إن أمير المؤمنين عليًّا - ﵁ - قَبِلَ وقف القتال في صِفِّين (٢) ورضي التحكيم وعَدَّ ذلك فتحًا ورجع إلى الكوفة، وعلّق على التحكيم آمالًا في إزالة الخلاف وجمع الكلمة، ووحدة الصف، وتقوية الدولة، وإعادة حركة الفتوح من جديد.
ولكن قتلة عثمان كانوا حريصين على أن تستمر المعركة بين الطرفين، حتى يتفانى الناس، وتضعف قوة الطرفين، فيكونوا بمنأى عن القصاص والعقاب، ولذلك فإنهم فزعوا وهم يرون أهل الشام يرفعون المصاحف، وعليٌّ - ﵁ - يجيبهم إلى طلبهم فيأمر بوقف القتال وحقن الدماء فسعوا إلى محاولة ثَنْي أمير المؤمنين في عزمه لكن القتال توقف، فسقط في أيديهم، فلم يجدوا بدًا من الخروج على عليٍّ - ﵁ - فاخترعوا مقولة (الحكم لله) وتحصنوا بعيدًا عن الطرفين.
تم الاتفاق بين الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة صِفِّين، وهو أن يحكّم كل واحد منهما رجلًا من جهته ثم يتّفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين، فوكّل معاوية عمرو بن العاص ووكل عليُّ أبا موسى الأشعري - ﵃ - جميعًا، وكُتِبَ بين الفريقين وثيقة في ذلك، وكان مقر اجتماع الحكمين في دومة الجندل في شهر رمضان سنة ٣٧هـ.
وقد رأى قسم من جيش علي - ﵁ - أن عمله هذا ذنب يوجب الكفر فعليه أن يتوب إلى الله تعالى وخرجوا عليه فسموا الخوارج، فأرسل علي - ﵁ - إليهم عبد الله بن عباس - ﵄ - فناظرهم وجادلهم، ثم ناظرهم عليٌّ - ﵁ - بنفسه فرجعت طائفة منهم
_________________
(١) بتصرف من كتاب (الدولة الأموية) للدكتور علي الصلابي (١٧٨ - ٢٠٢).
(٢) صِفَّين: بكسرتين وتشديد الفاء، موضع بقرب الرقة على شاطىء الفرات من الجانب الغربىِ بين الرَقة وبالس، وكانت وقعة صِفِّين بين علي ومعاوية - ﵄ - في سنة ٣٧ في غرة صفر. (باختصار من معجم البلدان).
[ ٧٦ ]
وأبَتْ طائفةٌ أخرى، فجرت بينهم وبين علي - ﵁ - حروب أضعفت من جيشه وأنهكت أصحابَه، وما زالوا به حتى قتلوه غيلة.
نَصّ وثيقة التحكيم
بسم الله الرحمن الرحيم
١ـ هذا ما تقاضى عليه عليُّ بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما، فيما تراضَيَا فيه من الحكم بكتاب الله وسنة نبيه - ﵌ -.
٢ـ قضية علي على أهل العراق شاهدهم وغائبهم، قضية معاوية على أهل الشام شاهدهم وغائبهم.
٣ - إنّا تراضينا أن نقف عند حُكم القرآن فيما يحكم من فاتحته إلى خاتمته، نُحيي ما أحْيى ونُميت ما أمات. على ذلك تقاضينا وبه تراضينا.
٤ - وإن عليًّا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس (١) ناظرًا وحاكمًا، ورضي معاوية بعمرو بن العاص ناظرًا وحاكمًا.
٥ - عليٌّ ومعاوية - ﵄ - أخذا على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه وذِمّته وذِمّة رسوله، أن يتخذا القرآن إمامًا ولا يعدوا به إلى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطورًا وما لم يجدا في الكتاب ردّاه إلى سنة رسول الله الجامعة، لا يتعمّدان لها خلافًا، ولا يبقيان فيها بشبهة.
٦ - وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على عليٍّ ومعاوية عهدَ الله وميثاقه بالرضا بما حكما به مما في كتاب الله وسنة نبيه وليس لهما أن ينقُصا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره.
٧ - وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأشعارهما وأبشارهما وأهاليهما وأولادهما، لم يَعْدُوَا الحق، رضي به راض أو سخط ساخط، وإن الأمة أنصارهما على ما قضيا به من الحق مما في كتاب الله.
_________________
(١) أبو موسى الأشعري - ﵁ -.
[ ٧٧ ]
٨ - فإن توفي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة، فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه رجلًا من أهل المعدلة والصلاح، على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق.
٩ - وإن مات أحد الأميرين قبل إنقضاء الأجل المحدود في هذه القضية، فلشيعته أن يُوِلوّا مكانه رجلًا يرضون عدله.
١٠ - وقد وقعت القضية بين الفريقين والمفاوضة ورفع السلاح.
١١ - وقد وجبت القضية على ما سمّيناه في هذا الكتاب، من موقع الشرط على الأميرين والحَكمين والفريقين والله أقرب شهيد وكفى به شهيدًا، فإن خالفا وتعدّيا، فالأمّة بريئة من حُكمهما، ولا عهد لهما ولا ذِمّة.
١٢ - والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأولادهم وأموالهم إلى انقضاء الأجل، والسلاح موضوع، والسبل آمنة، والغائب من الفريقين مثل الشاهد في الأمر.
١٣ - وللحَكمين أن ينزلا منزلًا متوسطًا عدلًا بين أهل العراق والشام.
١٤ - ولا يحضرهما فيه إلا من أحبَّا عن تراضٍ بينهما.
١٥ - والأجل إلى انقضاء شهر رمضان، فإن رأى الحَكمان تعجيل الحكومة عجّلاها، وإن رَأَى تأخيرها إلى آخر الأجل أخَّراها.
١٦ - فإن هما لم يحكُما بما في كتاب الله وسنة نبيه إلى انقضاء الأجل، فالفريقان على أمرهم الأول في الحرب.
١٧ - وعلى الأمّة عهد الله وميثاقه في هذا الأمر، وهم جميعًا يد واحدة على من أراد في هذا الأمر إلحادًا أو ظلمًا أو خلافًا.
وكتب يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين (١).
_________________
(١) انظر: الوثائق السياسية (٥٣٧ - ٥٣٨)، الأخبار الطوال للدينوري (١٩٦ - ١٩٩)، أنساب الأشراف (١/ ٣٨٢)، تاريخ الطبري (٥/ ٦٦٥، ٦٦٦)، البداية والنهاية (٧/ ٢٧٦، ٢٧٧).
[ ٧٨ ]