إعلم أَن الادراك أَخذ صُورَة الْمدْرك وَبِعِبَارَة أُخْرَى الادراك أَخذ مِثَال حَقِيقَة الشَّيْء لَا الْحَقِيقَة الخارجية فان الصُّورَة الخارجية لَا تحل الْمدْرك بل مِثَال مِنْهَا فان المحسوس بِالْحَقِيقَةِ لَيْسَ هُوَ الْخَارِج بل مَا تمثل فِي الحاس فالخارج هُوَ الَّذِي المحسوس انتزع مِنْهُ والمحسوس هُوَ الَّذِي وَقع فِي الْحَال فشعر بِهِ وَلَا معنى لشعوره إِلَّا وُقُوعه فِيهِ وانطباعه بِهِ وَكَذَلِكَ الْمَعْقُول هُوَ مِثَال الْحَقِيقَة المرتسم فِي النَّفس لِأَن الْعقل يجرده عَن جَمِيع الْعَوَارِض واللواحق الغريبة ان كَانَ يحْتَاج إِلَى التَّجْرِيد
وَأما مَرَاتِب الادراكات فِي التَّجْرِيد فَاعْلَم أَولا أَن الْمدْرك الَّذِي يفْتَقر إِلَى تَجْرِيد لَا يَخْلُو فِي الْوُجُود الْخَارِجِي عَن لواحق غَرِيبَة وأعراض غاشية من قدر وَكَيف وَأَيْنَ وَوضع فَإِن الانسان مثلا لَهُ حَقِيقَة وَهُوَ الْحَيّ النَّاطِق وَتلك الْحَقِيقَة عَامَّة لأشخاص النَّوْع وَلَا تكون فِي الْوُجُود تِلْكَ الْحَقِيقَة لَا خَاصَّة وَلَا عَامَّة إِلَّا مَعَ لواحق غَرِيبَة فان الانسان لَو كَانَ عَاما لما كَانَ زيد الْخَاص انسانا وَلَو كَانَ خَاصّا بِأَن يكون زيد هُوَ الانسان لكَونه زيدا لما كَانَ عَمْرو انسانا لِأَن الشَّيْء إِذا كَانَ لذاته مَا وجد لغيره
فَإِذا فهمت هَذَا فَاعْلَم أَن مَرَاتِب المدركات مُخْتَلفَة فِي التَّجْرِيد عَن هَذِه الغواشي واللواحق وَهُوَ على أَربع مَرَاتِب
[ ٦١ ]
الأولى انما هِيَ الْحس فانه يجرد نوعا من التَّجْرِيد إِذْ لَا تحل فِي الحاس تِلْكَ للصورة بل مِثَال مِنْهَا إِلَّا أَن ذَلِك الْمِثَال انما يكون إِذا كَانَ الْخَارِج على قدر مَخْصُوص وَبعد مَخْصُوص ويناله مَعَ تِلْكَ الْهَيْئَة والوضع فَلَو غَابَ عَنهُ أَو وَقع لَهُ حجاب لَا يُدْرِكهُ
الْمرتبَة الثَّانِيَة ادراك الخيال وتجريده أتم قَلِيلا وأبلغ تحصيلا فَإِنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى الْمُشَاهدَة بل يدْرك مَعَ الغيبوبة إِلَّا أَنه يدْرك مَعَ تِلْكَ اللواحق والغواشي من الْكمّ والكيف وَغير ذَلِك
الْمرتبَة الثَّالِثَة إِدْرَاك الْوَهم وتجريده أتم وأكمل مِمَّا سبق فَإِنَّهُ يدْرك الْمَعْنى عَن اللواحق وغواشي الْأَجْسَام كالعداوة والمحبة والمخالفة والموافقة إِلَّا أَنه لَا يدْرك عَدَاوَة كُلية ومحبة كُلية بل يدْرك عَدَاوَة جزئية بِأَن يعلم أَن هَذَا الذِّئْب عَدو ومهروب عَنهُ وَإِن هَذَا الْوَلَد صديق مَعْطُوف عَلَيْهِ
الْمرتبَة الرَّابِعَة إِدْرَاك الْعقل وَذَلِكَ هُوَ التَّجْرِيد الْكَامِل عَن كل غاشية وَجَمِيع لواحق الْأَجْسَام بل جناب ادراكه منزه عَن أَن يحوم بِهِ لواحق الاجسام من الْقدر والكيف وَجَمِيع الاعراض الجسمية وَيدْرك معنى كليا لَا يخْتَلف بالاشخاص فَسَوَاء عِنْده وجود الاشخاص وَعدمهَا وسواسية لَدَيْهِ الْقرب والبعد بل ينفذ فِي أَجزَاء الْملك والملكوت وَينْزع الْحَقَائِق مِنْهَا ويجردها عَمَّا لَيْسَ مِنْهَا هَذَا ان كَانَ يحْتَاج الْمدْرك الى تَجْرِيد فَإِن كَانَ منزها عَن لواحق الاجسام مبرا عَن صفاتها فقد كفى الْمُؤْنَة فَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يفعل بِهِ فعلا بل يُدْرِكهُ كَمَا هُوَ
[ ٦٢ ]