أما الشَّرْع فَجَمِيع خطابات الشَّرْع تدل على أَن النَّفس جَوْهَر وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَات الْوَارِدَة فِي الشَّرْع بعد الْمَمَات تدل على أَن النَّفس جَوْهَر فان الْأَلَم وَإِن حل بِالْبدنِ فلأجل النَّفس ثمَّ للنَّفس عَذَاب آخر يَخُصُّهُ وَذَلِكَ كالخزي وَالْحَسْرَة وألم الْفِرَاق وَكَذَلِكَ مَا يدل على بَقَائِهِ على مَا سنبين فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما من حَيْثُ الْعقل فَمن وَجْهَيْن وَجه عَام يُمكن اثباته مَعَ كل أحد وَوجه خَاص يتفطن لَهُ أهل الْخُصُوص والانصاف
أما الأول فَهُوَ أَن يعلم أَن حَقِيقَة الانسان لَيْسَ عبارَة عَن الْجِسْم فَحسب فانه انما يكون انسانا إِذا كَانَ جوهرا وَأَن يكون لَهُ امتداد فِي أبعاد تفرض طولا وعرضا وعمقا وَأَن يكون مَعَ ذَلِك ذَا نفس وَأَن تكون نَفسه نفسا يغتذي بهَا ويحس ويتحرك بالإرادة وَمَعَ ذَلِك يكون بِحَيْثُ يصلح لِأَن يتفهم المعقولات ويتعلم الصناعات ويعملها إِن لم يكن عائق من خَارج لَا من جِهَة الانسانية فَإِذا التأم جَمِيع هَذَا حصل من جُمْلَتهَا ذَات وَاحِدَة هِيَ ذَات الانسان فاذا ثَبت بِهَذَا أَن حَقِيقَة الانسان لَا تكون عرضا لِأَن الْأَعْرَاض يجوز أَن
[ ٢٣ ]
تتبدل والحقيقة بِعَينهَا بَاقِيَة فان الْحَقَائِق لَا تتبدل فَإِذا مَا هُوَ ثَابت فِيك مذ كنت فَهُوَ نَفسك ومايطرأ عَلَيْك وَيَزُول فَهُوَ الْأَعْرَاض
وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ الْبَيَان الْخَاص فَهُوَ الَّذِي يصلح لأهل الفطانة وَمن فِيهِ لطف الْفَهم والاصابة فَهُوَ انك إِذا كنت صَحِيحا مطرحا عَنْك الْآفَات مجنبا عَنْك صدمات الْهوى وَغَيرهَا من الطوارق والآفات فَلَا تتلامس أعضاؤك وَلَا تتماس أجزاؤك وَكنت فِي هَوَاء طلق أَي معتدل فَفِي هَذِه الْحَالة أَنْت لَا تغفل عَن إنيتك وحقيقتك بل وَفِي النّوم أَيْضا فَكل من لَهُ فطانة ولطف وكياسة يعلم أَنه جَوْهَر وانه مُجَرّد عَن الْمَادَّة وعلائقها وانه لَا تعزب ذَاته عَن ذَاته لِأَن معنى التعقل حُصُول مَاهِيَّة مُجَرّدَة للعاقل وذاته مُجَرّدَة لذاته فَلَا يحْتَاج إِلَى تَجْرِيد وتقشير وَلَيْسَ هَهُنَا مَاهِيَّة ثمَّ معقولية بل ماهيته معقوليته ومعقوليته ماهيته وَهَذِه نُكْتَة نفيسة عَظِيمَة وستقف عَلَيْهَا ان شَاءَ الله اشرح من هَذَا
ثمَّ الدَّلِيل على صِحَة هَذَا الْبَيَان الْخَاص أَنه لَو لم يكن الْمدْرك والمشعور بِهِ هُوَ حقيقتك أَي نَفسك بل يكون هُوَ الْبدن وعوارضه لَكَانَ لَا يَخْلُو إِمَّا ان يكون الشُّعُور بِهِ جملَة بدنك أَو بعضه وَبَطل أَن تكون الْجُمْلَة لِأَن الانسان فِي الْفَرْض الْمَذْكُور قد يكون غلا عَن جملَة الْبدن وَهُوَ مدرك نَفسه وان كَانَ بَعْضًا مِنْهُ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون ظَاهرا أَو بَاطِنا فان كَانَ ظَاهرا فَهُوَ مدرك بالحس وَالنَّفس غير مدركة بالحس كَيفَ وَنحن فِي الْفَرْض الْمَذْكُور قد أَغْفَلنَا الْحَواس عَن أفعالها وفرضنا أَن الاعضاء لَا تتماس وان كَانَ النَّفس والذات عضوا بَاطِنا من قلب أَو دماغ فَلَا يجوز أَيْضا لِأَن الْأَعْضَاء الْبَاطِنَة انما يُوصل اليها بالتشريح فَثَبت أَن مدركك لَيْسَ شَيْئا من هَذِه الْأَشْيَاء فانك قد لَا تدركها وتدرك ذاتك ضَرُورَة فَمَا ألجئت إِلَى ادراكه ضَرُورَة لَا يكون قطعا مَا لَا يدْرك إِلَّا بِالنّظرِ فاذا ثَبت بِهَذَا أَن ذاتك لَيْسَ من عداد ماتدركه بالحس أَو مِمَّا يشبه الْحس بِوَجْه من الْوُجُوه
[ ٢٤ ]