اعْلَم أَن الرسَالَة أَثَرَة علوِيَّة وخطوة ربانية وعطية آلهية لَا تكتسب بِجهْد وَلَا تنَال بكسب ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان﴾ لَكِن الْجهد وَالْكَسْب فِي إعداد النَّفس لقبُول آثَار الْوَحْي بالعبادات المشفوعة بالفكر والمعاملات الْخَالِصَة عَن الرُّؤْيَا والسمعة من لوازمها فَلَيْسَ الْأَمر فِيهَا اتفاقيا جغرافيا حَتَّى ينالها كل من دب ودرج أَو مُرَتبا على جهد وَكسب حَتَّى يُصِيبهَا كل من فكر وأدلج وكما ان الانسانية لنَوْع الانسان والملكية لنَوْع الْمَلَائِكَة لَيست مكتسبة لأشخاص النَّوْع وان الْعَمَل بِمُوجب النوعية لَيْسَ يَخْلُو عَن اكْتِسَاب وَاخْتِيَار لاعداد واستعداد كَذَلِك النُّبُوَّة لنَوْع الانبياء لَيست مكتسبة لأشخاص النَّوْع وان الْعَمَل بِمُوجب النُّبُوَّة لَيْسَ يَخْلُو عَن اكْتِسَاب وَاخْتِيَار لاعداد واستعداد فيوحى اليه ﴿طه مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى﴾ حِين تورمت قدماه من الْعِبَادَة حَتَّى قَالَ ﵇ أَفلا أكون عبدا شكُورًا وَكَانَ ﷺ يَتَحَنَّث بحراء
[ ١٣٠ ]
قبل الْوَحْي وحبب اليه الْخلْوَة وَكَانَ يرى الرُّؤْيَا فتأتي مثل فلق الصُّبْح على انها أَحْوَال عرضية وأعراض طارئة على النوعية بِنَوْع استيجاب وَاسْتِحْقَاق من كَمَال تركيب المزاج وَحسن الصُّورَة وَتَمام الِاعْتِدَال وطهارة النشوة والتربة وَطيب الأعراق وَمَكَارِم الْأَخْلَاق والسمت الصَّالح والأناة وَالْوَقار ولين الْجَانِب وخفض الْجنَاح وَالرَّحْمَة والرأفة بالأولياء والشدة والبأس على الْأَعْدَاء وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة والصون عَن جَمِيع الرذائل والتحلي بانواع الْفَضَائِل وزكاء الْعرض عَن جَمِيع الدنيات وَالْعَفو عَمَّن ظلمه والاحسان الى من أَسَاءَ اليه وصلَة الرَّحِم وَحفظ الْغَيْب وَحسن الْجوَار واعانة الْمَظْلُوم واغاثة الملهوف وَحب الْمَعْرُوف وبغض الْمُنكر وَغير ذَلِك ﴿مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ فِي هَذَا الْعَالم مازاغ الْبَصَر وَمَا طَغى فِي ذَلِك الْعَالم تعنو لنَفسِهِ نفوس الْعَالمين طَوْعًا وَكرها وَهُوَ غير متكبر وَلَا جَبَّار وَلَا فظ وَلَا غليظ يهاب اذا سكت وَلَا يعاب إِذا نطق لطيف الشَّمَائِل اذا تحرّك وَسكن قد نَهَضَ بِاحْتِمَال أعباء ماحمل من الرسَالَة فأداها وأفاض رَحمته على الْعَالمين فوفاها ﷺ وعَلى آله الطيبين الطاهرين