مركب من مَجْمُوع دَلَائِل وَاضِحَة وشواهد لائحة من أحَاط علما يقينيا تَيَقّن قطعا أَن النَّفس لَيست بجسم وَلَا تحل الْأَجْسَام
وَطَرِيقه أَن نقُول إِن النَّفس لَو كَانَت جسما فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون حَالَة فِي الْبدن أَو خَارِجَة الْبدن فَإِن كَانَت خَارِجَة الْبدن فَكيف تُؤثر وَتصرف فِي هَذَا الْجِسْم وَكَيف يكون قوام الْبدن بهَا وَكَيف تتصرف فِي المعارف الْعَقْلِيَّة فِي الْملك والملكوت فتعرف الأول الْحق وتسافر فِي الْعرْفَان الْعقلِيّ وتستوفي المعقولات فِي ذَاتهَا وَإِن كَانَت حَالَة فِي الْبدن فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون حَالَة بِجَمِيعِ الْبدن أَو بِبَعْضِه فَإِن كَانَت حَالَة بِجَمِيعِ الْبدن فَكَانَ يَنْبَغِي إِذا قطع
[ ٣٢ ]
مِنْهُ طرف أَن تنتقص أَو تنزوي وتنتقل من عُضْو إِلَى عُضْو فَتَارَة تمتد بامتداد الْأَعْضَاء وَتارَة تتقلص بذبول الْأَعْضَاء وَهَذَا كُله محَال عِنْد من لَهُ غريزة صَحِيحَة وفطنة مُسْتَقِيمَة طَاهِرَة عَن شوائب الخيال وان كَانَت حَالَة فِي بعض الْبدن فَذَلِك الْبَعْض منقسم إِمَّا بِالْفِعْلِ أَو بِالْفَرْضِ فَيَنْبَغِي أَن تَنْقَسِم النَّفس إِلَى أَن تَنْتَهِي بالأقسام إِلَى أقل شَيْء وأحقره وَهَذَا مَعْلُوم إحالته على البديهة فَكيف يكون كَذَلِك حَال النَّفس الَّتِي هِيَ مَحل المعارف وَبِه شرف الانسان على جَمِيع الْحَيَوَانَات وَهُوَ المستعد للقاء الله تَعَالَى وَهُوَ الْمُخَاطب وَهُوَ المثاب وَهُوَ المعاقب وَهُوَ الَّذِي إِذا زَكَّاهُ الانسان أَفْلح وَإِذا دساه خَابَ وخسر وَهُوَ خُلَاصَة الموجودات وزبدة الكائنات فِي عَالم الْعود وَهُوَ الَّذِي يبْقى بعد موت الْبدن وَهُوَ الَّذِي كَانَ متحليا بالمعارف وصل إِلَى السَّعَادَة الأبدية فَرحا مُسْتَبْشِرًا بلقاء الله تَعَالَى ﴿أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله﴾ فَمن كَانَ لَهُ أدنى مسكة من الْعقل يعلم أَن الْجَوْهَر الَّذِي هَذَا مَحَله ومنزلته لَا يكون حَالا فِي الْبدن وَلَا يكون جُزْءا من الْبدن لَا دم وَلَا بخار وَلَا مزاج وَلَا غَيره وَأَيْضًا فَإنَّك تعلم أَن نَفسك مذ كنت لم تتبدل وَمَعْلُوم أَن الْبدن وصفات الْبدن كلهَا تتبدل إِذْ لَو لم تتبدل لَكَانَ لَا يغتذي لِأَن التغذي أَن يحل بِالْبدنِ بدل مَا تحلل فاذا نَفسك لَيْسَ من الْبدن وَصِفَاته فِي شَيْء
وَأَيْضًا لَو كَانَت النَّفس الانسانية منطبعة فِي الْبدن لَكَانَ ضعف فعلهَا مَعَ ضعف الْبدن لَكِنَّهَا لَا تضعف مَعَ ضعف الْبدن فَثَبت أَنَّهَا غير منطبعة فِيهِ وَدَلِيل عدم الضعْف الْمُشَاهدَة فَإِن بعد الْأَرْبَعين تكون الْقُوَّة الْبَدَنِيَّة فِي انحطاط وَالْقُوَّة الْعَقْلِيَّة فِي الزِّيَادَة والارتفاع
[ ٣٣ ]
