أما إِنْكَار الفلاسفة والمعتزلة فَظَاهر وَأما إِنْكَار الكرامية والحنابلة فلأنهم أطبقوا على أَنه تَعَالَى لَو لم يكن جسما وَفِي مَكَان لامتنعت رُؤْيَته وأهم الْمُهِمَّات تعْيين مَحل النزاع
فَنَقُول الإدراكات ثَلَاث مَرَاتِب
أَحدهَا وَهُوَ أضعفها معرفَة الشَّيْء لَا بِحَسب ذَاته بل بِوَاسِطَة آثاره كَمَا يتعرف من وجود الْبناء أَن هَهُنَا بانيا وَمن وجود النقش أَن هَهُنَا نقاشا
وَثَانِيها وَهُوَ أوسطها أَن نَعْرِف الشَّيْء بِحَسب ذَاته الْمَخْصُوصَة كَمَا إِذا عرفنَا السوَاد من حَيْثُ هُوَ سَواد وَالْبَيَاض من حَيْثُ هُوَ بَيَاض
وَثَالِثهَا وَهُوَ أكملها كَمَا إِذا أبصرنا بِالْعينِ السوَاد وَالْبَيَاض فَإِن بديهة الْعقل جازمة بِأَن هَذِه الْمرتبَة فِي الْكَشْف والجلاء أكمل من الْمرتبَة الْمُتَقَدّمَة
[ ٧٣ ]
إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول أطبق أهل الْعلم على أَنه يُمكن معرفَة الله تَعَالَى بِالْوَجْهِ الأول وَهل يُمكن مَعْرفَته بِالْوَجْهِ الثَّانِي فِيهِ اخْتِلَاف وَهل يُمكن مَعْرفَته بِالْوَجْهِ الثَّالِث بِمَعْنى أَنه هَل يُمكن أَن يحصل للبشر نوع إِدْرَاك نسبته إِلَى ذَات الله تَعَالَى كنسبة الإبصار إِلَى المبصرات فِي قُوَّة الظُّهُور والجلاء هَذَا هُوَ المُرَاد من قَوْلنَا إِنَّه تصح رُؤْيَة الله تَعَالَى أم لَا
عِنْد هَذَا يظْهر أَن من قَالَ الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بامتناعه فَهُوَ جَاهِل مكابر
وَاحْتج الْجُمْهُور من الْأَصْحَاب بِأَن قَالُوا لَا شكّ أَنا نرى الطَّوِيل والعريض وَلَا معنى للطويل والعريض إِلَّا جَوَاهِر متألفة فِي سمت مَخْصُوص وَذَلِكَ يدل على أَن الْجَوَاهِر مرئية وَلَا نزاع أَيْضا أَن الألوان مرئية فَثَبت أَن صِحَة الرُّؤْيَة حكم مُشْتَرك فِيهِ بَين الْجَوَاهِر والأعراض وَالْحكم الْمُشْتَرك فِيهِ لَا بُد لَهُ من عِلّة مُشْتَركَة فِيهَا والمشترك بَين الْجَوْهَر وَالْعرض
إِمَّا الْحُدُوث أَو الْوُجُود والحدوث لَا يصلح للعلية لِأَن الْحُدُوث عبارَة عَن وجود بعد عدم والقيد العدمي لَا يصلح للعلية فَوَجَبَ أَن تكون الْعلَّة هِيَ الْوُجُود وَالله تَعَالَى مَوْجُود فَوَجَبَ القَوْل بِصِحَّة رُؤْيَته
وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيف لِأَنَّهُ يُقَال الْجَوْهَر وَالْعرض مخلوقان فصحة المخلوقية حكم مُشْتَرك بَينهمَا فَلَا بُد من عِلّة مُشْتَركَة
والمشترك إِمَّا الْحُدُوث وَإِمَّا الْوُجُود والحدوث بَاطِل بِمَا ذكرتموه فَبَقيَ الْوُجُود فَوَجَبَ أَن يَصح كَونه تَعَالَى مخلوقا وكما أَن هَذَا بَاطِل فَكَذَلِك مَا ذكرتموه بَاطِل
