وكما أَن حَرَكَة الْجِسْم تدل على المحرك والمتحرك إِذا لم يكن طبيعيا فَيدل على مدرك يحركه بالارادة والمدرك قد يكون ظَاهرا وَقد يكون بَاطِنا وَقد يكون عقليا نظريا أَو عمليا
فَكَذَلِك فَاعْلَم أَن وجود الْأَجْسَام مقعر فلك الْقَمَر قَابِلَة للتركيب فَإِن الطين مثلا مركب من المَاء وَالتُّرَاب
فَنَقُول هَذَا التَّرْكِيب الْمشَاهد يدل على وجود الْحَرَكَة المستقيمة وتدل الْحَرَكَة من حَيْثُ مسافتها على ثُبُوت جِهَتَيْنِ محدودتين مختلفتين بالطبع وَيدل اخْتِلَاف الْجِهَتَيْنِ على وجود جسم مُحِيط كالسماء وتدل الْحَرَكَة من حَيْثُ حدوثها على أَن لَهَا سَببا ولسببها سَببا إِلَى غير نِهَايَة وَلَا يُمكن ذَلِك إِلَّا بحركة السَّمَاء حَرَكَة دورية وَالْحَرَكَة الدورية لاتكون إِلَّا ارادية والارادة الْجُزْئِيَّة لَا تكون إِلَّا مستمدة من إِرَادَة كُلية والإرادة الْجُزْئِيَّة تكون للنَّفس والإرادة الْكُلية تكون لِلْعَقْلِ
فقد ثَبت بِهَذَا وجود العناصر الْقَابِلَة للتركيب وَوُجُود السَّمَاوَات المتحركة المحركة للعناصر وَالسَّمَاوَات المتحركة تدل على محركات هِيَ نفوس سَمَاوِيَّة والنفوس مستمدة من الْعُقُول وَالْكل مُسْتَند إِلَى الله تَعَالَى إبداعا وانشاء واختراعا وخلقا واحداثا وتكوينا وايجادا وإبداء واعادة وبعثا فَلهُ الْملك كُله وَالْملك
[ ١٧٥ ]
كُله هُوَ الأول بِلَا أول كَانَ قبله الآخر بِلَا آخر يكون بعده الَّذِي قصرت عَن رُؤْيَته أبصار الناظرين وعجزت عَن نَعته أَوْهَام الواصفين ابتدع الْخلق بقدرته ابتداعا واخترعهم على مَشِيئَته اختراعا
فَأَشْرَف المبدعات هُوَ الْعقل أبدعه بِالْأَمر من غير سبق مَادَّة وزمان وَمَا هُوَ إِلَّا مَسْبُوق بِالْأَمر فَقَط وَلَا يُقَال فِي الْأَمر أَنه مَسْبُوق بالباري تَعَالَى وَلَا مَسْبُوق بل التَّقَدُّم والتأخر انما يعتوران على الموجودات الَّتِي هِيَ تَحت التضاد والباري تَعَالَى هُوَ الْمُقدم الْمُؤخر لَا الْمُتَقَدّم الْمُتَأَخر وَمَا دون الْعقل هُوَ النَّفس وَهُوَ مَسْبُوق بِالْعقلِ وَالْعقل مُتَقَدم عَلَيْهِ بِالذَّاتِ لَا بِالزَّمَانِ وَالْمَكَان والمادة فالسبق بِالذَّاتِ انما ابْتَدَأَ من الْعقل فَقَط والسبق بِالزَّمَانِ إِنَّمَا ابْتَدَأَ من النَّفس والسبق بِالْمَكَانِ انما ابْتَدَأَ من الطبيعة فالطبيعة إِذا سَابِقَة على الْمَكَان والمكانيات وَلَا يعتورها الْمَكَان بل يبتدي الْمَكَان من تحريكها أَو حركتها فِي الْجِسْم وَالنَّفس سَابِقَة على الزَّمَان والزمانيات وَلَا يعتورها الزَّمَان بل الزَّمَان والدهر يبتدىء مِنْهَا أَعنِي من شوقها إِلَى كَمَال الْعقل وَالْعقل سَابق على الذوات والذاتيات وَلَا يعتوره الذَّات والجوهرية بل الجوهرية انما تبتدىء مِنْهُ أَعنِي هُوَ مبدأ الْجَوَاهِر وَالسَّابِق على الذوات والجواهر والدهر وَالزَّمَان وَالْمَكَان والجسم والمادة وَالصُّورَة وَلَا يُوصف بِشَيْء مِمَّا تَحْتَهُ إِلَّا بالمجاز وَمن لَهُ الْخلق وَالْأَمر فَلهُ الْملك وَالْملك وَهُوَ الأول وَالْآخر حَتَّى يعلم أَنه لَيْسَ بزماني وَهُوَ الظَّاهِر وَالْبَاطِن حَتَّى يعلم أَنه لَيْسَ بمكاني ﷻ وتقدست أسماؤه ونعني بِالْأَمر الْقُوَّة الالهية وَالَّذِي يُقَال من أَن الْعقل صدر عَنهُ بالابداع شَيْء لَيْسَ ادِّعَاء بِأَنَّهُ الْمُبْدع كلا بل نعني بِهِ تَنْزِيه الْحق الأول أَن يفعل بِالْمُبَاشرَةِ فَأَما الْمُبْدع بِالْحَقِيقَةِ فَهُوَ من لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك اسْمه
وكما أَن النَّفس وَاحِدَة وَلها قوى واشراقها على الْبدن وَالروح الحيواني يفعل فِي كل مَوضِع فعلا آخر لاخْتِلَاف القوى فَفِي مَوضِع الابصار وَفِي مَوضِع السّمع وَفِي مَوضِع الشم وَفِي مَوضِع الْحس الْمُشْتَرك وَفِي مَوضِع التخيل والتوهم وَغير
[ ١٧٦ ]
ذَلِك فَكَذَلِك أَمر الأول الْحق ﷻ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وجود الْعقل ابداع وبالنسبة إِلَى وجوده فِي دَوَامه تَكْمِيل بِالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّفس تتميم وتوجيه من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل وبالنسبة إِلَى الطبيعة تَحْرِيك وبالنسبة إِلَى الْأَجْسَام تصريف وبالنسبة إِلَى الطبائع والعناصر تَعْدِيل وبالنسبة إِلَى المركبات تَصْوِير وبالنسبة إِلَى المصورات احياء وبالنسبة إِلَى الْحَيَوَان إحساس وهداية وبالنسبة إِلَى الْعقل الانساني تَكْلِيف وتعريف وبالنسبة إِلَى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَمر وَكَلَام وكلمات وَقَول وَكتاب ورسالات مَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا فَيُوحِي باذنه مَا يَشَاء إِنَّه عَليّ حَكِيم فَالْأَمْر الْأَعْلَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى المكونات عبارَة عَن التكوين والابداع وبالنسبة إِلَى جزئيات الْمُكَلّفين عبارَة عَن القَوْل الَّذِي هُوَ الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد وَالْخَبَر والاستخبار فَظَاهر الْأَمر التكويني أوضاع الْمَلَائِكَة وسوقها الموجودات إِلَى كمالاتها وكمالات الموجودات قبُولهَا الْأَمر وكمالات الْمُكَلّفين قبُولهَا للثَّواب فَمن لم يقبل الْأَمر اخْرُج من عَالم الْحق والاخراج من الْحق لعن كَحال الشَّيْطَان الأول إِذْ لم يقبل الْأَمر فَأخْرج من جنَّة الْعقل وَقيل اخْرُج مِنْهَا فانك رجيم وَذَلِكَ معنى اللَّعْن وَمن قبل الْأَمر ادخل فِي عَالم الثَّوَاب وتحققت فِيهِ الملكية كَحال الْمَلَائِكَة المأمورين بِالسُّجُود إِذْ قبلوا فَدَخَلُوا فِي عَالم الثَّوَاب
