وَالْمرَاد مِنْهُ أَن لَا يُمكن تقرر الماهيات منفكة عَن صفة الْوُجُود وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الماهيات لَو كَانَت متقررة فِي نَفسهَا لكَانَتْ متشاركة فِي كَونهَا متقررة خَارج الذِّهْن ومتخالفة بخصوصياتها وَمَا بِهِ الْمُشَاركَة غير مَا بِهِ الْمُخَالفَة فَكَأَن كَونهَا متقررة خَارج الذِّهْن أمرا مُشْتَركا فِيهِ زَائِدا على خصوصياتها وَلَا معنى للوجود إِلَّا ذَلِك
فَيلْزم أَن يُقَال إِنَّهَا حَال عرائها عَن الْوُجُود كَانَت مَوْصُوفَة بالوجود وَهَذَا محَال
وَأَيْضًا فَإنَّا ندرك التَّفْرِقَة بَين قَوْلنَا السوَاد سَواد وَبَين قَوْلنَا إِن السوَاد متقرر فِي الْخَارِج وَهَذَا يدل على أَن كَونه متقررا فِي الْخَارِج صفة زَائِدَة على الْمَاهِيّة
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْمَعْدُوم متميز وكل متميز ثَابت فالمعدوم ثَابت
بَيَان الأول من وُجُوه
الأول أَنا نميز بَين طُلُوع الشَّمْس غَدا من مشرقها وَبَين طُلُوعهَا غَدا من مغْرِبهَا وَهَذَانِ الطلوعان معدومان فقد حصل الامتياز بَين المعدومات
[ ٣٠ ]
وَالثَّانِي أَنا نقدر على الْحَرَكَة يمنة ويسرة وَلَا نقدر على الطيران إِلَى السَّمَاء فَهَذِهِ الْأَشْيَاء مَعْدُومَة مَعَ أَنَّهَا متميزة
وَالثَّالِث أَنا نحب حُصُول اللَّذَّات ونكره حُصُول الآلام فقد وَقع حُصُول الامتياز فِي هَذِه المعدومات
وَبَيَان أَن كل متميز ثَابت فَهُوَ أَن المتميز هُوَ الْمَوْصُوف بِصفة لأَجلهَا امتاز عَن الآخر وَمَا لم تكن حَقِيقَته متقررة امْتنع كَونهَا مَوْصُوفَة بِالصّفةِ الْمُوجبَة للامتياز
وَالْجَوَاب أَن مَا ذكرْتُمْ منقوض بتصور المتنعات وبتصور المركبات كجبل من ياقوت وبحر من زيبق وبتصور الإضافيات ككون الشي حَاصِلا فِي الحيز وَحَالا ومحلا فَإِن هَذِه الْأُمُور متمايزة فِي الْعلم مَعَ إِنَّهَا نفي مَحْض بالِاتِّفَاقِ