وَأَيْضًا فَإنَّا ندرك باللمس الطَّوِيل والعريض وندرك الْحَرَارَة والبرودة فصحة الملموسية حكم مُشْتَرك ونسوق الْكَلَام إِلَى آخِره حَتَّى يلْزم صِحَة كَونه تَعَالَى ملموسا والتزامه مَدْفُوع فِي بديهة الْعقل
وَالْمُخْتَار عندنَا أَن نقُول الدَّلَائِل السمعية دَالَّة على حُصُول الرُّؤْيَة وشبهات الْمُعْتَزلَة فِي امْتنَاع الرُّؤْيَة بَاطِلَة فَوَجَبَ علينا الْبَقَاء على تِلْكَ الظَّوَاهِر
أما بَيَان الدَّلَائِل السمعية فَمن وُجُوه
[ ٧٤ ]
أَحدهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ فَنَقُول النّظر إِمَّا أَن يكون عبارَة عَن الرُّؤْيَة أَو عَن تقليب الحدقة نَحْو المرئي التماسا لرُؤْيَته
وَالْأول هُوَ الْمَقْصُود وَالثَّانِي يُوجب الِامْتِنَاع عَن إجرائه على ظَاهره لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يَصح فِي المرئي الَّذِي يكون لَهُ جِهَة فَوَجَبَ حمله على لَازمه وَهُوَ الرُّؤْيَة لِأَن من لَوَازِم تقليب الحدقة إِلَى سمت جِهَة المرئي حُصُول الرُّؤْيَة وَإِطْلَاق اسْم السَّبَب لإِرَادَة الْمُسَبّب جَائِز وَقَوْلهمْ يضمر فِيهِ إِلَى ثَوَاب رَبهَا خطأ لِأَن زِيَادَة الْإِضْمَار من غير حَاجَة لَا يجوز
الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ نقل عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الزِّيَادَة هِيَ النّظر إِلَى الله
وَالثَّالِث قَوْله تَعَالَى الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا رَبهم وَقَوله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا بآيَات رَبهم ولقائه﴾ وَقَوله ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه﴾ وَقَوله ﴿بل هم بلقاء رَبهم كافرون﴾ وَقَوله ﴿تحيتهم يَوْم يلقونه﴾ واللقاء عبارَة عَن الْوُصُول وَهَذَا فِي حق الله تَعَالَى محَال إِلَّا أَن من رأى شَيْئا فَكَانَ بَصَره لقِيه وَوصل إِلَيْهِ فَوَجَبَ حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ
الرَّابِع قَوْله تَعَالَى كلا إِنَّهُم عَن ربيهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون وَتَخْصِيص الْكفَّار بِهَذَا الْحجب يدل على أَن الْمُؤمنِينَ لَا يكونُونَ محجوبين
الْخَامِس قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت نعيما وملكا كَبِيرا﴾ وَالْملك الْكَبِير هُوَ الله تَعَالَى وَذَلِكَ يدل على أَنه ﷺ يرى ربه يَوْم الْقِيَامَة
السَّادِس قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن مُوسَى ﵇ ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ وَلَو كَانَت الرُّؤْيَة ممتنعة على الله تَعَالَى لَكَانَ مُوسَى جَاهِلا بِاللَّه تَعَالَى
[ ٧٥ ]
السَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني﴾ علق الرُّؤْيَة على اسْتِقْرَار الْجَبَل وَهَذَا الشَّرْط مُمكن وَالْمُعَلّق بالممكن مُمكن