وكما تَسْتَغْنِي القوى النباتية والحيوانية والانسانية عَن إمداد النَّفس لَحْظَة وَاحِدَة بل لَا بُد من دوَام الأشراق عَلَيْهَا وامداد تأثيرها حَتَّى يَنْتَظِم الْعَالم الصَّغِير فَكَذَلِك فِي الْعَالم الْكَبِير نقُول فِي المبدا إِن كل صَاحب مرتبَة وَإِن تولى مَا قيض لَهُ وأرصد لعمله فَلَنْ يَسْتَغْنِي عَمَّا فَوْقه بالامداد لَهُ والافاضة عَلَيْهِ وَالنَّظَر اليه والتأييد لَهُ وَكَذَلِكَ فِي الْعود إِن كل صَاحب مرتبَة وَإِن نقل عمله إِلَى مافوقه فَلَنْ يَنْقَطِع عمله من معملته بِالْكُلِّيَّةِ وَلَو انْقَطع عمل الطبيعة لبطلت القوى
[ ١٧٧ ]
النباتية وببطلانها بطلت القوى الحيوانية وَكَذَلِكَ لَو انْقَطع عمل النَّفس لبطلت القوى الحيوانية وببطلانها بطلت الانسانية وَكَذَلِكَ لَو انْقَطع عمل الْعقل لبطلت القوى الانسانية وببطلانها بطلت النُّبُوَّة
فالطبيعة حافظة للنَّفس النباتية وَالنَّفس حافظة للنفوس الحيوانية وَالْعقل حَافظ للنَّفس الناطقة الانسانية وَأمر الْبَارِي تَعَالَى حَافظ للنَّفس القدسية النَّبَوِيَّة إِن كل نفس عَلَيْهَا حَافظ هَذَا على الْعُمُوم ﴿لَهُ مُعَقِّبَات من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله﴾ أَي بِأَمْر الله وَهَذَا على الْخُصُوص فَالْأول الْحق كَمَا أبدع الْعقل الأول أكمله بِالْفِعْلِ وكما اخترع بِوَاسِطَة النَّفس أتمهَا بِالْقُوَّةِ المتوجهة إِلَى كَمَال الْعقل وكما ابتدع بواسطتها الطبيعة أمدها بالتحرك وكما أحدث الْأَجْسَام قدرهَا بالتصريف وكما ركب العناصر سواهَا بالاعتدال وكما عدل الأمشاج والأمزجة أظهرها بالتصور وكما صورها أَحْيَاهَا بالنفوس وكما سخرها بالنفوس دبرهَا بالعقول وكما دبر الْعُقُول سَاقهَا إِلَى معادها بالتكليف والشرائع فَأمر وَنهى وَبشر وأنذر ووعد وأوعد على لِسَان الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ خلقه الْعَالم كمن بنى دَارا وسرح فِيهَا من عبيده خلقا كثيرا فرتب لكل وَاحِد مِنْهُم مَا خلقه لأَجله وَقطع عَنْهُم نظره وتدبيره وَعلمه وَقدرته وإرادته فهم بخلقه يعْملُونَ لِلْأَمْرِ وبحكمه يتصرفون فَلَا الدَّار محتاجة فِي بَقَائِهَا إِلَى مُمْسك إِذْ قد اسْتغنى الْبناء عَن الْبَانِي كَمَا ظَنّه قوم وَلَا أَهلهَا محتاجون إِلَى مُدبر ومقدر إِذا استغنوا بفطرتهم على مَا هم عَلَيْهِ عَن تَجْدِيد أحد وبنيان بَان كَمَا يخيله قوم بل كَمَا كَانُوا مُحْتَاجين فِي وجودهم إِلَى خلقه تَعَالَى كَانُوا مُحْتَاجين فِي دوَام وجودهم بذواتهم لم يكن دوَام وجودهم بذواتهم فَهُوَ القيوم على الملكوت ﷻ
وكما اسْتكْمل الْآدَمِيّ بدنا بالطبيعة حَتَّى عَاشَ فِي هَذَا الْعَالم فَيجب أَن
[ ١٧٨ ]
يستكمل نفسا بالشريعة حَتَّى يعِيش فِي ذَلِك الْعَالم فقيضت الْمَلَائِكَة مسخرين للطبيعة فَحصل كَمَال الْأَبدَان وَبعث الْأَنْبِيَاء ﵈ مُدبرين للشريعة حَتَّى حصل كَمَال النُّفُوس وكما أَن الصفوة فِي المزاج انما حصلت بابتلاء الامشاج واستخلاص الْموَاد حَتَّى صَار مولودا سميعا بَصيرًا فِي هَذَا الْعَالم كَذَلِك الصفوة فِي النُّفُوس إِنَّمَا حصلت بابتلاء التكاليف واستخلاص النُّفُوس حَتَّى صَار سميعا بَصيرًا كَامِلا فِي ذَلِك الْعَالم وَلَوْلَا تِلْكَ التصفية لم يكن ليَبْعَث ملك إِلَى عَالم الْأَرْحَام وَلَوْلَا هَذِه التصفية لم يكن ليَبْعَث نَبِي إِلَى عَالم الْأَحْكَام
وأعجب بروحانيين متوسطين فِي الْخلق وجسمانيين متوسطين فِي الْأَمر وَالْمَلَائِكَة يحشرون الْخلق من التُّرَاب إِلَى تَمام الْخلقَة الانسانية لهَذَا الْعَالم والأنبياء ﵈ يحشرون الْخلق من الْجَهْل إِلَى تَمام الْفطْرَة الملكية لذَلِك الْعَالم فالملائكة والأنبياء ﵈ فِي عالمي الْخلق وَالْأَمر عُمَّال الْأَمر الْأَعْلَى وكل بأَمْره يعْملُونَ وَمن خَشيته مشفقون يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون
فَإِن قَالَ قَائِل مَا ذكرْتُمْ فِي إِثْبَات هَذِه المعارج والموازنات بَين النَّفس وَبَين الله تَعَالَى وَصِفَاته وأفعاله كلهَا تُشِير إِلَى إِثْبَات مشابهة ومضاهاة بَين العَبْد وَبَين الله وَمَعْلُوم شرعا وعقلا إِن الله لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَأَنه لَا يشبه شَيْئا وَلَا يُشبههُ شَيْء
فَالْجَوَاب أَن نقُول قد أَشَرنَا فِي إِثْبَات هَذِه المعارف مَا يُوجب تقدس الْبَارِي عَن جَمِيع صِفَات مبدعاته ومكوناته وَمَعَ هَذَا مهما عرفت معنى الْمُمَاثلَة المنفية عَن الله ﷾ عرفت أَنه لَا مِثَال لَهُ وَلَا يَنْبَغِي أَن نظن أَن الْمُشَاركَة فِي كل وصف توجب الْمُمَاثلَة أفترى أَن الضدين متماثلان وَبَينهمَا غَايَة الْبعد الَّذِي لَا يتَصَوَّر أَن يكون بعد فَوْقه وهما يَشْتَرِكَانِ فِي أَوْصَاف كَثِيرَة إِذْ السوَاد يُشَارك الْبيَاض فِي كَونه عرضا وَفِي كَونه لونا وَفِي كَونه مدْركا بالبصر وَأمر آخر سواهُ أفترى ان من قَالَ إِن الله مَوْجُود لَا فِي مَحل وَإنَّهُ
[ ١٧٩ ]
حَيّ سميع بَصِير عَالم مُرِيد مُتَكَلم قَادر فَاعل والانسان أَيْضا كَذَلِك قد شبه وَأثبت الْمثل هَيْهَات لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْخلق كلهم مشبهة إِذْ لَا أقل من إِثْبَات الْمُشَاركَة فِي الْوُجُود وَهُوَ يُوهم المشابهة بل الْمُمَاثلَة عبارَة عَن الْمُشَاركَة فِي النَّوْع والماهية وَالْفرس وَإِن كَانَ بَالغا فِي الكياسة لَا يكون مثلا للانسان لِأَنَّهُ مُخَالف لَهُ فِي النَّوْع وانما يشابهه فِي الكياسة الَّتِي هِيَ عارضة خَارِجَة عَن النَّوْع والماهية المقومة لذات الانسانية الخاصية الالهية هِيَ الْمَوْجُود بِذَاتِهِ الَّذِي يُوجد عَنهُ كل مَا فِي الامكان وجوده على أحسن وُجُوه النظام والكمال وَهَذِه الخاصية لَا يتَصَوَّر فِيهَا مُشَاركَة الْبَتَّةَ والمماثلة بهَا لَا تحصل فكون العَبْد رحِيما صبورا شكُورًا لَا يُوجب الْمُمَاثلَة كَكَوْنِهِ سميعا بَصيرًا عَالما قَادِرًا حَيا فَاعِلا