وَأما الَّذِي يتَوَهَّم من أَن النَّفس تنسى ولاتفعل فعلهَا مَعَ مرض الْبدن وَعند الشيخوخة وان ذَلِك بِسَبَب أَن فعلهَا لَا يتم إِلَّا بِالْبدنِ فَظن غير ضَرُورِيّ وَلَا حق وَذَلِكَ أَنه بعد مَا صَحَّ لنا أَن النَّفس تفعل بذاتها يجب أَن يطْلب السَّبَب فِي هَذَا فان كَانَ قد يُمكن أَن يجْتَمع أَن للنَّفس فعلا بذاتها وانها أَيْضا تتْرك فعلهَا مَعَ مرض الْبدن وَلَا تفعل من غير تنَاقض فَلَيْسَ لهَذَا الِاعْتِرَاض اعْتِبَار
فَنَقُول إِن النَّفس لَهُ فعلان فعل لَهُ بِالْقِيَاسِ إِلَى الْبدن وَهُوَ السياسة وَفعل بِالْقِيَاسِ إِلَى ذَاته وَإِلَى مبادئه وَهُوَ التعقل وهما متعاندان متمانعان فَإِنَّهُ إِذا اشْتغل باحدهما انْصَرف عَن الآخر ويصعب عَلَيْهِ الْجمع بَين الْأَمريْنِ وشواغله من جِهَة الْبدن الاحساس والتخيل والشهوات وَالْغَضَب وَالْخَوْف وَالْغَم والوجع وَأَنت تعلم هَذَا بأنك إِذا أخذت تفكر فِي مَعْقُول تعطل عَلَيْك كل شَيْء من هَذِه إِلَّا أَن تغلب وتقسر النَّفس بِالرُّجُوعِ الى جهاتها
وَأَنت تعلم أَن الْحس يمانع النَّفس عَن التعقل إِذا أكبت على المحسوس من غير أَن يكون أصَاب آلَة التعقل أَو ذَاتهَا آفَة بِوَجْه وَتعلم أَن السَّبَب فِي ذَلِك هُوَ اشْتِغَال النَّفس بِفعل دون فعل فَلهَذَا السَّبَب مَا يتعطل أَفعَال الْعقل عِنْد الْمَرَض وَلَو كَانَت الصُّورَة المعقولة قد بطلت وفسدت لأجل الْآلَة لَكَانَ رُجُوع الْآلَة إِلَى حَالهَا يحوج إِلَى اكْتِسَاب من الرَّأْس وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ قد تعود النَّفس إِلَى ملكتها وهيأتها عَاقِلَة بِجَمِيعِ مَا عقلته بِحَالهِ فقد كَانَت إِذا كلهَا مَعهَا إِلَّا أَنَّهَا كَانَت مَشْغُولَة عَنهُ وَلَيْسَ اخْتِلَاف جهتي فعل النَّفس فَقَط يُوجب فِي أَفعاله التمانع بل تكْثر أَفعَال جِهَة وَاحِدَة قد يُوجب هَذَا بِعَيْنِه فان الْخَوْف يغْفل عَن الوجع والشهوة تصد عَن الْغَضَب وَالْغَضَب يصرف عَن الْخَوْف وَالسَّبَب فِي جَمِيع ذَلِك وَاحِد وَهُوَ انصراف النَّفس بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى أَمر وَاحِد وَكلهَا قوى النَّفس الْوَاحِدَة وَهِي ملكهَا والقوى رعيتها وجنودها فاذا لَيْسَ يجب اذا لم يفعل شَيْء فعله عِنْد اشْتِغَاله بِحَالَة لشَيْء أَن لَا يكون فَاعِلا فعله إِلَّا عِنْد وجود ذَلِك الشَّيْء
[ ٣٤ ]
وَلنَا أَن نتوسع فِي بَيَان هَذَا الْبَاب لِأَن هَذَا الْبَاب من أصعب أَبْوَاب النَّفس إِلَّا أَنه بعد بُلُوغ الْكِفَايَة ننسب الازدياد إِلَى تكلّف مَا لَا نحتاج اليه فقد ظهر من أصولنا الَّتِي قَررنَا أَن النَّفس لَيست منطبعة فِي الْبدن وَلَا قَائِمَة بِهِ فَيجب أَن تكون علاقتها مَعَ الْبدن علاقَة التَّدْبِير وَالتَّصَرُّف وَالله تَعَالَى ولي الْهِدَايَة والتوفيق
[ ٣٥ ]