اعْلَم أَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ تَفْرِقَة بَين بدن الْإِنْسَان السَّلِيم عَن الْأَمْرَاض الْمَوْصُوف بِالصِّحَّةِ وَبَين الْمَرِيض الْعَاجِز وَالْمُخْتَار عندنَا أَن تِلْكَ التَّفْرِقَة عَائِدَة إِلَى سَلامَة البنية واعتدال المزاج
وَأما أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فَإِنَّهُ أثبت صفة سَمَّاهَا بِالْقُدْرَةِ مُغَايرَة لاعتدال المزاج وَاحْتج على إِثْبَات هَذِه الصّفة بِأَن قَالَ نَحن نَدْرِي تَفْرِقَة بَين الْإِنْسَان السَّلِيم الْأَعْضَاء وَبَين الزَّمن المقعد فِي أَنه يَصح الْفِعْل من الأول دون الثَّانِي وَتلك التَّفْرِقَة لَيست إِلَّا فِي حُصُول صفة للقادر دون الْعَاجِز وَتلك الصّفة هِيَ الْقُدْرَة
فَيُقَال لَهُ أتدعي حُصُول هَذِه التَّفْرِقَة قبل حُصُول الْفِعْل أَو حَال حُصُول الْفِعْل وَالْأول بَاطِل لِأَن قبل حُصُول الْفِعْل لَا وجود للقدرة على الْفِعْل عنْدك فَإِن مذهبك أَن الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل لَا قبل الْفِعْل وعَلى هَذَا الْمَذْهَب فالتفرقة الْحَاصِلَة قبل الْفِعْل تمْتَنع أَن تكون لأجل الْقُدْرَة
وَالثَّانِي
[ ٨٨ ]
بَاطِل لِأَن حَال حُصُول الْفِعْل يمْتَنع مِنْهُ التّرْك وَإِلَّا لزم مِنْهُ اجْتِمَاع النقيضين وَهُوَ محَال
وَأَيْضًا ندعي حُصُول هَذِه الْقُدْرَة عِنْد مَا يخلق الله الْفِعْل فِي العَبْد أَو عِنْد مَالا يخلقه فِيهِ وَالْأول محَال لِأَن عِنْد حُصُول الْفِعْل لَا يتَمَكَّن من تَركه
وَالثَّانِي محَال لِأَن عِنْدَمَا لَا يخلق الله الْفِعْل فِي العَبْد لَا يتَمَكَّن للْعَبد من فعله فعلى جَمِيع الْأَحْوَال ادِّعَاء هَذِه التَّفْرِقَة على مذْهبه محَال
سلمنَا حُصُول التَّفْرِقَة لَكِن لم لَا يجوز أَن يُقَال إِنَّه إِذا اجْتمع الْحَار مَعَ الْبَارِد انْكَسَرَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْآخرِ وَتحصل كَيْفيَّة متوسطة بَينهمَا معتدلة وَتلك الْكَيْفِيَّة هِيَ الْقُدْرَة
وَالْحق عندنَا أَن الْعلم بِحُصُول هَذِه التَّفْرِقَة ضَرُورِيّ وَأَن تِلْكَ التَّفْرِقَة عَائِدَة إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ من المزاج السَّلِيم وَأَن تِلْكَ الصلاحية مَتى انْضَمَّ إِلَيْهَا الداعية الجازمة صَار مجموعهما مُوجبا للْفِعْل