بل أَقُول الخاصية الألهية لَيست إِلَّا لله تَعَالَى وَلَا يعرفهَا إِلَّا الله تَعَالَى وَلَا يتَصَوَّر أَن يعرفهَا إِلَّا هُوَ وَلذَلِك لم يُعْط أجل خلقه إِلَّا أَسمَاء حجبه بهَا فَقَالَ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ فو الله مَا عرف الله غير الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة يَعْنِي على سَبِيل الاحاطة والكمال فَهُوَ الله المنزه عَن الْمَاهِيّة الْأَحَد الْمُقَدّس عَن الكمية الصَّمد المتعالي عَن الْكَيْفِيَّة الَّذِي لم يلد بل هُوَ الْمُبْدع وَلم يُولد بل هُوَ قديم الْوُجُود وَلم يكن لَهُ كفوا أحد فِي ذَاته وَصِفَاته وأفعاله هَذَا مَا أردنَا أَن نذكرهُ فِي هَذَا الْكتاب وَقد كشفت الغطاء عَن وُجُوه الْأَسْرَار المخزونة وَرفعت الْحجاب عَن كنوز الْعُلُوم ودللت على الْأَسْرَار المخزونة وأبديت فِيهِ الْعُلُوم المكنونة المضنون بهَا تقربا إِلَى الأخوان الَّذين لَهُم قُوَّة القريحة وصفاء الذِّهْن وزكاء النَّفس ونقاء الحدس وتيقنا بِأَن الزَّمَان قد حلا من الْوَارِثين لهَذِهِ الْأَسْرَار تلقفا وَمن المقتصرين على الاحاطة بهَا استنباطا وتاسيا من أَن يكون للراغب فِي تخليد الْعلم وإيراثه من بعده وَجه حِيلَة الا تدوينه وإيداعه الْكتب مسطرا مرقوما دون الِاعْتِمَاد على رَغْبَة متعلم فِي تحَققه على وَجهه وَحفظه وإيراثه من بعده وَدون الِاعْتِمَاد على همم أهل الْعَصْر وَمن يكون بعدهمْ مثلهم فِي الْبَحْث
[ ١٨٠ ]
والتفتيش وَإِزَالَة الاشكال وَحل الاشكال والغوص فِي غوامض الْعُلُوم فَمن أَيْن للغراب هوي الْعقَاب وَمن أَيْن للضباب صوب السَّحَاب ثمَّ إِنِّي حرمت على جَمِيع من يَقْرَؤُهُ من الاخوان الَّذين لَهُم الْمُنَاسبَة العلوية والقريحة الصافية أَن يبذله لنَفس شريرة أَو معاندة أَو يطْلعهَا عَلَيْهِ أويضعه فِي غير مَوْضِعه
فَمن منح الْجُهَّال علما أضاعه وَمن منع المستوجبين فقد ظلم
فان وجد من يَثِق بنقاء سَرِيرَته واستقامة سيرته وبتوقفه عَمَّا يتسرع اليه الوسواس وبنظره إِلَى الْحق بِعَين الرِّضَا والصدق فليؤته مجزئا مدرجا يستغرس مِمَّا يسلفه لما يستقبله وعاهده بِاللَّه وبأيمان لَا مخارج لَهَا أَن يجْرِي فِيمَا يؤتيه مجراك متأسيا بك فان أذاع هَذَا الْعلم وأضاعه فَالله بيني وَبَينه وَكفى بِاللَّه حسيبا
وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل نعم الْمولى وَنعم النصير
[ ١٨١ ]
تَنْبِيه
وجد فِي آخر النُّسْخَة الَّتِي طبعنا عَلَيْهَا هَذَا الْكتاب هَذِه الْعبارَة
قد استراح من كمد الانتهاض إِلَى نقل هَذَا الْكتاب من السوَاد إِلَى الْبيَاض أَحْمد بن شعْبَان بن يحيى الأندلسي الْمَعْرُوف بِابْن عبد الْعَزِيز الْأَمِير وَذَلِكَ بتاريخ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْخَامِس عشر من شهر رَجَب الْأَصَم سنة ١٠٦٦ هـ
على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وأزكى التَّسْلِيم
وان تَجِد عَيْبا فسد الخللا جلّ من لَا عيب فِيهِ وَعلا
[ ١٨٣ ]
القصيدة الهائية
مَا بَال نَفسِي تطيل شكواها إِلَى الورى وَهِي ترتجي الله
يفْسد إخلاصها شكايتها ذَاك الَّذِي راعها وأرداها
لَو أَنَّهَا من مليكها اقْتَرَبت واخلصت ودها لأدناها
لَكِنَّهَا آثرت بريته عَلَيْهِ جهلا بِهِ فأقصاها
أفقرها للورى وَلَو لجأت اليه من دونهم لأغناها
تَشْكُو إِلَى خلقه كَأَنَّهُمْ قد ملكوا نَفعهَا وضراها
لَو فوضت أمرهَا لخالقها وصححت صدقهَا وتكلاها
عوضهَا من همومها فرجا وَلم يَدعهَا بطول غماها
تسخطه فِي رضَا بريته تَبًّا لَهَا مَا أجل بلواها
لَو أَنَّهَا للعباد مسخطة مرضية رَبهَا لأرضاها
لدي نفس أحب أنعتها لتعرفوا نعتها وأسماها
فاسمع صفاتي لَهَا لَعَلَّك أَن تفهم ذَا اللب سر مَعْنَاهَا
تسْعَى إِلَى اللَّهْو وَهُوَ غايتها يَا وَيْلَهَا مَا أضرّ مسعاها
أزجرها وَهِي لي مُخَالفَة كأنني لست من أوداها
[ ١٨٥ ]
تنظر فِي عيب غَيرهَا سفها وَكم عُيُوب لَهَا فتنساها
قد ظلمتني بِسوء عشرتها وَلم تدع لي تقوى وَلَا جاها
كَثِيرَة اللَّغْو فِي مجالسها قَليلَة الذّكر فِي مصلاها
قَليلَة الشُّكْر عِنْد نعمتها ضَعِيفَة الصَّبْر عِنْد بلواها
بطيئة السَّعْي فِي مصالحها سريعة الجري فِي بلاياها
كَثِيرَة المطل فِي مواعدها كذوبة فِي جَمِيع دَعْوَاهَا
بَصِيرَة بالهوى وفتنته عمية عَن أُمُور أخراها
نشيطة عِنْد وَقت لذتها كاسلة عِنْد وَقت ذكرَاهَا
نؤومة الْعين عَن عبَادَة من أتقن تصويرها فسواها
كَثِيرَة الْأَمْن عِنْد صِحَّتهَا عَظِيمَة الْخَوْف عِنْد ضراها
حليفة الْكبر والرياء فقد أفسدها كبرها وأطغاها
عَظِيمَة الْمَدْح وَالثنَاء لمن يرفع مقدارها ومثواها
مطيلة الذَّم بالقبيح لمن عرفهَا قدرهَا وطغياها
تفرح فِي أكلهَا ومشربها وَجها للمنام أغراها
ذاكرة للورى مساويهم ناسية مَا جناه كفراها
كم بَين نَفسِي وَبَين نفس فَتى طهرهَا بالتقى ونقاها
علمهَا رشدها وبصرها ثمَّ بقوت الْحَلَال غداها
أَقَامَهَا فِي الدجى على قدم فانهملت بالدموع عَيناهَا
إِذا اشتهت شَهْوَة يعودها بخوف معبودها فسلاها
وراضها بالصيام فانقمعت بالرغم عَن غيها ومغراها
ذاكرة للاله شاكرة مخلصة سرها ونجواها
لله نفس امرء موفقة آوت إِلَى رَبهَا فآواها
شرفها رَبهَا وكرمها وَمن مياه الْيَقِين أرواها
[ ١٨٦ ]
سمت اليه بِحسن فكرتها ثمَّ صافي ودادها فصفاها
تِلْكَ الَّتِي إِن دعت لحاجتها أجابها مسرعا ولباها
إِن بليت بالخطوب صبرها أَو سَأَلت مَا يُرِيد أَعْطَاهَا
لَيست كَنَفس لدي عاصية آمرها جاهدا وأنهاها
وَهِي لأمر الاله عاصية ويلي لما قد جنت وويلاها
كَيفَ إِلَى رَبهَا تنوب وَقد ذلت لشيطانها فأغراها
فَكلما قلت نفس ازدجرى وراقبى فِي أمورك الله
صمت عَن الْحق وَهِي سامعة كأنني مَا أُرِيد إِيَّاهَا
