أَحدهَا أَن الْإِنْسَان حَال مَا يكون شَدِيد الاهتمام بمهم من الْمُهِمَّات فَإِنَّهُ قد يَقُول قلت كَذَا وَفعلت كَذَا وَأمرت بِكَذَا وَهَذِه الضمائر دَالَّة على نَفسه الْمَخْصُوصَة فَهُوَ فِي هَذِه الْأَحْوَال عَالم بِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَة وغافل عَن جَمِيع أَعْضَائِهِ الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة والمعلوم مُغَاير لغير الْمَعْلُوم
الثَّانِي أَن جَمِيع أَعْضَائِهِ الظَّاهِرَة والباطنة آخذة فِي الذوبان والانحلال لِأَن البنية مركبة من الْأَعْضَاء الآلية وَهِي مركبة من الْأَعْضَاء البسيطة وَهِي حارة رطبَة والحرارة إِذا أثرت فِي الْجِسْم الرطب أصعدت عَنهُ الأبخرة الْعَظِيمَة فَلهَذَا السَّبَب يحْتَاج الْحَيَوَان إِلَى الْغذَاء ليقوم بدل الْأَجْزَاء المنحلة
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول الْأَجْزَاء والأعضاء كلهَا فِي التبدل وَالنَّفس الْمَخْصُوصَة الَّتِي لكل أحد وَاحِدَة بَاقِيَة من أول الْعُمر إِلَى آخِره وَالْبَاقِي غير مَا هُوَ غير الْبَاقِي فَالنَّفْس غير هَذِه البنية
[ ١١٥ ]
الثَّالِث أَن الْإِنْسَان إِذا رأى لون شَيْء علم بضرورة الْعقل أَن طعمه كَذَا وَكَذَا وَالْقَاضِي على الشَّيْئَيْنِ لَا بُد وَأَن يحضرهُ الْمقْضِي عَلَيْهِمَا فههنا شَيْء وَاحِد وَهُوَ الْمدْرك لجَمِيع المحسوسات المدركة بالحواس الظَّاهِرَة وَأَيْضًا إِذا تخيلنا صُورَة ثمَّ رأيناها حكمنَا بِأَن هَذِه الصُّورَة المرئية صُورَة ذَلِك المخيل فَلَا بُد من شَيْء وَاحِد يكون مدْركا لهَذِهِ الصُّورَة المبصرة ولتلك الصُّورَة المتخيلة لَان القَاضِي على الشَّيْئَيْنِ لَا بُد وَأَن يحضرهُ الْمقْضِي عَلَيْهِمَا وَأَيْضًا إِذا تخيلنا صورا مَخْصُوصَة وأدركنا مَعَاني مَخْصُوصَة كالعداوة والصداقة فَإنَّا نركب بَين هَذِه الصُّور وَبَين هَذِه الْمعَانِي فَوَجَبَ حُصُول شَيْء وَاحِد يكون مدْركا للصور والمعاني حَتَّى يقدر على تركيب بَعْضهَا لبَعض وَإِلَّا لَكَانَ الْحَاكِم بِشَيْء على شَيْء غير مدرك لَهما وَهُوَ محَال
وَأَيْضًا إِذا رَأينَا هَذَا الْإِنْسَان علمنَا أَنه إِنْسَان وَأَنه لَيْسَ بفرس
فالحاكم على هَذَا الجزئي بذلك الْكُلِّي وَجب أَن يكون مدْركا لَهما فَثَبت بِهَذِهِ الْبَرَاهِين أَنه لَا بُد وَأَن يحصل فِي الْإِنْسَان شَيْء وَاحِد يكون هُوَ الْمدْرك لجَمِيع المدركات بِجَمِيعِ أَنْوَاع الإدراكات
وَأَيْضًا إِن الْفِعْل الصَّادِر عَن الْإِنْسَان فعل اخْتِيَاري وَالْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ عبارَة عَمَّا إِذا اعْتقد فِي شَيْء كَونه زَائِد النَّفْع فيتولد عَن ذَلِك الِاعْتِقَاد ميل فيضم ذَلِك الْميل إِلَى أصل الْقُدْرَة فيصبر مَجْمُوع ذَلِك الْميل مَعَ تِلْكَ الْقُدْرَة مُوجبا وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهَذَا الْفَاعِل لَا بُد وَأَن يكون مدْركا إِذْ لَو لم يكن مدْركا لما كَانَ هَذَا الْفِعْل اختياريا فَثَبت أَنه حصل فِي الْإِنْسَان شَيْء وَاحِد هُوَ الْمدْرك لكل المدركات بِجَمِيعِ أَنْوَاع الإدراكات وَهُوَ الْفَاعِل لجَمِيع أَنْوَاع الْأَفْعَال وَهَذَا برهَان قَاطع
وَإِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول ظَاهر أَن مَجْمُوع الْبدن لَيْسَ مَوْصُوفا بِهَذِهِ الصّفة وكل عُضْو من أَعْضَاء الْبدن يشار إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِك فَثَبت أَن
[ ١١٦ ]
الْإِنْسَان شَيْء آخر سوى هَذَا الْبدن وَسوى هَذِه الْأَعْضَاء
الرَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ فَهَذَا النَّص يدل على أَن الْإِنْسَان بعد قَتله حَيّ والحس يدل على أَن هَذَا الْجَسَد بعد الْقَتْل ميت فَوَجَبَ أَن يكون الْإِنْسَان مغايرا لهَذَا الْجَسَد
الْخَامِس مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي بعض خطبه حَتَّى إِذا حمل الْمَيِّت على نعشه رَفْرَف روحه فَوق النعش وَيَقُول يَا أَهلِي وَيَا وَلَدي لَا تلعبن بكم الدُّنْيَا كَمَا لعبت بِي وَجه الدَّلِيل أَن هَذَا النَّص يدل على أَنه بَقِي جَوْهَر حَيّ نَاطِق بعد موت هَذَا الْبدن وَهَذَا يدل على أَن الْإِنْسَان غير هَذَا الْجَسَد