الثَّامِن قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾ والتجلي هُوَ الرُّؤْيَة وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى خلق فِي الْجَبَل حَيَاة وسمعا وبصرا وعقلا وفهما وَخلق فِيهِ رُؤْيَة رأى الله بهَا
التَّاسِع قَوْله ﷺ (إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر) وَالْمَقْصُود من هَذَا التَّشْبِيه تَشْبِيه الرُّؤْيَة بِالرُّؤْيَةِ لَا تَشْبِيه المرئي بالمرئي
الْعَاشِر أَن الصَّحَابَة ﵃ اخْتلفُوا فِي أَن مُحَمَّدًا ﷺ رأى ربه أم لَا وَاخْتِلَافهمْ فِي الْوُقُوع يدل ظَاهرا على اتِّفَاقهم على الصِّحَّة
أما الْمُعْتَزلَة فقد ذكرُوا وُجُوهًا
الأول قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ والرؤية إِدْرَاك فنفي الْإِدْرَاك يُوجب نفي الرُّؤْيَة
وَالثَّانِي وَهُوَ أَن الله تَعَالَى تمدح بِنَفْي الْإِدْرَاك وكل مَا عَدمه مدح كَانَ وجوده نقصا وَالنَّقْص على الله تَعَالَى محَال
وَالثَّالِث قَوْله تَعَالَى ﴿لن تراني﴾ وَلنْ نفيد التأييد فَوَجَبَ أَن يُقَال إِن مُوسَى ﵇ لَا يرى الله تَعَالَى الْبَتَّةَ وكل من قَالَ إِن مُوسَى لَا يرى الله تَعَالَى الْبَتَّةَ قَالَ إِن غَيره لَا يرَاهُ أَيْضا
وَالرَّابِع قَالُوا إِنَّه مَتى حصلت هَذِه الشَّرَائِط الثَّمَانِية وَجب الرُّؤْيَة
أَحدهَا سَلامَة الحاسة
وَثَانِيها كَون الشَّيْء بِحَيْثُ لَا يمْتَنع رُؤْيَته
وَثَالِثهَا عدم الْقرب الْقَرِيب
وَرَابِعهَا عدم الْبعد الْبعيد
وخامسها عدم اللطافة
وسادسها عدم الصغر
وسابعها عدم الْحجاب
وثامنها حُصُول الْمُقَابلَة
وَالدَّلِيل على وجوب الرُّؤْيَة عِنْد حُصُول هَذَا
[ ٧٦ ]
الشَّرَائِط الثَّمَانِية أَنه لَو لم تجب الرُّؤْيَة عِنْد حُصُولهَا لجَاز أَن يكون بحضرتنا جبال وشموس وأقمار وَنحن لَا نرَاهَا وَذَلِكَ جَهَالَة عَظِيمَة فَثَبت وجوب الرُّؤْيَة عِنْد حُصُول هَذِه الشَّرَائِط الثَّمَانِية
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول أما الشَّرَائِط السِّتَّة الْأَخِيرَة فَهِيَ لَا تعقل إِلَّا فِي حق الْأَجْسَام وَالله تَعَالَى لَيْسَ بجسم فَيمْتَنع كَونهَا شَرَائِط فِي رُؤْيَة الله تَعَالَى فَبَقيَ أَن يُقَال الشَّرْط الْمُعْتَبر فِي حُصُول رُؤْيَة الله تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا سَلامَة الحاسة وَكَون الشَّيْء بِحَيْثُ يَصح أَن يرى وهما حاصلان فِي الْحَال فَكَانَ يجب أَن نرَاهُ فِي الْحَال وَحَيْثُ لن نره فِي الْحَال علمنَا أَن ذَلِك لِأَنَّهُ تمْتَنع رُؤْيَته لذاته وَالْعلم بِهِ ضَرُورِيّ
الْخَامِس قَوْلهم إِنَّه تَعَالَى لَيْسَ بجسم مُقَابل للرائي وَلَا فِي حكم الْمُقَابل لَهُ فَوَجَبَ أَن تمْتَنع رُؤْيَته وَالْعلم بِهِ ضَرُورِيّ
