلِك فاذا لَيْسَ يُمكن أَن تكون الْأَجْزَاء الْمَفْرُوضَة فِيهِ أَجزَاء متشابهة كل وَاحِد مِنْهَا هُوَ فِي معنى الْكل وَإِنَّمَا يحصل الْكل بالاجتماع فَقَط وَلَا أَيْضا يُمكن أَن تكون غير متشابهة فَلَيْسَ يُمكن أَن تَنْقَسِم الصُّورَة المعقولة وَلَا أَن تحل طرفا من الْمَقَادِير غير منقسم تبين أَن مَحل المعقولات جَوْهَر لَيْسَ بجسم وَلَا أَيْضا قُوَّة فِي جسم فيلحقه مَا يلْحق الْجِسْم من الانقسام ثمَّ يتبعهُ سَائِر المحالات