لَو علمت بعض مَاله خلقت أحزنها علمهَا وأبكاها
لَو تعرف الله حق معرفَة لصححت برهَا وتقواها
لَكِنَّهَا جهلها بخالقها أغفلها رشدها وألهاها
يَا وَيْح نَفسِي والويح حق لَهَا إِن صدها رَبهَا وأرداها
تغرها لَذَّة الْحَيَاة وَمَا تَدْرِي إِلَى مَا يكون عقباها
قد ضقت ذرعا بهَا واحبسها لم أك أعصى الاله لولاها
إِن أَنا حاولت طَاعَة فترت وأظهرت وَحْشَة واكراها
صرت مَعَ النَّفس فِي محاربة تَأْمُرنِي بالهوى وأنهاها
نَحن كقرنين فِي معاركة أدرع الصَّبْر عِنْد لقياها
وَهِي بجند الْهوى مبارزتي وَأي صَبر يُطيق هيجاها
إِن جبنت بِالْقِتَالِ شجعها أَو ضعفت فِي اللِّقَاء قواها
أصرعها تَارَة وتصرعني لَكِن لَهَا السَّبق حِين أَلْقَاهَا
أحبها وَهِي لي معادية كأنني لست من أحباها
عدوة لَا أُطِيق أبغضها يَا لَيْتَني استطيع أَنْسَاهَا
[ ١٨٧ ]
سابحة فِي بحار فتنتها جاثية فِي سدول ظلماها
أحسبها إِن أَبَت موافقتي خاسرة دينهَا ودنياها
يَا رب عجل لَهَا بتوبتها واغسل بِمَاء التقى خطاياها
إِن تَكُ يَا سَيِّدي معذبها من ذَا الَّذِي يرتجي لرحماها
فالطف بهَا واغتفر خطيئتها إِنَّك خلاقها ومولاها
[ ١٨٨ ]
القصيدة التائية
بِنور تجلى وَجهه قدسك دهشتي وفيك على أَن لَا خفا بك حيرتي
فيا أقرب الْأَشْيَاء من كل نظرة لأبعد شَيْء أَنْت عَن كل رُؤْيَة
ظَهرت فَلَمَّا أَن بهرت تجليا بطنت بطونا كَاد يقْضِي بردتي
فأوقعت بَين الْعقل والحس عِنْدَمَا خفيت خلافًا لَا يَزُول بصلحة
إِذا مَا ادّعى عقل وجودك مُنْكرا على الْحس مَا يَنْفِيه قَالَ لَهُ اثْبتْ
وَذَلِكَ أَن الْحس ينفيك صُورَة يَرَاهَا ويرضى الْعقل فِيك بِحجَّة
فَمن هَاهُنَا منشأ الْخلاف ويصعب الْوِفَاق بخلف فِي اقْتِضَاء الجبلة
فان قلت لم ابصرك فِي كل صُورَة أَرَاهَا أحالت ذَاك عين بصيرتي
وان قلت إِنِّي مبصر لَك انكرت مقالي وَلم تشهد بذلك مقلتي
تجليت مني فِي حَتَّى ظَهرت لي خفيت خَفَاء دق عَن كل فكرة
على أَنه لم يبْق لي جبل رأى تجليك لي إِلَّا ودك بصعقة
وناجيتني فِي السِّرّ مني فَأَصْبَحت وَقد طويت عَمَّا سواك طويتي
فَمَا فِي فضل عَنْك يخْطر فِيهِ لي سواك فوقتي فِيك غير موقت
وَدِيعَة روح الْقُدس نَفسك ردهَا فَمن وَاجِبَات الْعقل رد الْوَدِيعَة
وَمَا ردهَا إِلَّا بتكميلها بِمَا يَلِيق بهَا من كسب كل فَضِيلَة
فمهما تجلت من كدورات عَالم الطبيعة شفت جوهرا وتجلت
نَصَحْتُك جهدي ان قبلت فَلَا تكن على حكم غش حَامِلا لنصيحة
[ ١٨٩ ]
وَغَايَة مقدوري فَقلت وانما قبولك مِمَّا لَيْسَ فِي وسع قدرتي
وَهل مُمكن اسعاد من كَانَ قد جرى لَهُ قلم فِي اللَّوْح يَوْمًا بشقوة
يظنّ الْفَتى لذات دُنْيَاهُ نعْمَة وَمَا هِيَ إِلَّا نقمة فِي الْحَقِيقَة
ويبلغ مِنْهُ الْجَهْل مَا لَيْسَ يبلغ ال عَدو بِحَدّ السَّيْف عِنْد الحظيظة
ونفسك فاحفظها وصنها فانما سعادتها فِي فعل كل مشقة
وَخَالف هَواهَا مَا اسْتَطَعْت فانه عَدو لَهَا يَبْغِي لَهَا كل نكبة
لعمري لقد انذرت انذار مُشفق وجاوزت فِي الايضاح حد الْوَصِيَّة
فَقُمْ وَاسع وانهض واجتهد وابغ مُطلقًا بداك على مَا فِيك شَرّ صَنِيعَة
فانك من نور مضيء وظلمة بِمَا فِيك من جسم وَنَفس نفيسة
تسوس الْحَيَاة الْجِسْم وَهِي مسوسة بِمَا فِيك من أسرار علم مصونة
فشيطان رجم أَنْت أَو ملك بِمَا تعانيه من فعل قَبِيح وعفة
أَلا ان لي بِالنَّفسِ مني شاغلا بِهِ تمّ لي مَا دمت من ملكية
جلت شُبْهَة الْأَعْرَاض عني بديهة توقد كالمصباح فِي جوهريتي
رَأَيْت بهَا النُّور الالهي لائحا وَرَاء ستور للأمور دقيقة
فحققت مَا قد كنت فِيهِ مشككا وعاينت مَا قد كَانَ فِي سر خُفْيَة
وَأدْركت مَا الْمَقْصُود من بدأتي وَمَا ال مُرَاد باحيائي وموتي ورجعتي
بِمِرْآة نفس لَاحَ لي فِي صقالها ال مُقَابل للكونين كل حَقِيقَة
وَلم يبْق عِنْدِي رِيبَة فِي الَّذِي استرا ب مِنْهُ اناس فِي أُمُور كَثِيرَة
فَأَلْقَت عصاها النَّفس مني وأيقنت بِأَن سفرت عَن وَجه نجعي سفرتي
يدل على مَا قلته حَالَة الْكرَى إِذا ركد الاحساس مِنْك برقدة
وقابل لوح الْغَيْب للنَّفس مِثْلَمَا تقَابل مرْآة باخرى صقيلة
فيطبع مَا فِي اللَّوْح فِي النَّفس فَهِيَ من هُنَاكَ بِعلم الْغَيْب نُسْخَة نُسْخَتي
[ ١٩٠ ]
وَلَو أمكن التَّجْرِيد فِي كل يقظة لشاهدت لَا فِي النّوم كل عَجِيبَة
وَمَا هُوَ عِنْد الله مثل لآدَم وَلَا ذَنْب ذَا من ذَنْب ذَاك بِنِسْبَة
ويطمع جهلا أَن سيدخل جنَّة ويغبط فِيهَا نَفسه كل غِبْطَة
خلافًا لما يُعْطي الْقيَاس وَلم يقم لَهُ الْعقل لَوْلَا النَّقْل برهَان حجَّة
أيخرج مِنْهَا آدما إِثْم زلَّة وَيدخل هَذَا فعله كل زلَّة
وَكَيف ترى يقْضِي الْكَرِيم بهفوة ويدني اللَّئِيم النذل مَعَ كل ورطة
وَلَوْلَا حَدِيث فِي الشَّفَاعَة قد أَتَى وَتَأْويل آيَات لايناس وَحْشَة
لما طمعت نفس تفوز بجنة إِذا لم تكن من كل اثم تبرت
وَمَعَ ذَا اخْتِلَاف النَّاس فِي ذَاك ظَاهر تُقَام عَلَيْهِ واضحات الْأَدِلَّة
وَإِذ كَانَ قد صَحَّ الْخلاف فَوَاجِب على كل ذِي عقل لُزُوم التقية
وَترك الْأَمَانِي الخوادع بعد أَن رأى بِأَبِيهِ آدم كل عِبْرَة
وَلَو كَانَ لَا يَجْزِي مسيء بِفِعْلِهِ وَلَا محسن ضَاعَت أُمُور الْبَريَّة
وَمَا كَانَ فِي الْأَحْيَاء وَالْمَوْت حِكْمَة وَكَانَ محالا حكم كل شَرِيعَة
ومستبعد إحياؤنا ومماتنا سدى لَا لِمَعْنى فِيهِ سر مشْيَة
أيحسن أَن تبنى قُصُور مشيدة بِأَحْسَن أوضاع وأجمل بنية
وتهدم عدما لَا لِمَعْنى وانه ليقبح هَذَا فِي الْعُقُول السليمة
وَذَلِكَ شَيْء فعله عَبث وَمَا يدبر هَذَا الْكَوْن بالعبثية
فَلم يبْق إِلَّا أَن يدبر أمره حَلِيم مُحِيط الْعلم عدل الْحُكُومَة
فَمَا شقيت نفس أَطَاعَته رهبة وماسعدت نفس عصته لرغبة
وَلَكِن بِنور الْعلم تسلم هَذِه وتعطب جهلا تيك أقبح عطبة
