نقُول إِن النَّفس لَا يتَطَرَّق اليها الفناء والعدم وَالْفساد والهلاك وَذَلِكَ ان كل شَيْء من شَأْنه ان يفْسد بِسَبَب مَا فَفِيهِ قُوَّة ان يفْسد وَقبل الْفساد فِيهِ فعل ان يبْقى ومحال ان يكون من جِهَة وَاحِدَة وَفِي شَيْء وَاحِد قُوَّة ان يفْسد وَفعل ان يبْقى بل تهيؤه للْفَسَاد لَيْسَ لفعل ان يبْقى فان معنى الْقُوَّة مُغَاير لِمَعْنى الْفِعْل واضافة هَذِه الْقُوَّة مُغَايرَة لأضافة هَذَا الْفِعْل لِأَن اضافة ذَلِك إِلَى الْفساد واضافة هَذَا إِلَى الْبَقَاء فاذا لأمرين مُخْتَلفين فِي الشَّيْء يُوجد هَذَانِ المعنيان وَهَذَا انما يكون فِي الْأَشْيَاء المركبة أَو الْأَشْيَاء البسيطة فِي المركبة وَأما فِي الاشياء البسيطة الْمُفَارقَة الذَّات فَلَا يجوز فِيهَا هَذَانِ الامران
ونقول بِوَجْه مُطلق أَنه لَا يجوز ان يجْتَمع فِي شَيْء احدي الذَّات هَذَانِ المعنيان وَذَلِكَ لَان كل شَيْء يبْقى وَله قُوَّة ان يفْسد فَلهُ قُوَّة ان يبْقى لِأَن
[ ١٢٠ ]
بَقَاءَهُ لَيْسَ بِوَاجِب ضَرُورِيّ وَإِذا لم يكن وَاجِبا كَانَ مُمكنا والامكان طبيعة الْقُوَّة فَإِذا يكون لَهُ فِي جوهره قُوَّة ان يبْقى وَفعل ان يبْقى وَفعل ان يبْقى مِنْهُ لَا محَالة لَيْسَ هُوَ قُوَّة ان يبْقى مِنْهُ وَهَذَا بَين فَيكون إِذا فعل ان يبْقى مِنْهُ امرا يعرض للشَّيْء الَّذِي لَهُ قُوَّة ان يبْقى مِنْهُ فَتلك الْقُوَّة لَا تكون لذات مَا بِالْفِعْلِ بل للشَّيْء الَّذِي يعرض لَهُ ان يبْقى بِالْفِعْلِ لَا بِوُجُود ذَاته
فَلَزِمَ من هَذَا ان تكون ذَاته مركبة من شَيْء كَانَ بِهِ ذَاته مَوْجُودا بِالْفِعْلِ وَهُوَ الصُّورَة فِي كل شَيْء وَمن شَيْء حصل لَهُ هَذَا الْفِعْل وَفِي طباعه قوته وَهُوَ مادته فان كَانَت النَّفس بسيطة مُطلقَة لم يَنْقَسِم إِلَى مَادَّة وَصُورَة وان كَانَت مركبة فلنترك الْمركب ولننظر فِي الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ مادته ولنصرف القَوْل إِلَى نفس مادته ولنتكلم فِيهَا
ونقول إِن تِلْكَ الْمَادَّة إِمَّا ان تَنْقَسِم هَكَذَا دَائِما وَنثْبت الْكَلَام دَائِما وَهَذَا محَال وَإِمَّا ان لَا يبطل الشَّيْء الَّذِي هُوَ الْجَوْهَر والسنخ وكلامنا فِي هَذَا الشَّيْء الَّذِي هُوَ السنخ والاصل لَا فِي شَيْء يجْتَمع مِنْهُ وَمن شَيْء آخر فَبين أَن كل شَيْء هُوَ بسيط غير مركب أَو هُوَ أصل مركب وسنخه فَهُوَ غير مُجْتَمع فِيهِ فعل ان يبْقى وَقُوَّة ان يعْدم بِالْقِيَاسِ إِلَى ذَاته فاذا كَانَت فِيهِ قُوَّة أَن يعْدم فمحال أَن يكون فِيهِ فعل أَن يبْقى وَإِن كَانَ فِيهِ فعل ان يبْقى وان يُوجد فَلَيْسَ فِيهِ قُوَّة ان يعْدم فَبين إِذا ان جَوْهَر النَّفس لَيْسَ فِيهِ قُوَّة ان يفْسد
وَأما الكائنات الَّتِي تفْسد فان الْفَاسِد مِنْهَا هُوَ الْمركب الْمُجْتَمع وَقُوَّة ان تفْسد وان تبقى لَيْسَ فِي الْمَعْنى الَّذِي بِهِ الْمركب وَاحِد بل فِي الْمَادَّة الَّتِي هِيَ بِالْقُوَّةِ قَابِلَة كلا الضدين فَلَيْسَ إِذا فِي الْفَاسِد الْمركب لَا قُوَّة ان يبْقى وَلَا قُوَّة ان يفْسد فَلم يجتمعا فِيهِ
وَأما الْمَادَّة فاما ان تكون بَاقِيَة لَا بِقُوَّة تستعد بهَا للبقاء كَمَا يظنّ قوم وَإِمَّا ان تكون بَاقِيَة بِقُوَّة بهَا تبقى وَلَيْسَ لَهَا قُوَّة ان تفْسد بل قُوَّة ان تفْسد شَيْء
[ ١٢١ ]
آخر فِيهَا يحدث والبسائط الَّتِي فِي الْمَادَّة فان قُوَّة فَسَادهَا هُوَ فِي الْمَادَّة لَا فِي جوهرها والبرهان الَّذِي يُوجب ان كل كَائِن فَاسد من جِهَة تناهي قُوَّة النَّفْي والبطلان انما يُوجب فِيمَا كَونه من مَادَّة وَصُورَة وَيكون فِي مادته قُوَّة ان يبْقى فِيهِ هَذِه الصُّورَة وَقُوَّة ان تفْسد هِيَ فيهمَا مَعًا فقد بَان إِذا ان النَّفس لَا تفْسد الْبَتَّةَ وَإِلَى هَذَا سقنا كلامنا وَالله ولي التَّوْفِيق
[ ١٢٢ ]