وَالْجَوَاب عَن التَّمَسُّك بقوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ من وَجْهَيْن
الأول أَن لفظ الْأَبْصَار صِيغَة جمع وَهِي تفِيد الْعُمُوم فسلبه يُفِيد سلب الْعُمُوم وَذَلِكَ لَا يُفِيد عُمُوم السَّلب لِأَن نقيض الْمُوجبَة الْكُلية هُوَ السالبة الْجُزْئِيَّة لَا السالبة الْكُلية
الثَّانِي إِن الْإِدْرَاك عبارَة عَن إبصار جوانبه وأطرافه وَهَذَا فِي حق الله تَعَالَى محَال وَنفي الإبصار الْخَاص لَا يُوجب نفي أصل الإبصار
وَالْجَوَاب عَن قَوْلهم تمدح بِعَدَمِ الإبصار فَكَانَ وجوده نقصا وَالنَّقْص على الله محَال
أَن نقُول إِنَّه تَعَالَى تمدح بِكَوْنِهِ قَادِرًا على حجب الْأَبْصَار عَن رُؤْيَته فَكَانَ سلب هَذِه الْقُدْرَة نقصا
ثمَّ نقُول هَذِه الْآيَة تدل على إِثْبَات صِحَة الرُّؤْيَة من وَجْهَيْن
[ ٧٧ ]
أَحدهمَا أَنه تَعَالَى لَو كَانَ بِحَيْثُ تمْتَنع رُؤْيَته لذاته لما حصل التمدح بِنَفْي هَذِه الرُّؤْيَة بِدَلِيل أَن المعدومات لَا تصح رؤيتها وَلَيْسَ لَهَا صفة مدح بِهَذَا السَّبَب
أما إِذا كَانَ الله تَعَالَى بِحَيْثُ يَصح أَن يرى ثمَّ إِنَّه قَادر على حجب جَمِيع الْأَبْصَار عَن رُؤْيَته كَانَ هَذَا صفة مدح
الثَّانِي أَنه تَعَالَى نفى أَن ترَاهُ جَمِيع الْأَبْصَار وَهَذَا يدل بطرِيق الْمَفْهُوم على أَنه يرَاهُ بعض الْأَبْصَار كَمَا أَنه إِذا قيل إِن قرب السُّلْطَان لَا يصل إِلَيْهِ كل النَّاس فَإِنَّهُ يُفِيد أَن بَعضهم يصل إِلَيْهِ وَالله أعلم
وَالْجَوَاب عَن التَّمَسُّك بقوله ﴿لن تراني﴾ أَن هَذَا أَيْضا يدل على كَونه تَعَالَى جَائِزا مِنْهُ الرُّؤْيَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُمْتَنع الرُّؤْيَة لقَالَ إِنَّه لَا يَصح رؤيتي أَلا ترى أَن من كَانَ فِي كمه حجر فَظَنهُ بَعضهم طَعَاما فَقَالَ لَهُ أَعْطِنِي هَذَا لآكله كَانَ الْجَواب الصَّحِيح أَن يُقَال هَذَا لَا يُؤْكَل
أما إِذا كَانَ ذَلِك الشَّيْء طَعَاما يَصح أكله فَحِينَئِذٍ يَصح أَن يَقُول الْمُجيب إِنَّك لن تَأْكُله
وَالْجَوَاب عَن قَوْلهم لَو صحت رُؤْيَته لرأيناه
أَنا لَا نسلم أَن رُؤْيَة المحدثات وَاجِبَة الْحُصُول عِنْد حُصُول هَذِه الشَّرَائِط فَلم قُلْتُمْ إِن رُؤْيَة الله تَعَالَى وَاجِبَة الْحُصُول عِنْدهَا لِأَن رُؤْيَته تَعَالَى بِتَقْدِير حُصُولهَا مُخَالفَة لرؤية المحدثات وَلَا يلْزم من حُصُول حكم فِي شَيْء حُصُوله فِيمَا يُخَالِفهُ
وَالْجَوَاب عَن قَوْلهم لَو كَانَ مرئيا لوَجَبَ كَونه مُقَابلا للرائي
هُوَ أَنكُمْ إِن ادعيتم فِيهِ الضَّرُورَة فَهُوَ بَاطِل لأَنا فسرنا الرُّؤْيَة بِشَيْء يمْتَنع ادِّعَاء البديهة فِي امْتِنَاعه وَإِن ادعيتم الدَّلِيل فاذكروه
[ ٧٨ ]