فيا عجبا مِمَّن يروم لنَفسِهِ خلاصا وَلم يرغب بهَا عَن جريرة
وَمن تائب من ذلة لَا ترى لَهُ دموع كأفواه الْغَمَام المكبة
وَمن مخبر لَا يعجز الله قدره عَلَيْهِ وَلَا يخْشَى بَوَادِر نقمة
وَمن أشرقت أنوار مرْآة عقله على ظلمات الطَّبْع مِنْهُ تجلت
[ ١٩١ ]
وَثَبت غرس الْعقل فِي الْقلب مثمرا لباغي الحيا استقباح كل رذيلة
وَمَا وصلت نفس إِلَى عَالم الصَّفَا بِمَا دون تَحْصِيل الْعُلُوم الجلية
وتمييزها عَن نوعها بمعارف يروجها فِي عَالم البشرية
وَقد يمْلَأ الْقطر الاناء فيمتلي بِهِ المَاء حَتَّى لَا مزِيد لقطرة
فاخرجتني عني بادخال محنة واوحشتني مني بأنس محبَّة
وأسقيتني من خمر حبك شربة خماري بهَا بَاقٍ إِلَى يَوْم بعثتي
محاني بهَا سكري وأثبتني مَعًا فأعجب شَيْء أَن مَا حَيّ مثبتي
وَأقر بتني من رمز طرسي أسطرا فتمت بهَا تَفْصِيل عقدك جملتي
وأقررتني مني عَليّ بأنني صحيفَة سر طيها فِيهِ نشرتي
وأفشيت بِي سري إِلَيّ فَأَصْبَحت وَقد أعربت إِذْ أفصحت عَنهُ عجمتي
وأفهمتني مني بِأَن لَيْسَ موطني مَكَانا بِهِ فِي عَالم الْحس نشأتي
فأبهمت مَا أفهمت إِذْ لَيْسَ مدرك لذَلِك إِلَّا من خصصت بحكمة
وَمن ذَا الَّذِي خصصت مِنْك بحكمة وَلم تَكُ قد عممت مِنْك برحمة
فكم اظهرت تِلْكَ الاشارات خافيا وان عزبت عَن فهم قوم ودقت
وَمَا لَاحَ ذَاك الْبَرْق الا ليهتدي بِهِ الركب لَكِن ظلمَة الْجَهْل أعمت
لقد سمع الواعي وَقل الَّذِي وعي لسكر بِهِ أَهْوى أصمت فأصمت
وَكم لَك دَاع مِنْك فِيك مبصر لعقلك لَكِن لست تصغي لدَعْوَة
[ ١٩٢ ]
وكل مَرِيض الْجِسْم يُمكن بُرْؤُهُ ويعجز أَن يشفى مَرِيض البديهة
ويستبعد الْجُهَّال كونا بموطن إِذا كَانَ لَا فِي جنب منبت شُعْبَة
وَلَو علمُوا مَا عَالم الْعقل مِنْهُم وَأَنَّهُمْ بالحس فِي دَار غربَة
إِذا ولد الْمَوْلُود سروا بفرحة وَمن حَقه أَن يبدلوها بترحة
ويبكونه عِنْد الْمَمَات جَهَالَة وَمن حَقه إِظْهَار كل مَسَرَّة
وَلم يعلمُوا أَن الْولادَة غربَة أبيحت لَهُ عَن خير دَار وأسرة
وموتته عود لَهُ نَحْو أَهله وأوطانه الْأَصْلِيَّة المستلذة
وأعجب من هَذَا مقَال جَمِيعهم ترى عابدي الْأَوْثَان أَجْهَل أمة
وَمَا عظم الْأَوْثَان من كَانَ قبلهم كتعظيم أجسام لَهُم مضمحلة
فَكل غَدا معبوده الْجِسْم فاستووا وَلَكنهُمْ لم يستووا عِنْد نِيَّة
فقد وَقَعُوا مَعَ علمهمْ فِي ضَلَالَة إِذا اعْتبرت أربت على كل ضلة
فياليت شعري كَيفَ صمت عُقُولهمْ وداعيك فيهم مسمع كل فطنة
وكل فعال لم أكن متقربا إِلَيّ بِهِ أعظمت فِيهِ خطيتي
فقربي بِهِ بعد وربحي خسارة وعزي بِهِ ذل ونفعي مضرتي
لِأَنِّي فِيهِ قُمْت غير موجه لَدَى فعله وَجْهي إِلَى وَجه وجهتي
فدنت بِأَمْر حرمته شريعتي واحييت حكما قد أماتته سنتي
فَكَانَت بتركي فِي مناهيه غفلتي نِهَايَة تأديبي وفرط عقوبتي
تشَتت عَقْلِي فِيك بعد تجمع كَمَا اجْتمعت بلواي بعد تشَتت
هوى فِيك لي لَا مُنْتَهى لامتداده لدي وَلَا مِنْهُ خلاص بسلوة
ازيد بلَى إِذْ يستجد وَلم يكن بتجديد صبري فِيهِ أبلى بليتي
يُعِيد ويبدي أَولا مِنْهُ آخر فقد شف جسمي سر عود وبدأة
أَلا لَا تلمني إِن شطحت فانه قَلِيل لسكر حل بِي مِنْك شطحتي
[ ١٩٣ ]
وَلَا تنهني إِن تهت سكرا معربدا فَأَنت الَّذِي استحسنت فِيك هتيكتي
وَلَا تلح إِن غنيت فِيك تطربا فَلَو وجدت وجدي الْجبَال لغنت
وَمن عجب حمل الْجبَال هوى بِهِ طلعت وَعَن حملي قَدِيما تأبت
فَمن قيس ليلى العامرية فِي الْهوى وَمن قيس لبنى أَو كثير عزة
إِذا تليت آيَات ذكري فقابل ال مَجْنُون ذكري بِالسُّجُود لحرمتي
وَأوجب كل مِنْهُم الْوَقْف عِنْدهَا وَسلم أَن لَا قصَّة مثل قصتي
فَمن فضل كاسي شرب غَيْرِي وَلم يكن يُقَاس بسكري سكر شَارِب فضلتي
يبلبل بالي لَا لنوح حمامة وينهل دمعي لَا لإيماض برقة
وَلَو كنت مُحْتَاجا للتنمم باعث يُحَرك أشجاني لبانت نقيصتي
ولكنني مني وَفِي نواعش تحركني فِي كل سر وجهرة
فَلَا رقدة تَغْدُو عَليّ بفترة وَلَا يقظة تَغْدُو عَليّ بغفلة
فَمن يشك يَوْمًا فِي هَوَاهُ فانني لي الشُّكْر أولى فِي الْهوى من شكيتي
تسترت جهدي فِي هَوَاك وطاقتي فَلَمَّا منعت الصَّبْر أبديت صفحتي
فاعلنت مَا أسررت فِيك فَلم يكن بقول وَلَا فعل سواك فَضِيحَتِي
فَمَا لاشتياقي فِي افتضاحي مدْخل وَلَا لدموع فِيك لي مستهلة
وَقد كَانَ لي فِي الصَّبْر ستر على الْهوى بهتكك ستر الصَّبْر أظهرت عورتي
فَلَا مَذْهَب فِي الْحبّ يشبه مذهبي وَلَا مِلَّة فِيهِ تقاس بملتي
يكل لساني عَن صفاتي وانما يعبر عني أنني ذَات وحدة
فَكل نعيم دون وَصلي شقوة وكل ملذ مؤلم عِنْد لذتي
وكل سَبِيل لَيْسَ يُفْضِي سلوكه إِلَيّ فقد أفْضى إِلَى كل خيبة
وَلَوْلَا هوى لي فِيك يحملني على حنوي لم أَعهد اليك بِلَفْظَة
وَكنت إِذا زلت بك النَّعْل هاويا أَقُول أَلا فَاذْهَبْ إِلَى حَيْثُ أَلْقَت
[ ١٩٤ ]
وَلَكِن مَا ينجيك يُنجي هويتي كَمَا أَن مَا يُؤْذِيك نفس أذيتي
وَهل أَنا إِلَّا أَنْت ذاتا ووحدة وَهل أَنْت إِلَّا نفس عين هويتي
وَلَوْلَا اعْتِبَار الْجِسْم بِالنِّسْبَةِ الَّتِي اليه لَهُ مَا صَحَّ عني سيرتي
وَلست بِذِي شكل فَيُوجب كَثْرَة لذاتي وَلَا جُزْءا فَتمكن قسمتي
ويوقع مَا بيني وَبَيْنك نِسْبَة يظنّ بهَا غَيْرِي لموْضِع شُبْهَة
واني لم اهبط إِلَى الأَرْض يَبْتَغِي بذلك وضعي بل هبوطي ورفعتي
وَتَقْرِير هَذَا ان دعيت خَليفَة وَمَا كنت ادّعى قبل ذَا بخليفة
وصير ملكي عَالم الْجِسْم محنة لغاية تدبيري ومبلغ حكمتي
فان أَنا أَحْسَنت الْولَايَة احسنت إِلَى الْعَالم الْعلوِي عودي وعزلتي
وعاينت مَالا عَايَنت مقلة وَلَا أحاطت بِهِ أذن وعت حس سمعة
وآثرت لذاتي ونيل مآربي وَاتَّبَعت نَفسِي كل شَيْء أحبت
سددت على نَفسِي سَبِيل تخلصي إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى الَّذِي هُوَ نزهتي
