أعلم أَنه لما ثَبت أَنه لَا معنى للتحسين والتقبيح إِلَّا جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار فَهَذَا إِنَّمَا يعقل ثُبُوته فِي حق من يَصح عَلَيْهِ النَّفْع وَالضَّرَر فَلَمَّا كَانَ الْإِلَه متعاليا عَن ذَلِك امْتنع ثُبُوت التحسين والتقبيح فِي حَقه فَإِن أَرَادَ الْمُخَالف بالتحسين والتقبيح شَيْئا سوى جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار وَجب عَلَيْهِ بَيَانه حَتَّى يمكننا أَن نَنْظُر أَنه هَل يُمكن إثْبَاته فِي حق الله تَعَالَى أم لَا فَهَذَا هُوَ الْحَرْف الكاشف عَن حَقِيقَة هَذِه الْمَسْأَلَة
ثمَّ نقُول الَّذِي يدل على أَنه لَا يُمكن إِثْبَات الْحسن والقبح فِي حق الله تَعَالَى وُجُوه
أَحدهَا أَن الْفِعْل الصَّادِر عَن الله تَعَالَى إِمَّا أَن يكون وجوده وَعَدَمه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ على السوية أَو لَا يكون فَإِن كَانَ الأول فقد بَطل الْحسن والقبح وَإِن كَانَ الثَّانِي لزم كَونه نَاقِصا بِذَاتِهِ مستكملا بذلك الْفِعْل وَذَلِكَ
[ ٩٣ ]
فِي حق الله تَعَالَى محَال فَإِن قَالُوا إِن وجود ذَلِك الْفِعْل وَعَدَمه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ على التَّسَاوِي إِلَّا أَنه تَعَالَى يَفْعَله لإيصال النَّفْع إِلَى العَبْد
فَنَقُول أَيْضا إِيصَال النَّفْع إِلَى العَبْد وَعدم إيصاله إِلَيْهِ إِن اسْتَويَا فقد بَطل الْحسن والقبح وَإِن لم يستويا فقد عَاد مَا ذكرنَا أَنه نَاقص لذاته مكتمل لغيره وَهُوَ محَال
الْحجَّة الثَّانِيَة أَن الْعَالم مُحدث فَكَانَ حُدُوثه مُخْتَصًّا بِوَقْت معِين لَا محَالة فَإِن كَانَ ذَلِك الْوَقْت مُسَاوِيا لسَائِر الْأَوْقَات من جَمِيع الْوُجُوه فقد بَطل تَوْقِيف فعل الله تَعَالَى على الْحسن والقبح وَإِن اخْتصَّ ذَلِك الْوَقْت بخاصية لأَجلهَا وَقع الإحداث فِيهِ لَا فِي غَيره فَإِن كَانَت تِلْكَ الخاصية إِنَّمَا حصلت فِيهِ بتخصيص الله تَعَالَى ذَلِك الْوَقْت بهَا عَاد الْبَحْث الأول وَإِن كَانَ اخْتِصَاص ذَلِك الْوَقْت بِتِلْكَ الخاصية لذاته ولعينه فَحِينَئِذٍ يجوز كَون الْوَقْت الْمعِين سَببا لحدوث حَادث مَخْصُوص وَإِذا جَازَ ذَلِك فقد بَطل الِاسْتِدْلَال بحدوث الْحَوَادِث على الصَّانِع لاحْتِمَال أَن يكون الْمُؤثر فِيهَا هُوَ الْأَوْقَات
الْحجَّة الثَّالِثَة أَنه تَعَالَى علم من الْكفَّار والفساق أَنهم يكفرون ويفسقون فَكَانَ صُدُور الْإِيمَان وَالطَّاعَة مِنْهُم محالا ثمَّ إِنَّه أَمرهم بِالْإِيمَان وَالطَّاعَة وَهَذَا الْأَمر لَا يفيدهم إِلَّا اسْتِحْقَاق الْعقَاب فَثَبت أَن تَوْقِيف أَفعَال الله تَعَالَى وَأَحْكَامه على الْحسن والقبح بَاطِل