أَن نقُول إِن الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة لَو كَانَت تعقل بالآلة الجسدانية حَتَّى يكون فعلهَا انما يستتم بِاسْتِعْمَال تِلْكَ الْآلَة الجسدانية لَكَانَ يجب أَن لَا تعقل ذَاتهَا وان لَا تعقل الْآلَة وان لَا تعقل انها عقلت فَإِنَّهُ لَيْسَ بَينهَا وَبَين ذَاتهَا آلَة وَلَيْسَ بَينهَا وَبَين آلتها آلَة وَلَا بَينهَا وَبَين أَنَّهَا عقلت آلَة لَكِنَّهَا تعقل ذَاتهَا وآلتها وَالَّتِي تدعى آلتها وَأَنَّهَا عقلت فَإِذا تعقل بذاتها لَا بالآلة وَأَيْضًا لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون تعقلها آلتها إِمَّا لوُجُود ذَات صُورَة آلتها وَإِمَّا أُخْرَى مُخَالفَة لَهَا وَهِي صُورَة أَيْضا فِيهَا وَفِي آلتها أَو لوُجُود صُورَة آلتها فصورة آلتها فِي آلتها بِالشّركَةِ دَائِما فَيجب أَن تعقل آلتها دَائِما الَّتِي كَانَت تعقل لوُجُود صُورَة آلتها وان كَانَ لوُجُود صُورَة غير تِلْكَ الصُّورَة فَإِن الْمُغَايرَة بَين أَشْيَاء تدخل فِي حد وَاحِد إِمَّا لاخْتِلَاف الْموَاد والأعراض وَإِمَّا لاخْتِلَاف مَا بَين الْكُلِّي والجزئي والمجرد عَن الْمَادَّة والوجود فِي الْمَادَّة وَلَيْسَ هَهُنَا اخْتِلَاف مواد وأعراض فَإِن الْمَادَّة وَاحِدَة والاعراض وَاحِدَة وَلَيْسَ هَهُنَا
[ ٣١ ]
اخْتِلَاف بالتجريد والوجود فِي الْمَادَّة فَإِن كليهمَا فِي الْمَادَّة وَلَيْسَ هَهُنَا اخْتِلَاف الْخُصُوص والعموم لِأَن أَحدهمَا انما يَسْتَفِيد الْجُزْئِيَّة بِسَبَب الْمَادَّة الْجُزْئِيَّة واللواحق الَّتِي تلحقها من جِهَة الْمَادَّة الَّتِي فِيهَا وَهَذَا الْمَعْنى لَا يخْتَص بِأَحَدِهِمَا دون الآخر وَأما ذَات النَّفس فانها تدْرك دَائِما وجودهَا لَا شَيْئا من الْأَجْسَام الَّتِي مَعهَا وفيهَا وَلَا يجوز أَن يكون لوُجُود صُورَة أُخْرَى معقولة غير صُورَة آلتها فان هَذَا أَشد اسْتِحَالَة لِأَن الصُّورَة المعقولة إِذا حلت الْجَوْهَر الْعَاقِل جعلته عَاقِلا لما تِلْكَ الصُّورَة صورته أَو لما تِلْكَ الصُّورَة مُضَافَة اليه فَتكون صُورَة الْمُضَاف دَاخِلَة فِي هَذِه الصُّورَة وَهَذِه الصُّورَة المعقولة لَيست صُورَة هَذِه الْآلَة وَلَا أَيْضا صُورَة شَيْء مُضَاف اليها بِالذَّاتِ لِأَن ذَات هَذِه الْآلَة جَوْهَر وَنحن انما نَأْخُذ ونعتبر صُورَة ذَاته والجوهر فِي ذَاته غير مُضَاف الْبَتَّةَ فَهَذَا برهَان عَظِيم على أَنه لَا يجوز أَن يدْرك الْمدْرك للآلة الَّتِي هِيَ آلَته فِي الْإِدْرَاك وَلِهَذَا فان الْحس انما يحس شَيْئا خارجيا وَلَا يحس ذَاته وَلَا فعله وَلَا آلَته بل إِن تخيل آلَته تخيلها لَا على نَحْو يَخُصُّهُ بِأَنَّهُ لَا محَالة لَهُ دون غَيره إِلَّا أَن يكون الْحس يُورد عَلَيْهِ صُورَة آلَته لَو أمكن فَيكون حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَحْكِي خيالا مأخوذا عَن الْحس غير مُضَاف عِنْده إِلَى شَيْء حَتَّى لَو لم تكن آلَته كَذَلِك لم يتخيله