وأوقعتها فِي أسر من لَا يرى لَهَا مَكَانا وَلَا يحنو عَلَيْهَا بعطفه
فَلَا نَدم يَجْزِي وَلَا حسرة يرى بهَا فرج يُرْجَى لكشف لشدَّة
فياويح نفس آثرت طيب زائل على طيب بَاقٍ لَا يحد بِمدَّة
يَمُوت الْفَتى بِالْجَهْلِ من قبل مَوته وَيحيى بِروح الْعلم من بعد ميتَة
فَمَا مَاتَ حَيّ الْعلم يَوْمًا وَلم يكن بحي ممات الْجَهْل مِقْدَار لَحْظَة
وَأنْظر أَحْوَال الرِّجَال وقوفهم على برزخ مَا بَين نَار وجنة
فاما إِلَى آلام نفس خبيئة وَإِمَّا إِلَى لذات نفس نفيسة
فآلام تِلْكَ التّرْك فِي دَار غربَة ولذات هَذَا الْعود من بعد غربَة
وَهل حسرة فِي النَّفس أعظم غُصَّة من الْبعد عَن أهل وَدَار وجيرة
كَمَا أَنه لَا شَيْء أعظم لَذَّة لذِي غربَة من ملتقى بعد فرقة
كَأَنِّي لم أحجب بهَا وكأنما هِيَ احْتَجَبت بِي فازدهى النَّاس عشقتي
وغودرت لَا يثني على حسن فعلي ال جميل وَلَا يلوي على حسن طلعتي
[ ١٩٥ ]
وَلَو قايسوا بالْحسنِ بيني وَبَينهَا لكَانَتْ لديهم لاتسام بحبه
وشق الْقُلُوب الجاهلات الَّتِي بهَا محبتها قَالَت بهم عَن محبتي
وَمَا ذَاك شَيْء يسْقط الْعذر لامرىء أطَاع الْهوى وانقاد عبدا لشَهْوَة
وَهل نَافِع شقّ الْفُؤَاد ندامة لذِي قدم زلت وَلم تتثبت
فَكيف يَلِيق الْوَصْل مني لمؤثر على طيب وصل وصل من هِيَ عبدتي
اذا رضيت عَنهُ يهون عَلَيْهِ فِي رِضَاهَا وَأدنى ذَاك تسهيل غُصَّة
على انها اعدا عداهُ ترتبت لَهُ حِيلَة مِنْهَا لِإِمْكَان فرْصَة
فهام بهَا عشقا وآثر وَصلهَا فزل فنادته إِلَى الف لعنة
وَلَوْلَا الشقا وَالْجهل مَا آثر العدى رِضَاهَا وجانب طيب وصل الْأَحِبَّة
وَهل أمني بِالْفَضْلِ مثلي وانما بِمثل طباع السوء نَحْو الدنية
وتأبى الطباع الفاضلات ارتكابها الْأُمُور الَّتِي تُفْضِي إِلَى حط رُتْبَة
فكم حسرات فِي نفوس يثيرها بعادي إِذا مَا العيس للبين ذمت
وَكم عِبْرَة تجْرِي عَليّ تأسفا وَقد فَاتَ مَالا يسْتَردّ بعبرة
وَكم قارع سنا عَليّ ندامة وَآخر مكوي بنيران حسرة
وَكم أنة تَغْدُو عَليّ وَرَنَّة بِروح إِذا مَا استشعر الْقَوْم فرقتي
وَهل هاجري وجدا بغيري بَالغ رضاي لصب طَالب دَار هِجْرَة
لشتان مَا بَين المقامين انما المبرز من لَا همه غير عشرتي
ألم تَرَ أَنِّي مُنْتَهى قصد مبدعي وَلم تبدع الْأَشْيَاء الا لخدمتي
وان لإكرامي وتعظيم حرمتي أَشَارَ إِلَى الْأَمْلَاك نحوي بِسَجْدَة
وصير مَا فِي عَالم الْكَوْن كُله بِحكم إرادتي وطوع مشيتي
فَإِن كنت فِي وصل دعيت فَلَا تمل إِلَى وصل غَيْرِي واغتنم وصل صحبتي
وَخذ جانبا من رفْقَة بك وكلوا ببعدك عَن وَصلي واثبات جفوتي
[ ١٩٦ ]
فَعِنْدَ ارْتِفَاع الْحجب مَا بَيْننَا ترى محَاسِن وَجه الغانيات وبهجتي
وَلَا عجنت الا بحبك طينتي وَلَا لهجت إِلَّا بذكرك لهجتي
وَردت وُرُود الهيم فِيك من الْهوى شَرِيعَة حب هيجت لي غلتي
وَلَا عجب ان هيجت لي غلَّة فَمَا تِلْكَ عِنْدِي مِنْك أول محنة
إِذا كَانَ بِي أَمر أرى فِيهِ لي أَذَى رضاك فَمَا أحلاه فِي قلب ذلتي
لذَلِك مَا أرضاك مني فعلته وَلَو غضِبت مِنْهُ كرام عشيرتي
وَمَا بِعْت فِيك النَّفس إِلَّا لَعَلَّ إِن أفوز بوصل مِنْك تربح صفقتي
فان أَنْت أمضيت التبايع بَيْننَا فَبِعْت وان لم تمض أكسدت سلعتي
وَمَا قدر نفس لي لديك حقيرة فأجعلها مهْرا لأشرف وصلَة
وَلَكِن مقل بادل فِيك جهده أَحَق بوصل من أخي كل ثروة
توحشت من أَبنَاء نَوْعي وَلم يكن لشَيْء سوى أنسي بقربك وحشتي
تغربت عَن أَهلِي اليك وإنني ليعذب لي فِي طيب أنسك غربتي
فكم خلْوَة قد فزت فِيهَا بجلوة خرجت بهَا عني اليك بفرحة
وَطلقت فِيهَا عَالم الْحس بتة لتعلم أَنِّي لَا أَقُول برجعة
وَفَارَقت أوطاني وَأَهلي وجيرتي لتعلم أَنِّي باذل فِيك مهجتي
وَلَوْلَا دخولي فِي رضاك بِكُل مَا اس تطعت لعزت فِيك عني خرجتي
وَكَانَ بودي لوقبلت تقربي اليك وَلَكِن لست أَهلا لقربة
وَهل انا إِلَّا نُطْفَة من سلالة لطين وَمَا مِقْدَار قيمَة نُطْفَة
لعمري لقد حاولت أمرا مرامه عَزِيز وَلَكِن انت أهل الْعَطِيَّة
وَلَيْسَ اعترافي باتضاعي بمانعي سؤالك أمرا دونه قدر قيمتي
وَلَيْسَ على قدري سُؤال فانني أرى أَن قدري دون مِقْدَار ذرة
وَلَكِن على مِقْدَار احسانك الَّذِي عممت بِهِ تَخْصِيص كوني بخلقتي
وَلَا أَنا مِمَّن يخجل الطَّرْد وَجهه فيأنف من عود مَخَافَة طردة
على كل حَال لَيْسَ لي عَنْك مَذْهَب فيصرفني عَن جعل بابك قِبْلَتِي
[ ١٩٧ ]
فَمَا شِئْت فَاصْنَعْ وَارْضَ عني فانني أرى كل صنع مِنْك اسباغ نعْمَة
كفاني اعترافي باقترافي تَوْبَة وحسبي رضَا عني قبولك تَوْبَتِي
وَهل أَنا إِلَّا دوحة قد غرستها فَإِن لم يصبهَا وابل مِنْك جَفتْ
إِذا حصلت لي كَيفَ مَا كَانَ نِسْبَة اليك فَلَا أخْشَى ضيَاعًا لنسبتي
فياحيرتي كم حيرة فِيك لي غَدَتْ مخصصة بِي مَا بِهِ مِنْك عَمت
وَكم نعْمَة اسبغت من سر حِكْمَة أنرت بهَا من نَاطِق كل ظلمتي
وأحييت مني مَا أماتت جهالتي حَيَاة محَال أَن تحال بموتتي
وَمن حييت من موتَة الْجَهْل نَفسه بِعلم نجت من قطع كل منية
وَكم موجة من بَحر علم أثرتها لدي برِيح مِنْك أجرت سفينتي
فمرت تشق الْكَوْن حِين مهبها ملححة حَتَّى أفادت معيتي
وَأدْركت معنى آخرا دق فهمه أُرِيد بِوَضْع الصُّورَة الالفية
وَمن لم يحط علما بِمَعْنى وَصُورَة لَهُ فبصير الْعين أعمى البصيرة
فزرع وَلَكِن لم يفد حصد حبه ومخض وَلَكِن لم يفد مخض زبدة
إِذا جهل الْإِنْسَان تَحْقِيق أمره فَكيف بتحقيق الْأُمُور الغريبة
فيا عجبا للمرء يجهل نَفسه ويطمع فِي فهم الْمعَانِي الْبَعِيدَة
وَمَا ناهض بِالنَّفسِ يزْدَاد رُتْبَة من الْعلم تسميها كوان مفوت
وَمَا موقظ من رقدة الْجَهْل عقله لتحصيله تكميلها مثل ميت
إِذا كملت نفس الْفَتى بصفاته ال جميلَة من قَول وَفعل ترقت
وَأصْبح يدعى عَالم الْعقل عَالما لَهَا وتخطت نَفسه كل خطة
وبالعلم بِالنَّفسِ النفيسة يدْرك ال مُحَصل فهم الْعلَّة الأولية
وَمن لم يحط علما بِذَاكَ فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ حَيا حكمه حكم ميت
وَمَا الْحَيّ عِنْد الْعقل من كَانَ غَالِبا على نَفسه حكم القوى الْبَدَنِيَّة
وَلكنه من شرفت قدره على بني نَوعه أَوْصَاف نفس زكية
فَفِي الْعَالم الْعلوِي ذَا ملك وَذَا لَدَى الْعَالم السفلي شَيْطَان جنَّة
وَمَا اخْتلفَا بالنوع حَتَّى يظنّ مَا بِهِ اخْتلفَا فعلا لخلق الغريزة
[ ١٩٨ ]
وكل أَبوهُ آدم ويخص ذَا لذا خص ذَا من سر معنى النُّبُوَّة
وَمن أعجب الْأَشْيَاء فرعا أرومة وَمَا اتحدا بالطبع فِي الثمرية
بِأَيّ لِسَان أوثر الشُّكْر مثنيا عَلَيْك بِمَا أوليتني من فَضِيلَة
وأكملت من عَقْلِي ووصفي وصورتي وفهمي وأحشائي وحولي وقوتي
وصفحك عني إِن عصيت تكرما وَوَعدك لي عَن طَاعَتي بالمثوبة
وَهل مُمكن إحصاء ذرات كلما على الأَرْض من كُثْبَان رمل مهيلة
وإحصاء مَا فِي الْبَحْر من كل قَطْرَة بِحَيْثُ يُحِيط المحصي مِنْهَا بعدة
وَذَلِكَ أَمر مُسْتَحِيل وَكلما اس تحال فمنفي لحكم الضَّرُورَة
وَمَا كل هَذَا لَو أتيت بضعفه من الشُّكْر أدنى شكرا أَصْغَر حَبَّة
فَكيف بشكري كل عُضْو وَقُوَّة جعلت لنفعي عِنْد تأليف بنيتي
وشكر الَّتِي قد حجبت بِي وانها لأظهر لي من نور شمس تبدت
بعيدَة أطلال الديار قريبَة وأعجب شَيْء بعد دَار قريبَة
بهَا مثل مَا بِي من هَواهَا وَعِنْدهَا من الود مَا لَيْسَ دون مودتي
وَقد أدركتها رقة لي أطمعت بنيل المنى لَوْلَا مَخَافَة وفقتي
وَقلت لَهَا مني عَليّ بنظرة أنال بهَا من حسن وَجهك منيتي
ألم تعلمي مَا حل بِي مِنْك من جوى وكابدت من أشجان قلب ولوعة
فان الْجبَال الشم وَهِي رواسخ لَو احتملت بعض الَّذِي بِي لدكت
فأحزان قلبِي لَا تجود بسلوة واجفان عَيْني لَا تسح بدمعة
وَلَوْلَا حنيني لم تحن مَطِيَّة وَلَوْلَا نواحي لم تَنَح ورق أيكة
وَلَوْلَا خطابي لم يَقع عين عَابِد عَليّ لما مني الصبابة أبلت
فَلَا مَاء إِلَّا بعض فيض مدامعي وَلَا نَار إِلَّا دون أنفاس زفرتي
فَقَالَت بعيني مَا لقِيت وانه ليؤلم قلبِي أَن تشاك بشوكة
واني على مَا فِي من صلف البها لراغبة فِي الْوَصْل أعظم رَغْبَة
وَلَكِن وشَاة السوء فِيك كَثِيرَة وَلَيْسَت مَعَ الواشين تمكن رؤيتي
وانت فمغرى بالحسان وانني لأكْره مَا بِي أَن أرى وَجه ضرتي
[ ١٩٩ ]
وَمن لم يصني صنت وَجْهي ببرقع وصور فِيهِ صُورَة دون صُورَتي
ليمتحن الْخطاب لي إِذْ يرونها أيلهون عني أم يتمنون خطبتي
وماهي إِلَّا عَبدة لي جميلَة تظن وَمَا افعالها بجميلة
فَمَا كَانَ إِلَّا ان رأى النَّاس وَجههَا فهاموا بهَا فِي فج وَجه ووجهة
وَيعلم مَا قد كَانَ بالْأَمْس وَالَّذِي يكون غَدا أوكائن بعد بُرْهَة
ويخبر بِالْأَمر المغيب مثل مَا يخبر عَن مَا كَانَ مِنْك بِحَضْرَة
وَيعلم مَا مَفْهُوم معنى معبر لسامعه عَنهُ بِوَحْي النُّبُوَّة
وَمَا الْوَحْي إِلَّا خلع نفس قَوِيَّة ملابس إحساس على الْعقل غطت
وأنى لَهَا نَحْو الْمُحِيط بذاتها على عَالم الْعقل الَّذِي عَنهُ شبت
وَإِدْرَاك مَا يلقى اليها هُنَاكَ من إشارات رمز للعقول دقيقة
وإفهام أفهام النُّفُوس لطائف ال مَعَاني الَّتِي فِي ذَاتهَا قد تهيت
وَمَا أطرب الْأَرْوَاح منا لَدَى الفنا سوى نغمات أدركتها قديمَة
وَذَلِكَ أَن النَّفس قبل اتصالها بتدبيرها الْجِسْم الَّذِي قد تولت
وعى سَمعهَا من طيب ألحان نَغمَة ينغمها الأفلاك أعظم لَذَّة
إِذا أَقبلت اجرامها باصطكاكها يرجعها فِي قطعهَا كل ذرْوَة
وشذت لبعد الْعَهْد عَنْهَا فَلم تكن تذكرها إِلَّا بتجديد نَغمَة
فَلَمَّا أحست بِالسَّمَاعِ بِمِثْلِهَا تذكرت الْعَهْد الْقَدِيم فحنت
وحاولت التَّجْرِيد عَن عَالم الفنا إِلَى الْعَالم الْبَاقِي الَّذِي عَنهُ شَذَّ
فجاذبها الْجِسْم الزِّمَام وَأَقْبَلت تجاذب فاهتزت لذاك برقصة
وَلَا شكّ فِي أَن الْعُقُول محيلة ال مسامع والأبصار للحس رنت
فَإِن لم يكن فِي عَالم الْعقل مَا يرى وَيسمع كَانَت تِلْكَ غير مفيدة
وَذَلِكَ تَعْطِيل وَلَيْسَ بحكمة يعطلها عماله قد أعدت
وَقد يطرب الدولاب عِنْد حنينه فَكيف حنين النغمة الفلكية
وناهيك أَن الطِّفْل عِنْد بكائه يغنى فيغشاه سكينَة سكتة
وَيذْهل عَمَّا كَانَ فِيهِ من الْأَذَى وتبدو لنا مِنْهُ مخايل طربة
[ ٢٠٠ ]
وَلَوْلَا ادكار النَّفس مِنْهُ لَدَى الْغنى عهودا قديمات لَهَا مَا استلذت
وَقد تطرب العجماء عِنْد استماعها ال غناء وتنسى عِنْده كل غمَّة
وَإِلَّا فَمَا بَال الْمطِي إِذا ونت عَن السّير هيجت فِي الفلاء بحدوة
فتصغي إِلَى الْحَادِي بأسماعها كَمَا يكون اسْتِمَاع الْعَاقِل المتنصت
وَتوسع مد الخطو حَتَّى كَأَنَّهَا سفائن بَحر مقلعات بلجة
ويرتاح بعض الطير عِنْد سَمَاعه تجاوب أوتار إِذا هِيَ خشت
وَمَا ذَاك إِلَّا أَن أفلاكها على مراكزها لما استدارت فعنت
فَصَارَت بِحكم الطَّبْع تشتاق مَا بِهِ يخصصها من دون كل مصوت
فَلَا تحسب الْأَشْيَاء مُهْملَة كَمَا توهم أَصْحَاب الْعُقُول الضعيفة
وللحوت بل للدود فِي الْعود بل لما سوى ذَاك أفلاك عَلَيْهَا أديرت
وفيهَا لَهَا آفَاق جو فسيحة عَلَيْهَا نرَاهَا نَحن غير فسيحة
فَمَا خص نوع لَا يتم سواهُ من مراكز أفلاك وأوضاع هَيْئَة
وكل لَهُ عقل يسدده إِلَى مَقَاصِد أَفعَال وَترك شَدِيدَة
وَمَا النَّحْل فِي أوضاعها لبيوتها مسدسة من حِكْمَة بخلية
وَقد يعجز الْمَرْء المهندس وَضعهَا بآلاته الْحكمِيَّة الهندسية
وَجعل لعاب العنكبوت لصيده ال ذُبَاب شباكا لَيْسَ إِلَّا لخبرة
وَيفهم بعض الذَّر مَقْصُود بعضه بِقُوَّة إِدْرَاك لنَفس زكية
وحسبك الف النَّوْع بالنوع شَاهد بِمَعْرِفَة فِي طبعه مستحثة
فَإِن ازدواج الشكل بالشكل مشْعر بِقُوَّة تَمْيِيز وَصِحَّة فطْرَة
وَلَو لم يكن إِلَّا تفاهمها إِذا تناغت بِأَصْوَات لَهَا أَعْجَمِيَّة
لَكَانَ لنا فِيهِ دَلِيل يدلنا على ان ذَا لَا عَن نفوس بليدَة
فَمن ظن شَيْئا غير هَذَا فَإِنَّهُ لتَقْصِيره عَن فكرة مُسْتَقِيمَة
وَقد شهد الذّكر الْحَكِيم بِأَنَّهَا مسبحة وَالذكر أعظم حجَّة
وَهل يصدق التَّسْبِيح من غير عَاقل وَلَكِن عُيُون الْجَهْل غير بَصِيرَة
تَأمل صَلَاة الشَّمْس عِنْد وقوفها لَدَى الظّهْر فِي وسط السَّمَاء بخشية
[ ٢٠١ ]
وإثباتها وَقت الزَّوَال بِرَكْعَة
وإتمامها عِنْد الْغُرُوب بِسَجْدَة
كَذَا جملَة الأفلاك راكعة بِمَا جرت سَجْدَة لله فِي كل طرفَة
وماذا الَّذِي أعمى عُيُون قُلُوبهم ونورك فيهم مستطير الأشعة
لقد عظمت تِلْكَ الرزية موقعا لَدَى كل ذِي عقل سليم وجلت
أرى كل ذِي سكر سيصحو من الْهوى سواي فصحوي فِيك عِلّة سكرتي
فَمَا اتّفقت لي مذ عرفتك خلْوَة بنفسي إِلَّا هَمت فِيك بجلوة
وَلَا عرضت لي فِي دجى الْفِكر هجمة فأغفيت الا فزت فِيك بيقظة
وَلَا استغرقتني فِي المحاسن بهتة فثارت بِحسن غير حسنك بهتتي
وَلَا سنحت فِي بَاطِن الْقلب خشيَة فَكَانَت لشَيْء غير هجرك خَشْيَتِي
وَلَا خضعت نَفسِي لأمر ترومه فَكَانَت لشَيْء غير وصلك خضعتي
وَلَا استقبلتني من جنابك نفحة اسرت حَدِيثا عَنْك الا وسرت
وأصغي إِلَى تَحْصِيله فِي مسامع ال مشاعر مني كل منبت شَعْرَة
وأحسست فِي نَفسِي بلطف دَبِيب مَا سقت من حميا الْحبّ لما تمشت
وَهل شَارِب كأسا من الْحبّ جَاهِل بِمَا أحدثت فِي عقله حِين دبت
فقد حقق الدَّعْوَى الْقيَاس واين من كَثَافَة جسم الْخمر لطف الْمحبَّة
إِذا غبت عني كنت عنْدك حَاضرا وَمن عجب ان غيبتي فِيك حضرتي
فيا بَاطِنا القاه فِي كل ظَاهر وَيَا أَولا مَا زَالَ آخر فكرتي
تشابه اعلاني وسري ومشهدي وغيبي وستري فِي هَوَاك وشهرتي
تجمعت الأضداد فِي وَلم يكن بمستغرب لي فِي الْهوى كل بِدعَة
فنوعي فِي شخصي لِأَنِّي نتيجة لشكل قِيَاس عَن ضروب عقيمة
مَلَأت جهاتي السِّت مِنْك فَأَنت لي مُحِيط وَأَيْضًا أَنْت مَرْكَز نقطتي
فصرت إِذا وجهت وجهيمصليا فرايض أوقاتي فنفسي كعبتي
فَصَارَ صيامي لي ونسكي وطاعتي وَنَحْرِي وتعريفي وحجي وعمرتي
وحولي طوافي وَاجِب وخلاله اس تلامي لركني من مَنَاسِك حجتي
وذكري وتسبيحي وحمدي وقربتي لنَفْسي وتقديسي وصفو سريرتي
[ ٢٠٢ ]
وَلَو هم مني خاطر بالتفاتة لما كَانَ لي إِلَّا إِلَيّ تلفتي
وَلَو لم أؤد الْفَرْض مني إِلَيّ لم يَصح بِوَجْه لي وَلم تبر ذِمَّتِي
وَكنت على أَنِّي أوحد ظَاهرا فَفِي باطني قد دنت بالثنوية
كَذَا من يكن قد صَحَّ عقد وداده وَلم يتهم يَوْمًا بسقم عقيدة
وينفي اتِّصَال النَّفس بِالْعقلِ وَاقِفًا على حس مَا فِي عَالم الْحس أبلت
فَإِن قهرت فِيهِ قوى الْجِسْم ألحقت بعالمها مملوة بالمسرة
وَإِن قهرت فِيهِ قوى النَّفس لم تصل اليه طوال الدَّهْر يَوْمًا بحيلة
وَتبقى كَمَا قد جَاءَ تهوى وليتها هوت ماهوت ثمَّ ارعوت واستقرت
وَلكنهَا تبقى بنيران حسرة ال بعاد تقاسي ضيق أغلال كربَة
مذبذبة لَا عَالم الْعقل أدْركْت وَلَا عَالم الْأَجْسَام فِيهِ تبقت
فترجع إِلَى أحدى الحنين حنينها إِلَى عَالم الْعقل الَّذِي عَنهُ صدت
وهيهات أَن يطوى لسير حنينها اليه الَّذِي قد حَال من بعد شقة
وأنى لَهَا والحس قد حَال بَينهَا وَبَين حماه أَن تفوز بنظرة
إِذا ذكرته هز هامس طائف من الشوق لَو هز الْجبَال لهدت
وَمَا ذَاك بالمدني إِلَيْهِ وَلَا الَّذِي إِذا لم يكن يدني فربح بوقفة
أسى كلما قيل انْقَضتْ مِنْهُ لوعة أُعِيدَت بِأُخْرَى مثلهَا مستحثة
تَزُول الْجبَال الشم وَهِي مُقِيمَة على حَالَة منكوسة مستمرة
وَذَلِكَ أَمر نسْأَل الله عصمَة منجية مِنْهُ وَمن كل حيرة
ألم يَك فِيمَا نَالَ آدم عِبْرَة ومتعظ للعاقل المتثبت
على قربه من ربه واصطفائه ومنحته اياه أعظم منحة
وابعاده من بعد ذَاك وصده وتجريعه إِيَّاه أعظم غُصَّة
وَلم يَأْتِ ذَنبا عَامِدًا غير أَنه بِأول حكم الله طَالب رخصَة
فَأَخْطَأَ فِي التَّأْوِيل جهلا فحطه إِلَى الارض من أَعلَى الْجنان المنيفة
وَلم يخف مَا لَاقَى إِذْ انحط هابطا إِلَى الارض من هول الْأُمُور الْعَظِيمَة
وَمَا زَالَ يَدْعُو الله سرا وجهرة وحاول مِنْهُ الْعَفو عَنهُ بتوبة
[ ٢٠٣ ]
وَكَيف بِمن يَأْتِي ذنوبا كَثِيرَة وَيَقْضِي وَمَا وافى بتوبة مخبت
وَكم جَاهِل لم يزدجر بِالَّذِي جرى على آدم من فعله كل خزية
لقد شَمل الْخَيْر الْوُجُود بأسره فَمَا كَانَ من شَرّ فَذَاك لندرة
وَلم يكن الْمَقْصُود بِالذَّاتِ إِنَّمَا أَتَى بطرِيق الضمن والتبعية
ألم تَرَ أَن الْغَيْث خير وانه ليحصل مِنْهُ وكف بعض الأكنة
وان لهيب النَّار للثوب محرق وَيحصل مِنْهُ نضج كل معيشة
فقد يتبع الْخَيْر الْكثير الَّذِي نرى لنا فيهمَا شَرّ يسير الْمضرَّة
وَلَو روعي الضّر الَّذِي فيهمَا لنا وَلم يخلقا لاختل نظم الخليقة
وَكَانَ هَلَاك الْحَرْث والنسل عَاجلا وَذَاكَ بِلَا شكّ خراب البسيطة
وَلم يَك إِلَّا عَالم الْأَمر وَحده وَلم يخف مَا فِي ذَاك من نقص خلقه
وَفِي الحشرات الساقطات مَنَافِع يُحِيط بهَا أهل الْعُقُول السليمة
وَلَو لم تكن مَا عَاشَ من نوعنا امْرُؤ لفضل بخارات الهيولى الردية
فَمن ذَلِك الْفضل الردي تكونت وَفِي مدْخل الاوساخ فِي الارض حلت
وغودر مَا نلقيه منا غذاؤها لصفو الْهوى من شوب كل أذية
لتنتعش الارواح منا بطيبه ويصفو لنا ورد الْحَيَاة الهنية
وَقد ركب الاجسام منا وكل مَا تركب منحل وَلَو بعد بُرْهَة
وألبس منا كل جُزْء بحيز لأركاننا الذاتية العنصرية
وَمَا جَمعنَا بعد افْتِرَاق بمعجز وَهل آخر يَخْلُو عَن الأولية
وان معاد الشَّيْء بعد انعدامه لأسهل من إنْشَاء إنْشَاء بداة
ومطلع شمس النَّفس من مشرق الخلا سيطلعها من مغرب العدمية
سُبْحَانَ من يحيي بقدرته الَّذِي يُمِيت كَمَا أَحْيَاهُ أول مرّة
[ ٢٠٤ ]